اليمن والعالم الخارجي: الحبال السرية تئد التطور النظري للأحزاب، وسماء العلاقات الرسمية المفتوحة لا تمطر شيئاً لمواطن يلاقي الأمرين على أبواب السفارات – نبيل الصوفي

اليمن والعالم الخارجي: الحبال السرية تئد التطور النظري للأحزاب، وسماء العلاقات الرسمية المفتوحة لا تمطر شيئاً لمواطن يلاقي الأمرين على أبواب السفارات – نبيل الصوفي

لأسباب تتعلق بالحالة المادية للدولة اليمنية، فإن العلاقات الخارجية بالنسبة لها –ككل الدول ذات الحالات المشابهة- عامل حاسم يكاد يتساوى إن لم نقل يسبق أي عوامل أخرى في التغيير واتخاذ القرار.
العلاقات الخارجية ليست مجرد “فضاء المخابرات والتآمر” كما يختزلها بعضنا المسكون بصورة نمطية عن دول ما، القوميون عن السعودية مثلا، والإسلاميون والقوميون واليساريون عن الغرب وأميركا تحديداً. أما السلطة الحالية –سواء حسب منهجية الرئيس علي عبدالله صالح، أم حسب الذهن العام للمؤتمر الشعبي العام- فبحسب مؤشرات الاتفاق والاختلاف حول أجندات ما، حيث يمكن أن تكون السعودية أو إيران أو أميركا حليفا تاريخيا ثم في لحظة خلاف تصبح متآمرة على الجمهورية والوحدة، ويمكن مساندة ذلك بمقولات تاريخية حتى دون تمحيص كالحديث عن “في السياسة لا عداوة ولا صداقة دائمة”.
غير أن هذه العلاقات هي أولا تجليات العلاقات النظرية التي لا تعترف بالحدود التي وضعتها مصالح القوى البشرية التي بدأت مختلفة وانتهت متناحرة. وهي ثانيا فضاء المصالح المشتركة التي تبدأ بفيزا السفر للمغترب، ولا تنتهي بالشركات العابرة للحدود. وهي أيضا التقاطعات المرحلية، والصراعات الأبدية، وغيرها.
 
الداخل اليمني والعلاقات الخارجية.. أي أفق؟
ومن المهم الانتباه إلى أن العلاقات الخارجية –رغم معاناتها بشكل أكبر إبان الحرب الباردة- فإنها لم تكن حكرا على طرف من أطراف المجتمعات بما في ذلك الدولة والأحزاب وحتى التجمعات المختلفة التوصيف.
وإذا كانت دولة الثورة العربية التي توزعت وفقا لقواعد الحرب الباردة قد نكلت بخصومها تحت مبرر “اختراق قواعد التعامل الدولي” والتي صارت تسمية الـ”عمالة” لهذا الخارج، فإن مختلف الحركات الوطنية في كل بلدان الدنيا ومنها العربية، واليمن مثال أوضح من كل الأمثلة، لم تكن مقطوعة الصلة بهذا الخارج، بل إن إدانة هذا الخارج لم يكن موقفا قطعيا، وإنما كان يتبع الموقف السياسي، لذا فإن اليسار مثلا فيما كان يدين بكل قوة العلاقة بالغرب فإنه كان يعتبر العلاقة بشرق ذلك الغرب “واجبا مقدسا من أجل السلام والاطمئنان” في العالم. وفي الوقت الذي هاجم فيه الإسلاميون (نتحدث عن اليمن) العلاقة بليبيا – مثلاً، فإن العلاقة بالسودان أو إيران لا يمكن أن يقترب من إدانتها. وذات الأمر فيما يخص رؤية القوميين “الناصريين” ضد السعودية، بل إن الجناح القومي الآخر “البعثيين”، كانت مأساتهم أكبر وهم يقسمون توصيف العلاقات “الخيرة” حسب الموقف السياسي من الفصيل البعثي الآخر، إذ يدين البعث العراقي “عملاء سوريا”، والعكس أيضا.
 
