مضروب بمس «الزعامة» – منصور هائل

مضروب بمس «الزعامة» – منصور هائل

تلبستني مقتضيات السلطة ومتطلباتها، وضربت بمس من روح الزعامة، عند خروجي من منتدى التنمية السياسية مساء الاثنين الماضي.
ذلك المساء أدركت هشاشة وضعف وتناهي الانسان عندما يستحوذه الانسحار والانفتان والانبهار بالسلطة، وينتقل من طور الاستواء إلى طور الاعتلاء ويتشبه بالذات المتعالية.
والحاصل أني كنت في لقاء احتفائي بقيادة حزب التجمع الوحدوي اليمني بمنتدى التنمية السياسية الذي يرأسه الاستاذ علي سيف حسن، وهو من أولئك القلائل الذين يتمتعون بخيال سياسي مشحوذ بحس ابتكاري للأحداث والشواغل المترعة بأسئلة لذيذة، حالمة، مؤلمة، جارحة، مفرحة، وتحليقات، وتحويمات، وصبوات عشق وألق ونشوة، وتباريح أخرى قد تلزمك بزيارة الطبيب لقياس نسبة السكر، (بتشديد الكاف).
عموماً، كنت ذلك اليوم بمثابة «زعيم» من الحجم الصغير، ووجدتني في موضع التعقيب على اسئلة واستفسارات وملاحظات خاصة بحزب التجمع، على اعتبار أني من قياداته الجديدة ورئيساً لتحرير صحيفته.
وقد سمعت من الاطراء ما ينفخ في الروح والجسد معاً بالونة «الزعيم».. وأحسست بفداحة المس الشيطاني لذلك النفخ وأنا في طريق الإياب إلى البيت، حيث استطعت من حسابي شراء رغيف العشاء و«الزبادي» ونسيت كتابة عمودي الاسبوعي لـ«النداء» ولم أرتطم بالجدار المسماري للحقيقة إلا عندما وجدتني في البيت حيث لا كرامة لزعيم في بيته.
عندما ارتطمت بذلكم الجدار كنت بحاجة إلى إعادة قراءة «تكنولوجيا السلطة» لميشيل فوكو، ولكني لم أستجب لنداء تلك الحاجة بقدر ما استسلمت إلى الاسترخاء بالانتشاء السلطاني والعائلة بلا عشاء.
والحق أن قادة الاحزاب في السلطة والمعارضة، تحديداً المشترك والمؤتمر ورئيس منتدى التنمية السياسية والزملاء الذين شاركوا في الاحتفاء، قالوا في حزب التجمع ما دفعني إلى الانسياب بالسحاب، واستقطار الشهب، وتنزيل النجوم من السماء إلى طاولة المقهى المجاور لبيتنا لاستضافتها على كأس من الشاي احتفاء بـ«الزعيم»: أنا!
لقد كانوا كرماء بالفعل وبحق، وقد بلغوا من السخاء ذلك المستوى الذي جعلهم يردفون الاحتفاء بالتجمع باحتفاء آخر تلخص بدعوة صريحة لفتح أبواب الحوار من منطلق الاقرار بمشكلات وإشكاليات عويصة تنضح بأسئلة كبيرة وتستوجب حواراً منزهاً من الاستعلاء بسلطة الحكم، أو الاستعلاء بمنطق الحزب الايديولوجي.
فشكراً لمنتدى التنمية السياسية، ورئيسه الجميل، ولجميع أولئك الأحباء الفرقاء، وشكراً لكل مسعى يتوسل ابتكار اليمن وتداركها بمحبة وحوار، بالحوار كمؤسسة، ورشة، إدارة للسياسة والحياة.
وتحية لكل حوار لا ينفخ في الذات بالونة «زعامة» زائفة ويحرم البيت من العشاء، ويؤجل عمود صحيفة «النداء» ويقطع تيار التداعيات المتخاطرة مع العزيز فالح عبدالجبار الذي كنت وعدت القراء بمواصلة الكتابة عن نصه وشخصه منذ التقيته في عدن قبل أزيد من عقدين، وليعذرني القراء على إرجاء تلك الكتابة إلى عدد قادم في هذه الغراء.
[email protected]