محاولة بحث تحاول التخفف من النزق.. ما الذي حدث؟ – نبيل الصوفي

محاولة بحث تحاول التخفف من النزق.. ما الذي حدث؟ – نبيل الصوفي

في البداية اعتذر لنفسي، لأن كل محاولاتي إنهاء مقالي عن بيتنا الصحفي (النقابة)، ونقيبه القادم، تضعضعت وسط الضجيج الذي يبدو أن متسببيه، من الرئيس علي عبدالله صالح وحتى أصغر قيادي في المؤتمر الشعبي العام، قد انتهوا منه، ويعتقدون أن ليس لنا الحق في فغر الفم عجزا عن فهم: ماذا حدث في البلاد التي تنتمي لها الحكمة والفقر جنبا إلى جنب؟ والأخيرة فكرة السياسي المعارض، فهد القرني، في شريطه “شابعين”، حيث يقول: “قالوا الحكمة يمانية، قلت والفقر يمان”.
والسؤال الذي تعجزني لملمة إجابته –كغيري ربما- طري ولم يبدأ من ال17 من يوليو الماضي. إذ كنت أرى إعلان صالح –يومها- عدم الترشح، خطوة صالحة فعلا للعودة إلى كرسي رئاسي لا يخوف مستقبلها القريب على الأقل.
لم اسخر من ذلك الإعلان، ولا كنت أسأل: هل سيعود عنه صالح أم لا؟ لأني بالأساس رأيته إعلان ذكرى للتجديد لصالح في نسخته القديمة (الرئيس الذي يحكم فرديا ولكن عبر شعور عام كأن الجميع شركاء في ذات الحكم)، وليست نسخة رئيس حزب الأغلبية الكاسحة.
وفي الحقيقة فقد كان خطاب صالح أمام تجمهرات المؤتمر الشعبي العام، سواء المسؤولين في القاعة المغلقة، أو العموم تحت شمس السبعين، يؤكد لي أن صالح مصر على إنفاذ رؤية افترضتُها له، ليس من بنات أفكاري، ولكن من خلال قراءة واقع الحكم في اليمن، ثم ما تناهى لمسامعي من حديث “الصالح” مع أقربائه ومقربيه عن شعوره بالإحباط من شركائه الجدد “الداخلين في الربح، الخارجين من الخسارة”، شركائه الجدد الذين حلوا محل الشركاء السياسيين، سواء في أجهزة الدولة أم في حزب الدولة؛ المؤتمر الذي هو في الحقيقة ليس أكثر من “فترينة عرض” للدولة التي ترأسها صالح قبل أن يؤسس المؤتمر.
وأقول: كنت معتقدا أن علي عبدالله صالح فقد قدرته على المبادرة منذ قرابة العقد من الزمان، وهو العقد الذي “تكركبت” فيه أوضاع البلاد والعباد؛ إذ أننا في بلاد تعجز مؤسساته عن صنع المبادرات، وتستمتع بالشكوى والنقد والاعتراض. وأنه بإعلانه عدم الترشح استعاد زمام المبادرة. وحين تمسك بموقفه يومي المؤتمر الاستثنائي لحزبه، قلت للزميلين لطفي شطارة ومنير الماوري، حيث كنا نحضر ندوة المركز العربي للدراسات الإستراتجية في العاصمة اللبنانية بيروت، إن صالح يواصل الإمساك بزمام المبادرة.
كنت واثقا –أو لعله أمل غريق حيث تغريه قشة- من أن الرئيس صالح سيفرض على اليمنيين –وعلى نفسه بالطبع- البحث عن إجابات للأسئلة الصعبة التي يفر كل طرف منهم منها بنقد الآخر. ولعل هذا ما شجعني على إعادة تسليم صحيفة “الحياة” مقالاً كنت كتبته عن محاولة صالح إعادة ترتيب أوراق البيت الذي يحكمه منذ ثلاثة عقود إلا عام وبضع أشهر.
ومن سوء حظي أن المقال –وبعد تعديلات طفيفة- نشر في ذات اليوم الذي تبادل فيه الرئيس صالح وحزبه مسببات الإرباك، والذي لم ينتصف يومه حتى كان قد أعلن فيه أنه سيلبي مطالب الجماهير التي تطالبه بالترشح، لا التي تعلن رفضها سياسته وأداء حكومته.