 العمالة وإيذاء روح التعاون الإنساني
ويمكن الإشارة الخاطفة إلى أن تحول العلاقات الدولية إلى ميدان للمخابرات “اختراقا” أو “مكافحة”، يعد أسوأ ما أنجزته تحالفات الحرب الباردة وتجلياتها، والتي كادت تجهز على العلاقات الدولية حتى بمفهومها المعرفي. ولقد سمعنا كثيرا عن الأجواء المتوترة التي وصلت حد منع أغاني –مثلا- مارسيل خليفة في صنعاء، مقابل تجريم كل كتاب له علاقة بمفاهيم العمل الإسلامي في دولة الحزب الاشتراكي قبل الوحدة. دعكم من اليمن المتخلف، إذ أن ذلك عرف حتى في أرقى مجتمعات الدنيا –علاقات- وهو المجتمع الأميركي الذي هو عبارة عن مهاجرين في الأساس. ولا شك أن القارئ يدرك ذلك بمجرد تذكر ما عرف بعهد المكارثية.
غير أنه وفي سياق الخبرة التي تشكلت للمجتمعات والجماعات، فقد خبأ الجميع علاقته بالآخر الذي سمي “أجنبيا”. ومع أن ذلك عنى أن العلاقات الإنسانية بين البلدان والجماعات لم تنقطع، فإنه أورثنا، نحن جيل ما بعد الحرب الباردة، مخزونا من الإختلالات الحاكمة بالمعنى الثقافي -وليس السياسي وحسب- لرؤية العلاقات الدولية.
 
العلنية والتعددية وكسر ظهر الانفتاح
وتجلى ذلك بشكل سيئ في أن الطفرة التي أنتجتها أول وأفضل حركات الإصلاح العربية –الوحدة اليمنية- والمقصود بها ما وفرته من أرضية للحرية والاختلاف والتعددية، ليس فقط لم تؤثر إيجابيا في العلاقات الدولية، بل إنها ومع إنجازها قطع الحبال السرية لهذه العلاقات فإنها لم تحفز المؤسسات العامة المعتبرة، وأقصد بشكل خاص الأحزاب السياسية، لاستخدام التطورات القانونية والمادية لتفعيل علاقة المجتمع المحلي بالعالم الخارجي.
 
لفت انتباه لازم
لا أقصد بالعلاقات الخارجية مجرد العلاقات الدبلوماسية التي تربط الحكومات عبر سفارات ما، ولكني أقصد كل منفذ وفكرة علاقة بهذا المجتمع، إذ حين يلتقي أمين عام الحزب الاشتراكي اليمني بالسفير الصيني في صنعاء، أو بمدير المعهد الوطني الديمقراطي، أو حين يحضر أمين عام التجمع اليمني للإصلاح مؤتمرا للحزب الديمقراطي الأميركي، أو حين يوقع المؤتمر الشعبي العام وثيقة تعاون حزبي مع البعث السوري، كل هذا إضافة إلى السفارات والمعاهد والأسابيع والاحتفالات وغيرها، كل هذه تسمى مفردات تكون تاليا العلاقات الخارجية، التي تتوج نشاط الدولة رسميا إن عبر لقاء مسؤوليها بسفراء ومسؤولي العالم الخارجي أو حين يفعل سفراؤها الشيء ذاته في مقار أعمالهم.
 
