فدائية برتبة عريف تقاضي البحث – بشير السيد

فدائية برتبة عريف تقاضي البحث – بشير السيد

احمرَّت عيناها إذ تكافح من أجل حبس ذلك الدفق الفياض منهما، وهي تتأهب للحديث معي. وسرعان ما عاود تدفقه عند سردها تفاصيل اختطافها هي وطفليها، من أمام منزلها، وإيداعها السجن.
أنيسة الشعيبي (26 عاماً) جندية برتبة عريف. لديها كرامة رزينة لعلَّها سر مأساتها.
في الطابق الحادي عشر من مبنى السعيد بأمانة العاصمة، وفي استراحة لمنظمة «هود» الحقوقية، جلست أنيسة وبجوارها طفلها، هارون (8 سنوات) وابنة اختها، ريم (7 سنوات)، تحدثني بصوت مذبوح عمَّا يزيد على 70 يوماً قضتها برفقة هارون وريم في زنزانة البحث الجنائي بأمانة العاصمة إثر بلاغ تقدمت به أم طليقها (فاطمة) اتهمتها فيه بقتل أو اختطاف إبنها.
ففي مساء 6 نوفمبر 2003 وأثناء قيامها بنقل بقية اغراضها من منزلها في منطقة شميلة، سمعت أصواتاً خارج المنزل. كانت الأصوات لمجموعة مسلحة بزي مدني جاءوا على متن خمس سيارات هيلوكس لا تبدو تابعة لأجهزة الأمن. اعتدوا على سائق التاكسي الذي استأجرته لنقل بقية عفشها، وفاجأها شخصان بتكتيف معصمها الايمن واثنان لمعصمها الايسر واثنان قاما بحملها من اقدامها وألقوها في إحدى السيارات كاتمين على صوتها. لتجد نفسها وسط سجينات في احد سجون البحث الجنائي.
 حينها لم تفكر سوى بطفليها الوحيدين. «قبَّلت أقدام ضابط كان يدفعني نحو الزنزانة، ورجوته وطلبت منه إحضار اطفالي (هارون وريم)»، اللذين كانا لا يزالان في البيت وحدهما. ويحكي هارون أن «رجالاً ملثمين دخلوا البيت بعد ان أخذوا أمي، وكسروا شنطة كبيرة (كانت ضمن العفش الذي سينقل) وأخذوا الزلط والذهب حق أمي وخرجوا بسرعة» ثم جاءت سيارة ونزل منها اثنان «واخذوني أنا وريم إلى سجن فيه رجال»، وبعد نصف ساعة، «جاء رجل أصلع طويل ونحيف وأخذنا إلى عند أمي وكان في نساء كثير ولطمني».
بعد خمسة أيام من الاحتجاز تم استجواب أنيسة في قسم مكافحة جرائم الآداب، ثم أحالوها إلى قسم السرقات، وأعيدت إلى السجن مجدداً.
لم يتم اجراء أي تحقيق ملائم معها ولم يعثروا على أي دليل يدينها. وعُرضت على النيابة في 24 ديسمبر 2003 أي بعد 48 يوماً، وأصدرت النيابة في 14/1/2004 قراراً بأن لا وجه لإقامة الدعوى الجزائية ضدها وتم الافراج عنها في 25/1/2004.
خرجت أنيسة من السجن بمعية طفليها، لكنها أصيبت بصدمة نفسية غائرة، لجرح كرامتها ومحاصرتها بمئات التساؤلات والشكوك.
«لقد عذبوني في السجن وكلما كنت أصرخ وأطلب إحالتي للنيابة كان أحد الجنود يدخل إلى زنزانتي ويلطِّمني ويركلني ببيادته (جرت العادة بأن تكون أداة تعذيب) وكان يضربني بعود نشاف الماء».
لم تنته قصة تعذيب أنيسة هنا. ففي الجزء الآخر عذاب أشد ليس على أنيسة وحدها فحسب، بل على مسامعنا أيضاً.
وتواصل متساءلة: «لماذا لا يضعون عسكريات (سجانات) على سجون النساء؟ وما هو الشيء الذي يعملوه للطعام الذي يقدموه للسجينات؟». هنا تثير أنيسة جانباً آخر يترك شكوكاً خانقة. تقول: «كنت أصاب بفتور ودوار خاصة بعد الأكل، وكنت في بعض الايام لا أفيق من النوم إلا على وجبة طعام أخرى تعيدني للنوم مجدداً، ولكن عندما أكون صاحية تماماً أكتشف وجود آثار إبر (حقن) في اسفل الظهر وألم في الظهر والحوض، لا أعلم ما هو السبب؟!!».
أنيسة خرجت من السجن، لكنها حملت معها تساؤلات وشكوكاً. خرجت مريضة غير قادرة على مواصلة حياتها بشكل طبيعي. «أنا خائفة جداً». كما أنها أخرجت طفليها (هارون وريم) من المدرسة خوفاً عليهما، وعيناها، اللتان لا تتوقفان عن البكاء، لا تغفل عن طفليها.
نيابة الاستئناف سبق واستدعت رئيس قسم مكافحة جرائم الآداب في البحث الجنائي للتحقيق معه، في قضية رفعتها أنيسة عبر محاميها عبدالرحمن جرمان من منظمة «هود» التي تبنت قضيتها ورفعت دعوى جنائية على إدارة البحث الجنائي بأمانة العاصمة لحبسها أنيسة دون أي مسوغ قانوني أو أمر صادر من القضاء وهذا في نظر القانون جريمة عقوبتها السجن ثلاث سنوات، وخمس سنوات إن كان مرتكبها موظفاً عاماً، وفقاً للمادة (246) من قانون الجرائم والعقوبات.
اعتبر محامي أنيسة أن استدعاء رئيس قسم الآداب هو تهرب، كون البلاغ والقضية مرفوعة ضد مدير البحث. ووصف الاجراءات التي اتخذتها إدارة البحث مع موكلته بأنها أعمال عصابات منحرفة. وقال: «ما حدث لموكلتي هو إختطاف وليس إجراء رسمياً، ويعد جريمة مثله مثل إبقائها في السجن ما يقارب الشهرين، ومثل احتجاز طفليها الحدثين». وأضاف أن استجواب أنيسة في قسم الآداب ثم إحالتها إلى قسم السرقات، مع أن البلاغ الذي قدمته أم طليقها إنما يتهمها بالقتل، هو تعذيب نفسي مقصود من إدارة البحث ضدها.
وأفاد بأن منظمة هود قدمت للنائب العام بلاغاً تتهم فيه مدير البحث الجنائي باحتجاز حرية موكلته وطفليها, وذلك مخالف للقانون.
وبدوره وجه النائب العام إلى نيابة جنوب الامانة بالتحقيق مع الجوفي، لكن مدير البحث، بحسب جرمان، امتنع عن المثول أمام النيابة للمرة الثانية قبل اسبوعين.
وأكد المحامي بأن «هود» لن تتخلى عن موكلته وطفليها إلا بعد أخذ حقها القانوني ومعاقبة الجناة وهو حق لا يسقط بمضي الوقت.
 
[email protected]