لماذا يصطاف أهالي الجعاشن في عز الشتاء؟.. أقصى سعادة لأقل عدد – فكري قاسم

لماذا يصطاف أهالي الجعاشن في عز الشتاء؟.. أقصى سعادة لأقل عدد – فكري قاسم

لِمَ القلق؟
هي ليست أكثر من نزهة استجمام (!) جماعية قام بها رتل من أهالي «رعاش» و«الصفة» بصحبة مواشيهم وخيامهم إلى تلٍّ بهي على مقربة من مساكنهم المهجورة -لأيام- خوفاًمن جبايات عسكر عضو مجلس الشورى، مستشار رئيس الجمهورية، الشاعر، محمد أحمد منصور «شيخ الجعاشن».
وللإتاوات (الفرْق) في الجعاشن قصص موجعة، ولها مهندسو خساسة بارعون في «خلس» الناس بالحق وبالباطل، فيما السلطة -حيال نافذيها كعادتها- متفرج لبيب!!
القرويون الذين كانوا يحتفون بالغرباء، أصبحوا يخافونهم؛ فلربما أن أحد القادمين سيكون «حُرَّبي» من أنصار الشيخ.
لذا لم يكن بوسع الباقين في قراهم إلا أن يتحدثوا لآلة التسجيل بحماس بلدي: «كُله تمام!!». لكنك تراهم أمامك يبلعون ريقاً جافاً حال الحديث، مُبتسمين ببلاهة كما لو أن هناك من يتلصص في أعماقهم.
وحفاظاً على سلامتهم يمضي الواحد هناك -في الجعاشن- وفي جيبه حصة جاهزة لأي «فرقٍ» قادم سيطلبه رجال الشيخ تحت مبررات لا تنتهي، كإصلاح الطريق مثلاً، من أعمدة كهرباء، ترميم مدرسة، تجهيز مستوصف، وإلى الآن -الحمد لله- لم يُطلب منهم «فرق» لتجهيز منتخب وطني من ابناء الجعاشن للمشاركة في دورة ألعاب خليجي «20» المقرر استضافتها في اليمن العام 2010م «وما جرأ واحد يقول لأ؟، سيذهب في نزهة استجمام «غصباً عن أبوه..».
وفي «الجعاشن» بمحافظة إب إلى الجنوب من العاصمة صنعاء، «الفرق» يجري على قدمٍ وساق.
وللشيخ هناك سجن خاص «الحبلة» وله عسكر ومرافقون «أعفاط»، وله أيضاً حسب قول الأهالي مخزن سلاح زاره مؤخراً، قبل عيد الأضحى الفائت، مهندسون من معسكر خالد (إلى الغرب من تعز) ربما لغرض متعلق بأعمال الصيانة.
و«الفرق» في «الجعاشن» من الثوابت التي لا تُمس.
وللشيخ كتيبة من (6) أشخاص (نحتفظ بأسمائهم)، يتولون تقسيم وجمع جبايات ربما لا يتحمس لها الشيخ أحياناً (وأظنه كذلك) لولا أن أحدهم في كتيبة الخساسة يهمس إليه كمن ينصح: «مو رأيك يا شيخ، نفرض على العُزلة الفلانية «سُعَنِّة» كما شاينسوك الناس».
والـ«سُعنِّة» -التي أظنها اسم الدلع ل(حاجة صغيرة)، هي حسبما عرفت من الأهالي تعني «مليون ريال».. حاجة متواضعة جداً!!
وقياساً بكثافة السُكان في تلك القرى الطيبة، فضلاً عن كون «الجعاشن» من الدول الصناعية! فإن «سُعنَِة» يتقاسمها أهالي عزلة واحدة ك(الصَفة) مثلاً أو (رعَاش) تبدو هدية متواضعة جداً أمام هدف استراتيجي عظيم ك(التذكر)!!
«وهو أصلاً. من يقدر ينسى تفاصيل قهر كهذه؟!».
ليطمئن مهندسو «الخساسة»، إذن. إن أحداً بعد الآن لن ينسى الشيخ، كما لن ينسوهم أيضاً.