الأحزاب اليمنية والعلاقة العرجاء بالخارج
وعلى الرغم من أن كل الأحزاب اليمنية وفي برامجها السياسية تتغنى بالعلاقات الخارجية، فإن مراقبة بسيطة لأداء هذه الأحزاب تكشف عن أن الوعي الحاكم الحقيقي لهذه العلاقة هو الوعي الكامن من أيام الـ”علاقات السرية”، التي تعني علاقة مشروعة للذات خارج أي نظم أو قوانين، ومن ثم إدانة وتجريم علاقة الآخر المحلي بالآخر خارج الحدود في الوقت نفسه.
إن من الممكن القول إنه لولا بعض الفاعلية التي يبديها سفراء بعض الدول الغربية وأولها الولايات المتحدة الأميركية، ودول العالم الثاني والثالث وتقف إيران وحيدة في هذا المربع مع بعض دول أخرى ككوبا أو الجزائر في النادر، فإنه يمكن لنا كتابة خبر عن “قطيعة دائمة بين الأحزاب والسفارات”. وطبعا هذا يعني “قطيعة بين العالم وهذه الأحزاب التي تعمل لتكون بديلة دائمة لأحدها الذي يحكم حاليا –لا أتحدث عن الطموح المشروع، بل هذه هي الحقيقة التي ستتجسد، وما لم يتم تداول السلطة سلميا فإنه سيتم تداولها مراغمة وفقا لقوانين الحياة في كل زمان ومكان.
وحين نرى بعض حركة في هذه العلاقات، فإننا نرى تبادلا بين الأحزاب لمواقع التجريم لهذه العلاقة، إذ من السهولة أن تقرأ تصريحا هنا أو بلاغا هناك، إن صدر من المعارضة فسيتحدث عن “دعم العالم لهذا النظام الفاسد ال……”، وإن كان من الحزب الحاكم فسيكون عبارة عن تخوين للأحزاب التي تقيم علاقات مشبوهة بالسفارات…..
وهذا يعبر، إضافة إلى تعبيره عن الخلل المنهجي المتمسك بوعي زمن قد طمر دستوريا وقانونيا وهو الذي نفاخر أننا قطعناه حيث صرنا أفضل من المحيط الإقليمي والقومي، يعبر عن ضعف في قدرة الأحزاب على تجميع وتفكيك الجزئيات، وتفضيلها بدلا من ذلك الخطاب والأداء الكلي الذي يعني “معنا وإلا فضدنا”.
وبعيدا عن السفارات، وبعيدا أيضا عن رسائل التهاني بالأعياد التي تتولاها في الغالب السكرتاريات الفنية إلا في بعض الدول العربية التي ماتزال تعتبر دعواتها وتهانيها “منحة عليا”، فإنه يحق لنا –ونحن نتحدث عن العلاقات الخارجية- أن نلاحظ هذا الانكفاء الحزبي على المخاصمات والاتفاقات ولكن مع السلطة اليمنية وحدها. فكأنه لا أفق ولا خارج ولا عالم، بشرا قبل الحكم والحكومات.
على مدى عشر سنوات، بل وأكثر من نصفها أيضا، عاش الشعب الصومالي أحداثا كبرى لم يستقطب حتى الآن بيانا ولا بلاغا ولا تصريحا إلا بالإكراه أو الإحراج الإعلامي، -إلا من القليل جدا من القيادات.
ذات خبر عن محاولة اغتيال رئيس الحكومة الصومالي بحثنا –كصحفيين- عن أي اهتمام حزبي فلم نجد، قلت: ليته كان موظفا في البنتاجون الأميركي لأننا كنا سنجد الأحزاب منددة بالعنف والتطرف والإرهاب وغيرها. وهذا يجعلنا نشيد بالتطور القسري الذي أحدثه ال11 من سبتمبر على خطاب الأحزاب تجاه الخارج. ويمكن هنا تذكر أن أحزاب اللقاء المشترك وجدت نفسها مرغمة على زيارة السفير المغربي وتعزيته في ضحايا أحداث الدار البيضاء قبل أعوام حين نبهها أحد قياداتها أنه لا يصح تعزية واشنطن والرياض وإهمال بقية ضحايا الإرهاب. والأمر بعد ذلك بالنسبة لتعزية روسيا، غير أن هذه لا تعبر عن منهجية حريصة على العلاقات الخارجية وإنما بذرات سرعان ما تكسر أعناقها الثقافة الطبيعية التي لا تعتبر نفسها أصلا مؤهلة لغد مختلف. وربما لولا ثلة قليلة من هذه القيادات التي تقاتل لتغادر دائرة الوعي القديم لكان علينا إهالة التراب نهائيا عن هذه النقاشات.
وهنا يمكن التنبيه إلى أنه وعلى مدى ثلاثة أعوام –منذ بدأت لدي فكرة رصد مؤشرات مثل هذه العلاقة- فإن وجوها لاتتجاوز العشرة من كل الأحزاب هي التي تجدها في كل لقاء أو ندوة أو حفل للمجتمع الخارجي، عربيا كان أم أجنبيا.
كما أن بعض العلاقات تحولت إلى “شللية”، فلدى هذه السفارة تجد فلانا، ولدى هذه المنظمة “علان”، وهكذا. ولأننا نتحدث عن العلاقات السياسية وليس عن التخصص المعرفي فإن هذه الشللية تعطي صورة منتقصة للاهتمام الحزبي، ويحول العلاقات الخارجية إلى ما يشبه توصيف “الوكيل الحصري” في العمل التجاري. علما بأن هذا الحديث هو عن القيادات الحزبية وليس عن المنشغلين بالأعمال المختلفة التي يعد ارتباطهم بالعالم الخارجي وظيفيا. كما أني لا أتحدث عن المؤتمر الشعبي الذي يكفيه أنه يسمى “الحزب الحاكم” ومن ثم فكل موظف حكومي أعلى من مدير عام يعتبره المؤتمر ممثلا له.
مع أن هذا قد يكون مفهوما من قبل الإصلاح، لكن كيف يمكن تفهم أداء الحزب الاشتراكي الذي كان يدير علاقات خارجية من طراز رفيع. بل إن “الإصلاح” أدى خلال عامين أداء أفضل تجاه العلاقات بالخارج. وبالتأكيد فمن السهولة أن يحدثنا الاشتراكيون عن الإمكانيات المنهوبة والمقرات المسلوبة. ولعله حاليا يسلم راية هذا الأداء لشخص الدكتور ياسين سيعد نعمان، أمين عام الحزب الاشتراكي، الذي التقى خلال الأربعة الأشهر الأخيرة بممثلين عن هذا الخارج أكثر من أي قيادي حزبي، كما هي الأخبار المعلنة عن اللقاءات.
 