غير أني مازلت غير مدرك، للأسباب التي دفعت بالرئيس لإعلان تراجعه بتلك الطريقة. بل مازلت متشككاً في أن السبت كان هو يوم النهاية لـ”الدلع الرئاسي” حد تعبير مجلة “الكفاح العربي”. وأنتظر مطرا أخرى أغراني بمزيد من انتظارها حوار أجريته مع الأمين العام المساعد للتجمع اليمني للإصلاح بعد لحظات من هدوء التلفزيون يوم السبت.
قد يوصف موقفي هذا بالسذاجة، غير أني أظن –وليس كل الظن ولا كل ظن إثم- أن من المستحيل على الرئيس علي عبدالله صالح أن يخوض منافسة رئاسية في ظل هذا الارتباك الذي يعاني منه هو وحزبه.
لقد قالت رسالة الاحتشاد المؤتمري، وبكل وضوح، إن اليمن غير مهيئة لمثل هذه المنافسة. استنتجت صحيفة الـ”ديلي ستار” أن صالح والمؤتمر أكدوا للرأي العام أن التوجه اليمني مهموم بتثبيت الأوضاع وليس بتوفير متطلبات التغيير. لقد قالوها صراحة: إن اليمن ستنهار بدون علي عبدالله صالح، وفي الحقيقة هم محقون، لضعف الدولة والمؤسسية. وهذا يتناقض كليا وجذريا مع الحديث التالي عن “الجماهير المؤتمرية” التي تتعطش لمنازلة ديمقراطية في ال20 من سبتمبر. وهذا محق، إن لم نقل تسخيف لكل الادعاءات عن استعداد اليمن للتداول السلمي للسلطة. والتداول أيسر ولاشك من التنافس، إذ الأول مرحلة تالية لهذا التنافس.
لقد قال المؤتمر ورئيسه، إن اليمن لن تتحمل تنافساً حراً ونزيهاً، وإن مثل هذه الإدعاءات تهدد اليمن بمصير جزائر التسعينات.
وهنا أسأل: هل كان الرئيس بحاجة لكل هذا؟
ثمة طريق بسيط، يقول إن صالح أعلن لايعرف لماذا، وتراجع أيضا دون حساب.
واسمحوا لي الاعتراض على هذه النظرة التسطيحية.
صالح هذا، مهما كان حجم خلافنا معه، ومهما كان تقديرنا لأنفسنا ولمدى ما نفرضه على مسؤولينا من توجهات، وما نؤثر فيه، فإنه إنسان يتأثر ولاشك بالمحيط. ومحيطه هذا ليس المقيل، ولا التقرير المختزل الذي يكون بين يديه من أجهزته، مع أنه لايطيق التقارير، كما أنه يمني بامتياز حيث لايحترم كثيرا المخططات النظرية؛ لكنه محيط يبدأ من ذات تعيش على سدة الحكم ثلاثة عقود، ولاينتهي بالصخب والضجيج اليومي.
ومن هنا فإن علينا الإصرار على البحث عن شيء ما يكشف لنا عن أي خيارات للمستقبل القريب في اليمن. وهذه الخيارات تحكمها وقائع الحياة وليس خطابات المؤتمر بل ولا كل الأحزاب اليمنية. مع ملاحظة أن الصديق العزيز مروان دماج -ذات حوار مسائي- أقنعني تماما أن مستقبل اليمن مرهون بيد الأحزاب بعد أن ذابت مراكز قوى حكمت اليمن منذ ما قبل الإمام يحيى وحتى حرب 1994م. (أتمنى أن يشرح ابن دماج رؤيته للقراء بدلا من أن نقوم بذلك بدلا عنه).
قد يقال أن هذا هو نهج الرئيس صالح (الرفض ثم القبول)، ولكن حتى هذه بحاجة للسؤال: لماذا يفعل صالح ذلك؟ هل المسالة مجرد تسلية؟
إن صالح ومنذ بدء ترؤسه لليمن الشمالي عام 1978 يعلن أنه لن يترشح، ثم يعود استجابة للتظاهرات التي تحركها القوى المتحالفة معه. غير أن ذلك كان يتم وفق قواعد التحالف الحاكم، وفيما ينال صالح تجديدا لا يفرض الدستور التنافس له، فإن التحالف والمكون من معارضيه أيضا كان يستغل مثل تلك المحطات والمناشدات لتقوية علاقته برئيس الجمهورية كأفضل وسيلة تحميه من خصومه الذين قد يستغلون العلاقة نفسها ضده.