إن رسائل تذكير كـ«السُعنِّة»، تكبر، حتى تصبح يوماً ما خاتمة مؤثرة للتمرد!!.
* في ظني أن شاعراً «أحبهُ» كالشيخ محمد أحمد منصور ما كان بحاجة لفعل حماقة كتلك.
هل فعلها لأنه ليس شيخاً من اولئك المشائِخ، ئِخ! المحظوظين بحصص من نفط ومعادن ومياه البلد!؟ ربما.
هل لجأ -بفضل فتواتهِ -ل(خلس) رعيته الغلابا!؟ ذلك لأن المشيخة في القاموس «النخيط» تشتي «زلط» لزوم النفوذ والهنجمة!!
ربما فعلها لذلك، أقول ربما وعيني -طبعاً- محشورة في تلك الزاوية القبيحة حيث التضاريس هي التي تختار قدرك طبقاً لتصنيف «إبن خلدون» الاجتماعي.
* أياً يكن، فإن إبتزاز الناس، إستغلال ضعفهم، حماقة لا تغتفر.
إن شاعراً متفرداً وبليغاً كالشيخ «منصور» أظنه قرأ كثيراً عن الجمال، الروعة، عن «فينوس» آلهة الحُب العذري، وعن «عشتار» و«أفروديت» آلهتيْ الحُب والجمال عند الإغريق. فلماذا غرق في وحلٍ، «سُعنَّات» ليس بوسعها إلا أن تذكر الناس به بوصفه -للأسف- الهة لـ«الفْرق»!!. كم أنا حزين لذلك!
* لعلهُ -وهذا من حقه- ارتعب من فكرة ان الناس ستنساه، أو تخرج عن طوعه. غير أن إحساساً دافئاً تعزز لدي -عند جنازة الشيخ أحمد عبدالرحمن صبر -بأن الشيخ، أي شيخ، إنما هو شيخ بطبعه، بمواقفه، بحضوره الآمن والدافئ بين الناس.
* إن من يكتب قصائد بذاك الجمال، لايتوقع منه -غالباً- إيذاء الناس. كما أن الاحساس المُرهف والقسوة، لا يجتمعان في قلب رجل واحد.
* أحد الأهالي (60 سنة) (حَمَّلني أمانة عدم ذكر إسمه) قال: «كم لي أحلم أنفذ لغريمي عسكري من إدارة الناحية، من أي شيء حق الدولة، لكن مو جرأني؟ الشيخ لا دري شيحبسني».
ثم عرفتُ أن ذلك مفيد، إذ يحضر الغرماء إلى حضرة شيخهم مُحمَّلين بما يسمى «موقف». وهي حاجة أقل من «السُعنِّة» يدفعها الغرماء (المخطئ والمصيب) هي أشبه بـ«حق الفُتَّاشَةْ» ليلة الدُخلة في بعض مناطق من اليمن.
ومن بعد «الموقف» -طبعاً- بسم الله، يبدأ الشيخ بسماع الغرماء.
لكن (عبدالولي السبلاني) مدير الناحية قال عبر الهاتف: «لا تصدق هذا الكلام. الدولة موجودة، والناس ما تلجأ إلا لأجهزة الدولة».
على أية حال.. مثل ذلك يحدث في غالبية المشيخيات هنا في اليمن. إذ أن الدولة الإقطاعية تضع يدها في يد واحد و«تزبط» البقية، هو يتحكم بشؤونهم، هو قسم الشرطة، والنيابة، والمدرسة، والمستوصف، وهو أيضاً الشاهد الوحيد على رخائهم وولائهم، وعلى ولائم رؤوسهم؛ إذ هو المعني بسحب «أبتْهُم» ولو على شعر رؤوسهم للبصم في كشوفات التأييد والهتاف، وإغراق البنان -فقط- في علُب حبر صناديق الإقتراع. إذ هو المعني -لحظتها أيضاً- بالتصويت نيابة عنهم!
هي مهمة غير شاقة -عموماً- بالنسبة لنظام اللادولة.
كما هي سُلم وصول لعيِّنات من البشر لا يسعون إلى شيء أفضل من أن يكونوا رأساً في قطيع يسوقه راع؛ أو… عبيداً تحت سطوة طاغية.