المؤسسة الرسمية.. والفضاء الخارجي
في مؤتمر لندن الأخير وللمرة الأولى يمكن ملاحظة أن الرئيس علي عبدالله صالح تعامل مع العلاقات الخارجية كأحد المصادر الإيرادية للدولة. وهو منطق لطالما غاب عن المؤسسة الرسمية اليمنية، باستثناءات. غير أن ذلك لا يعني أن ثمة تحولا فنيا وعمليا لدى هذه المؤسسة التي اعتادت على أن تبقي العلاقات الخارجية مجرد “تحركات سياسية” هي حتى وإن كانت متميزة وتبقي سماء اليمن مفتوحة على كل الأطراف من الصين وحتى كوبا مرورا بلندن وباريس وواشنطن، وتهتم بالقرن الإفريقي وتسعى لعلاقة أفضل مع الرياض، جنبا إلى جنب مع طهران، وبيروت ودمشق، وتفضل البقاء دونما ارتباط بطرف من أطراف الصراع في المجتمعات المنفتحة، من حزب الله وتيار المستقبل في لبنان، إلى حماس وأبو مازن في فلسطين، ومن شيخ شريف وعيديد إلى شيخ آدن وعبدالله يوسف في الصومال. رغم ذلك، فإن هذا الانفتاح السياسي عاجز حتى عن حماية نفسه من التأثيرات السلبية المرافقة. وفي الناحية الأهم –اقتصاديا- فإنه لم يغير شيئا من أن اليمن هي الدولة الأقل فرصا في الاستفادة من التمويلات الدولية العابرة للحدود.
كما أنه وعلى الرغم من كل هذا الانفتاح السياسي، فإن المواطن اليمني ليس له ولا دولة واحدة في العالم تعتبره من “دولة صديقة”. وباستثناء مصر وسوريا، فإنه لا يستطيع زيارة أي دولة من الدول الصديقة وفقا للخطاب السياسي، إلا بعد محطات من التعنت القنصلي في سفارات كل دول العالم.
ومع القبول بمعطيات مكافحة الإرهاب وتأثيرها السلبي، التي فاضت عن السعوديين إلى اليمنيين بحكم فقر دولتهم، فإن هذه المعطيات –يمنيا- لها علاقات وطيدة ومرئية بسبب عجز الدولة اليمنية ومؤسساتها الرسمية عن توظيف هذا الانفتاح السياسي أو أن الأخير قد تحول إلى قيد يمنع استخدامه بسبب تشعبه وعدم ارتباطه بأي محددات مؤسسية.
 