ولقد كان صالح قاب قوسين من استعادة أمجاد هذا الأسلوب الذي لم يستخدمه منذ قيام اليمن الواحد، إذ جدد له في 1994 ضمن إعادة ترتيب البيت الرئاسي وإلغاء مجلس الرئاسة، وتولى التجمع اليمني للإصلاح حملته الانتخابية مبكرا في 1999م، ثم تمددت فترته لسبع سنوات تحت قبة البرلمان في غير محطة تنافس عبر تعديلات دستورية للمدد الزمنية للرئاسة والمحليات.
وسمعنا -قبل ساعات من انهيار المحاولة- ياسر العواضي، نائب رئيس الكتلة البرلمانية، عضو اللجنة العامة للمؤتمر الشعبي العام، يتحدث عن “الدخول في حوار مع القوى الوطنية” كأحد “الخيارات البديلة لحل الأزمة الراهنة” لأن “الخروج من هذه الأزمة ليس محصوراً على حزب ولكنه يهم الوطن ومستقبله”. علما بان كل المبادرات الشخصية التي جاءت من شخصيات مختلفة التوجه، آخرها حيدر العطاس وحميد الأحمر، لم تكن تستبعد الرئيس صالح من الترتيبات، بل تعتمد على دور محوري له في السياق الوطني لإعادة ترتيب البيت اليمني.
حينما أعلن صالح عزمه عدم الترشح، تحدث عن ملامح مهمة، أقلها الملل. وهو حديث عن حالة نفسية، أكثر من كونها حالة اجتماعية. ولكن لم يكن بإمكان صالح كأي رئيس من رؤساء بلدان العالم الثالث حيث لامؤسسات حاكمة، أن يتمسك بموقفه أمام ذلك الحشد الجماهيري. ويمكن هنا استدعاء تحليل جميل عن حميد الأحمر من أن المؤتمريين “لو شعروا بجدية الرئيس صالح عدم البقاء في دار الرئاسة” لكان لهم موقف آخر من لحظته وحينه، وليس هذا ما نرجوه ولا هو ما يحقق لنا التغيير.
ولكننا نستعيد السؤال الأكبر من المهندس حيدر العطاس: “ولكن لماذا قبل الرئيس عقد المؤتمر الاستثنائي؟”، وتاليا “لماذا قبل بتسيير المظاهرات من أساسه؟”.
لاينتهي الأمر إلا بالاعتراض على من يحولون الأمر إلى مجرد سخرية؛ فإدعاء الدهشة مما حدث، أو السخرية منه، غايته الكبرى حذاقة ليس لها مكان من الإعراب في الجملة السياسية (الجملة حصيلة نقاش بين أصدقاء).
إن أكثر من السخرية الانتباه إلى أن الرئيس لم يحقق هدفه من إعلانه موقفه. لكني لا أدري إن كان لايزال مصراً من الأساس على أهدافه، أم أنه تراجع تحت ضغط “هوشلي” من المؤتمر الشعبي العام، حول الموضوع إلى زفة عرس -هكذا قال الأستاذ عبدالقادر باجمال رعاه الله في آخر كلمة له، الأحد، بأنه “لاعطر بعد عرس”. وهكذا بدت الحشود التي قسر كثير منها للاحتشاد أمام رئيس، لو أنه سلك طريقا آخر لاكتشف أن له حبا حقيقيا بين أوساط اليمنيين، ولما احتاج لهذه التصرفات.
ثمة مشكلات في النظام السياسي الذي يقوده صالح، والمعارضة، ونحن جميعا جزء منه. وصالح منذ أعلن وحتى اليوم، مدرك لهذا. قد يكون اقتنع بتحقيق هدف جزئي، وهو شد حزبه المترهل. لكن في النهاية هو أدرى بحزبه الذي هو في غالبه مأوى من تعبوا من العمل الحزبي. ثم إنه لم يقطع الحوار مع المعارضة التي من الخطأ تصويرها رافضة للحوار مع الرئيس. وبالعودة لردود أفعال محترمة على موقف الرئيس ما قبل اليوم نجد أن جميعها تود أن يتواضع صالح أمام التحديات وأن لا يواصل الأحادية التي تثمر مثلها لدى الآخرين، وهو منهج لا يمنح أي حاكم في اليمن فسحة لأي فعل.

تتبع المشكلات
خلال السنوات الأربع الأخيرة، تنامت قدرة الرئيس الذي يقول إنه يحكم بلاداً “الحكم فيها كالسير على رؤوس الثعابين” على خسارة حلفائه.