***

أظن الآن، أن نزهة الإستجمام كانت مُفعمة بالسعادة على ما يبدو.
أهالي «رعاش» و«الصفة» لم يُهجَّروا من ديارهم.
بأربع كلمات رد الشيخ محمد أحمد منصور عبر الهاتف: «كُله كذب.. أنا لم أشرد أحداً». وأردف بصوت لم تغب عنه -للأمانة- وداعة وسحر الشاعر: «هذه حملة ضدي من الإصلاح، لأني منعت مدرسين إصلاحيين يدرسوا الطلبة أفكارهم. هم 7 صوروا جهالهم في خيام، نشروا الصور وقالوا: الشيخ شرد الناس».
قد يكون محقاً في ذلك. السياسة في اليمن موغلة بالتفاهات. إضافة إلى أن حرب الحملة الانتخابية التي أوقد جمرها «بحنكة» الرئيس القدوة (بارك الله فيه) ضد خصومه السياسيين لم تخمد بعد، ولن تخمد إلاَّ بعديد كوارث.
لكن الاستاذ فؤاد محمد هزام، أحد أهالي «رعاش» هاتفني أنه فار من الأتاوات، وان راتبه مقطوع منذ شهر بحجة انه حرض الناس ضد الشيخ.
يقول فؤاد: «أنا مشرد في صنعاء، وزوجتي واطفالي مشردين في العدين، رجال الشيخ طالبونا بإتاوات وعشور باسم الزكاة. نحن سلمناها للدولة، ولدينا سندات بذلك».
وأضاف: «لما رفضنا التسليم، قالوا إننا إصلاحيين، أنا مؤتمر ورقم بطاقتي المؤتمرية 663766، أنا مسكن حزبياً ضمن قواعد المؤتمر الشعبي في المركز (ب) الدائرة (103)».
وقال آخر، تخوف من ذكر اسمه، وبدا كمن يثبت صلاحه الوطني، وأحقيته بالإستقرار والعيش بهدوء، قال: «والله العظيم يا أخي إننا مؤتمر،كُلنا مؤتمر». وتخيلتهُ لحظتها كمن يعيش في «ولاعة شفافة» يصرخ من داخلها: «كُلنا مؤتمر»..
مجلس النواب عموماً، معني بتشكيل لجنة محايدة للتحقيق في ملابسات الأمر.
رئيس الجمهورية معني بالإعتذار عن كل حماقات وخطاباته التي قدمت رؤية فاجعة للمستقبل، وأنبتت مجتمعاً معبأ بالكراهية والحقد، وقذفت للأمام عالماً تدمره شهوة السلطة.
يمكن لنا أن نتخيل مقدار السعادة التي كان يمكن أن يشعر بها «القدوة» وهو يضع يده على أسلوب يمكنه من خلق فكر موحد ومتوازن، بدلاً عن أقصى السعادة هذه التي صنعها لأقل عدد.
لو أنه فعل ذلك ما كان سيجرؤ أحد أن يسيس مواجع الناس ولا كان الزميل سمير اليوسفي، رئيس تحرير «الجمهورية» مثلاً، سيواجه إعتصام موظفيه من زملائه الصحفيين، بعنوان فج في صحيفتهم حيث يعملون: «اضربوا ما شئتم، سنصدر كل صباح»، متهماً إياهم بأنهم مجموعة مرضى نفسانيين من أحزاب المشترك!!».
ذلك كان كافياً لذبحهم. إذ القدوة أصلاً فعل ذلك ومضى غير مبالٍ بأحد.
صالح الآن، معني أكثر من أي وقت- بإصلاح ما أفسد، وأظنه سيكون موفقاً جداً لو أنه ينسحب من حزب المؤتمر، ويعيش فترته الرئاسية رئيساً لكل اليمنيين.
هل سيفعل ذلك؟ لا أظنه يسمع، أو بوسعه التنازل عن شيء، حتى ولو رئاسته لفصل مدرسي كانه ذاته يوم، ولتذهب البلد إلى الجحيم!!
أنا معني الآن، بالعودة إلى الجعاشن، إلى الشيخ العزيز محمد أحمد منصور. إلى الشاعر الذي ظننته يوماً «طاغور» اليمن وأنا أسمع عن هالة إنحناء ناس الجعاشن حوله حيث البقرة حق الشيه، والأرض حق الشيخ، والعسل للشيخ. كنت أظنها أقل تقديراً لروعة قصائده. كما ما زلت أعشق قصائده حتى اللحظة.
لا بأس،، سأهمس إليه الآن بأن الشعراء حسبما نعرف لا يجيدون إطلاق النار، وإذا ما أطلقوا، فإنهم لا يصيبون إلا رؤوسهم ذاتها.
 
أبيات من شعر الشيخ محمد أحمد منصور:
بني وطني قد سئمنا الخلاف
وحتى سئمنا حياة الركود
تعالوا لننبذ احقادنا
ونسعى لوحدة شعب سعيد
تعالوا نعمر هذي البلاد
ونبني حضارتها في السدود
ونمضي جميعاً لأهدافنا
بلا سيد بيننا أو مسود
[email protected]