عن سفارات مميزة
طالما ونحن نتحدث عن العلاقات الخارجية، فيجدر الإشارة إلى أداءات متميزة، ولكن ليس عن يمنيين، ليس لضعف أداء الأخيرين، فوزارة الخارجية تزخر بالكفاءات المتميزة، لكن لأن العالم الأقوى، وليس اليمن منه بالطبع، يعمل كل ما في وسعه ليظهر أن الطرف القوي هو سفيره في صنعاء وليس سفير اليمن لديه.
لقد كان السفير الهولندي الحالي، جوهان بلانكبيرج، أول من دفع بالنقاشات الدبلوماسية مع اليمنيين خارج مربعي: الأمن، الذي تحرك له وبه السفير الأميركي السابق أدموند هل، أو قضايا التنمية الهاربة من السياسية، التي عمل لها وبها غالب سفراء العالم الغربي مع الدولة اليمنية منذ ما بعد حرب 1994م.
وشاهد جوهان تولي بلاده رئاسة الاتحاد الأوربي حينها، وحين انتهت مهمته كان مايكل جيفورد سفير المملكة المتحدة، المقرر أن يغادرنا قريبا، عند مستوى التحدي. ولست أدري إن كان مجيء الانتخابات في عهد رئاسته للاتحاد الأوربي، التي امتدت لأكثر من سابقه بدورة كاملة، إن كانت عاملا مساعدا له أم أظهرت أنه يدرك تماما أن اليمن بدون البضاعة الديمقراطية ليس لديها ما تبيعه.
حاليا تسلمت ألمانيا الرئاسة. ولست أدري ماذا سنقول بعد انتهاء دورته، علما بأن ألمانيا بدون “هندريكـ” الذي غادرنا إلى لبنان، تحرص على أن تسكن مع الغالبية اليمنية بعيدا عن دوشة التحولات الديمقراطية، وقريباً من خزانات الماء ومشاريع السياحة. المياه مهمة والنظافة والسياحة والاقتصاد كذلك، غير أن السياسة هي حسن تدبير الأداء العام لتحسين أوضاع ذلك كله. ولندع القادم يقرر الأمر، وقد سعدت شخصيا أن كان أول لقاء لي في العام 2007 هو مع السفير الألماني ونائبه. ليس الأمر مجرد إنجاز شخصي، بل الأهم أن اليمن الديمقراطي محط اهتمام ألمانيا؛ أفتى دول أوروبا وأكثرها حداثة.
ومع كل النشاط الذي نقل به توماس كرادجسكي –سفير الدولة العظمى- دبلوماسية بلاده من أحادية الحياة في المناطق التي ظنها سلفه “هلـ” “أوكار الإرهابـ” في صحراء مأرب والجوف، إلى التوازن الاجتماعي والمناطقي وحتى الوظيفي وبمساعدة لا تخفى من نائبه العربي الأصل “نبيل خوري”، فإن المهمة الأولى التي أعلنها توماس يوم نقله لليمن من “دبي”، وهي “الاهتمام بالتطوير الاقتصادي والقطاع الخاص”، لاتزال تنتظر الكثير منه ومن سفارته. غير أنه وفي العموم فإننا يوما ما سيمكن لنا أن نقول بكل موضوعية إن الأداء الدبلوماسي الأميركي، إن من خلال السفارة أم من خلال المنظمات الأخرى، كان هو الصديق الأول للديمقراطية اليمنية، حتى لا تجرفها خبرة غير ديمقراطية سواء في السلطة أم في المعارضة. ليس الأمر تقليلا من جهد اليمنيين، ولكني أتحدث عن أداء الأصدقاء ليس إلا.
ومازلنا بانتظار أداء السفير الفرنسي الجديد، المثقف الفرانكفوني، والمهتم بالعلاقة العربية الفرنسية عموما، والذي تعرفت عليه قيادات مستقلة ومعارضة حتى قبل أن يقدم أوراقه الرسمية، وقد زار اليمن ربما قبل ربع قرن من الزمان. وهنا يمكن التعجب من خبرة دبلوماسية فرنسية كان السفير السابق “آلان مورو” ربانا لها، حيث أنه حقق لبلاده مصالح كبرى مع المؤسسة الرسمية، غير أنه وقبل وصول نائبه “دوفنو” لم يكن يرى في اليمن إلا “سلطة” مع أنه قادم من بلاد الثورة الأولى في العالم التي أعطت للشعب مكانه الأميز في مواجهة السلطات.
عربيا لايمكن إقفال مقالي هذا، الذي كنت أصلا أعددته للعام الماضي، دون التنويه بجهد سفراء عدد قليل من الدول العربية: المصري، العماني، الكويتي، وأخيرا الإماراتي الذي جاء متحمسا لأداء دور ما يحسِّن علاقات البلدين اللذين فقدا معا “زايد” تغمده الله بواسع رحمته. غير أن أجندات العلاقات العربية، حسب أحد هؤلاء الأصدقاء لا يتيح مماثلا من الحركة كسفراء العالم.
 