ففي 1997 خرج من الحكومة “حزب الشدة” وهو الوصف الذي يطلق على التجمع اليمني للإصلاح حسب أمينه العام الذي قال إن “المؤتمر هو حزب الرخاء”.
ليس الأمر في إخراجه من الائتلاف الحكومي، فذلك تم عبر الانتخابات البرلمانية، ولكن الإصلاحيين رفضوا عرضا رئاسيا حينها لتقييمهم أن الرئيس “أصبح مقتنعاً تماما، وعلى عكس منهجه الإداري والسياسي منذ تولى الرئاسة الشطرية، بمنهج الاستحواذ الذي يعبر عنه بالبحث عن الأغلبية الكاسحة في البرلمان”. ثم إن الإصلاحيين وكما لاحظ حينها الأمين العام السابق للتنظيم الوحدوي الناصري الأستاذ عبدالملك المخلافي، “خرجوا من السلطة لكنهم لم يصلوا شارع المعارضة” إلا متأخرين جدا. وظلوا يتحدثوا عن “المعارضة البناءة”. ومن الغريب أن المؤتمر كان من الذين يسخرون من هذا المنهج الإصلاحي الذي لم يلتزم به الإصلاح كثيرا.
وكان صالح قد فشل في إقامة أي تحالف مع اليسار ممثلاً بشريكه في إقامة الوحدة، الحزب الاشتراكي اليمني، الذي أُخرج من العملية السياسية بحرب كلفت الخزينة العامة لليمن قرابة 12 مليار دولار.
وفي 2004 أعلن رسمياً عن فك الارتباط بين صالح وشركائه ذوي الخطاب الديني النقيض للإصلاحيين، عبر الحرب التي تفجّرت في محافظة صعدة ضد من أطلق عليهم الحوثيين. وكل هذا تم قبل أن تدشّن مرحلة القطيعة مع مشايخ القبائل ممثلين بالشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، الذي تعرّض لهجوم إعلامي قاس عبر إعلام المؤتمر الشعبي العام وبموافقة من الرئيس صالح بحسب مصادر مقربة من الأحمر.
الرئيس صالح –وهو يقطع علاقته بمراكز القوى هذه- لم يكن على علاقة جيدة بالمراكز التي يمكن وصفها بـ”الحديثة”، لأسباب تتعلق بضعف هذه المراكز من جهة، ولعدم اهتمامه بتنميتها، والأهم إقصاء رموزها كالدكتور عبدالكريم الإرياني، وعشرات أو مئات الشخصيات ذات الولاء للدولة أولاً ومنهم محمد سالم باسندوة، وحتى فرج بن غانم مثلاً.
وكان صالح يستعيض عن ذلك كله بتحسين علاقته بالمحيط الإقليمي والدولي. وهو العامل الذي وإن خدمته شراكة اليمن في الحرب الدولية على الإرهاب، فإن تحديات من قبيل المطالب الدولية بالإصلاحات المالية والإدارية، والرفض الإقليمي للعودة إلى تمويل الخزينة العامة، والصراع بين أطراف مختلفة في المنطقة، لا تساعد صالح كثيراً.
كل هذه العوامل أدت إلى ارتجاج في المشهد الذي يديره صالح.
ومع النقد الشديد الممكن توجيهه للمعارضة، فإنها –وبخاصة تحالفها الجديد الذي يدير توازن رحاه الثنائي: عبدالوهاب الآنسي وياسين سعيد نعمان- كانت أسبق من صالح في رؤية خطورة هذا الارتجاج، فحاولت غير مرة فتح باب النقاش عنه وفيه.
ومع تتالي رفض صالح استعداد المعارضة للنقاش، تصاعد الخطاب الإعلامي الناقد للجميع، غير أنه، ولأن نقد المعارضة لم يعد مغريا لأن “الضرب في الميت حرام”، فقد توجه الجميع نحو الرئاسة، الدائرة الوحيدة التي كانت محصنة من الديمقراطية، إذ أن نقدها هذه المرة كان الأول الذي لم يكن تعبيرا عن استعداد للحرب، مع أن السلطة لم تصدق ذلك فقصفت جبال مران.
وحين دعا صالح المعارضة، وبدلا من الحوار معها، لامها على خطاب إعلامي أراد في الحقيقة أن تساعده على لجمه. لكنه في المقابل لم يكن مستعدا لأكثر من ذلك، مما قاد إلى ارتفاع نبرة خطاب هذه المعارضة التي يعرف صالح أنه ومن دون مبادرة منه أو من أجهزته الرسمية، فإنها ستظل ذات خطاب ناقد ولكن من دون خيارات يمكن له الاتفاق أو الاختلاف معها. ولكن هذا هو العنصر الأكثر سوءا لأن خطابا مثل هذا ليس له سقف سياسي، ولا إمكانية للاختبار أيضا.