السعودية وليبيا.. رجاء لا ينقصنا المتخاصمين
فجأة ورغم العلاقات الحسنة بين المؤسسة الرسمية اليمنية والليبية، قاد الخلاف الشخصي بين الرئيس الليبي معمر القذافي والعاهل السعودي الملك عبدالله، لاشتباك يخشى بعضنا –وفقا لمعطيات لمَّا يحن الحديث عنها بعد- أن تكون اليمن وعلاقاتها إحدى ساحاته.
العالم العربي بحاجة لسياسات تصالح، ومن غير المنطقي والمعقول أن تشهد بلداننا توجهات متناقضة من قبيل التصالح مع كل القوى غير العربية مقابل تجديد الخصومات الثأرية داخل الأسرة الجغرافية والهوية الواحدة.
 
إيران والأيديولوجية الديمقراطية
حين نتحدث عن الأداء الدبلوماسي، لا يمكن إغفال سفارة إيران، التي لولا ظلال التحالفات الطائفية التي عادت لعالمنا الإسلامي، لكانت السفارة الثانية من حيث النشاط بعد الأميركية –لاعلاقة للنشاط بالرقم المادي للتعاون بين اليمن وهذه السفارات، تأتي ألمانيا واليابان في مراتب متقدمة جداً.
ولن أتحدث عن أداء السفارة الإسلامية الوحيدة التي لها تواصل إعلامي وسياسي خارج القنوات الرسمية، وأرجو أن لا يعبتر البعض الرسمية هنا بمعنى الشرعية، فباستثناء ما تحظره القوانين –وهي واضحة ومحددة- فإن لكل مواطن يمني ذات الحق الذي للرئيس في التواصل مع الخارج، طالما كان تواصلا في سياق المشروعية السياسية لليمن الجمهوري الديمقراطي. يمكن هنا تذكر أن السفارة التركية أصابها الرعب حين طلبت ذات مرة حوار مع مسؤولها الأول، ولعل ذلك يأتي في سياق فوبيا الإسلامية التي حشرت فيها الدولة التي تسعى لدخول النادي الأوربي عبر الحزب الإسلامي الأول الذي قال إنه يفضل نظام الحكم العلماني على الثيوقراطي.
قلت لن أتحدث عن السفارة الإيرانية وإنما عن إيران التي، فجأة وخلال العامين الأخيرين، نقلتها المنظمات الدولية المعنية بالتوجهات الديمقراطية إلى خانة الدول المعادية للديمقراطية، بسبب خلافات يمكن أن يقف بعضنا ضد إيران فيها. غير أنه ومهما يكن من سياسات الحكم في إيران فإن أحدا لا يمكنه أن ينكر أنها البلد الإسلامي الأوحد –قبل تركيا- ذو الديمقراطية المرتبطة بالشعب. ثمة مشكلات يفرضها نمو المجتمعات، غير أننا لا نكون ديمقراطيين حين نأمل قلع النظام عن محيطه ليكون كما نريد. وليحفظ الله إيران من تجار الحروب، سواء كانوا قادة فيها أم أعداء لها، فلم نعُد نحتمل مضاعفات مقلقة.
[email protected]