إضافة إلى ذلك وهو الأخطر، أن صالح وجد نفسه محاطا بمجموعة جديدة من أرباب المصالح تختلف كليا عن تلك التي أدار معها لعبته التي حققت نجاحا على مدى ثلاثة عقود تقريبا.
ففيما خلت ساحة الرئاسة من الأحزاب التي تبحث عن قضايا كلية وترضى بعدها بما يمكنها تحقيقه، امتلأت بقوى جديدة ليس لديها سوى مصالح صغيرة ومحددة وهي من ثم مرهقة لدولة بلا موارد كاليمن. ثم إنها لاتشعر أبدا بالامتنان، ولاتعمل مقابل ما تحصل عليه، وفيما تستنزف طاقة الرئاسة تترك الساحة للذين غضبوا لإقصائهم.
وهنا -وفي هذه الظروف وسواء بوعي لمثل هذه التصورات أم تحت ضغط الأداء اليومي لشخص أدار اليمن في ظروف أكثر سوءا- قرر صالح أهمية إعادة ترتيب الملعب، بإعلانه في يوليو الماضي عدم الترشح للرئاسة، علما بأن مثل هذا المنصب ليس بإمكان أحزاب المعارضة السعي له جديا حتى وإن تمنت، لتعقيدات ترتبط بكل حزب على حده، ثم هي مجتمعة. ولأن النقاش حوله يتجاوز الداخل إلى الخارج، وتدخل فيه كل التعقيدات اليمنية التي حتى المعارضة لا تتعامل معها بشكل يومي.
ولتجاوز تلكؤ الجميع في مناقشة إعلان يوليو الماضي، فقد جاء خطاب الرئيس الأخير واضحاً لا لبس فيه يقول عبره لشركائه ومعارضيه: حان وقت تجديد الحكم، فإما شراكة جديدة تحمي الحكم في اليمن من معارضة لا يتحملها، وإما إعادة ترتيب أوراق الشركاء وتوزيعها على طاولات مختلفة.
وباعتقادي أن صالح لو رفض عقد المؤتمر الاستثنائي، فضلا عن التظاهرات التي تنقض شرعية المؤسسات، وترفع من ثم سقف الهواجس، لكان حقق أو اقترب من انجاز سيكون الأكبر له، وهو ما قال إنه يريد تحقيقه، متمثلا في تهيئة اليمن للتداول السلمي للسلطة. حيث ستتطلب التهيئة إعادة فرز القوى اليمنية رأسيا وأفقيا، وتأمين الملعب “للاختلاف” حد تعبير الأستاذ عبدالوهاب الآنسي. فاليمن –كما لاحظ الأستاذ عبده سالم في غير مقال- تتحول إلى كرة نار مع كل موسم للخلاف، لأن بلادا لا تعين رئيسها إلا نتيجة أزمة، لن تعرف التداول السلمي مطلقا. ومؤتمراً لم يقبل أن يبقي مدرسات في جبال حيفان، والراهدة، كيف له أن يقبل بتسليم الحكم أو الاستعداد لذلك?
على العموم، وبعد القول أن المؤتمر حقق أول نجاح له في حياته كحزب بدون الرئيس، مصر على هذا القول ضد من يقولون إن الرئيس صالح أدار كل ماحدث (يا لشمولية توقعاتنا!).
اعتقد أن المؤتمر نجح في حماية نفسه ضد توجهات الرئيس علي عبدالله صالح، الذي حاول “حلحلة” جزئية لمراكز قوى انتقدها في جلسات المؤتمر الاستثنائي سواء من وصفها بقوى الفساد، أم التي اتهمناها أنها لا تفعل شيئاً سوى الاتكاء على رأس الدولة, وهي كثيرة.
على ذلك، أتمنى أن لا يكون ما حدث نهاية طريق لو لم يسلكه صالح لما أمكنه حكم هذه البلاد حتى ولا نصف المدة التي يقولها.
إن اليمن لم تتحمل يوما، ولن تتحمل حاليا، أي حكم يقصى فيه الجميع، لصالح خصوم لمجرد أنهم تابوا بين يدي المؤتمر الشعبي العام.
والله غالب على أمره.

[email protected]