إلى أي مدى يصبح دعم المانحين لليمن دعماً للاستقرار الإقليمي والأمن الجماعي الدولي؟ – عبده محمد سالم

إلى أي مدى يصبح دعم المانحين لليمن دعماً للاستقرار الإقليمي والأمن الجماعي الدولي؟ – عبده محمد سالم

لقد بات في حكم المؤكد أن الحكومة اليمنية قد فقدت كل الشروط الموضوعية التي تؤهلها للحصول على أي دعم خارجي، سواءً كان هذا الدعم إقليمياً أم دولياً، والأهم من ذلك أن الدول المانحة هي الأخرى باتت تنظر إلى المعلومات والمقترحات التي تقدمها الحكومة اليمنية بهدف استجلاب الدعم الخارجي ليست سوى شكل من أشكال التضليل المتعمّد وغير المبرر.. لهذا لجأت الحكومة اليمنية مؤخراً إلى ورقة الخطاب الأمني علّها تنفع في جلب الدعم الخارجي لليمن، كون اليمن من الناحية الاستراتيجية يعتبر ممراً دولياً حيوياً، ونقطة تقاطع لمصالح دولية وإقليمية متباينة، ناهيك عن أنه يشكل من الناحية الإقليمية بوابة أمنية لدول الخليج والجزيرة والقرن الأفريقي، وبالتالي فإن طبيعة الوظيفة الأساسية لهذا الممر والبوابة يجعل منهما مصدراً لإقلاق الآخرين أو تطمينهم على حد سواء.
من هذا المنطلق فإن الحكومة اليمنية باتت تنظر إلى هذه الورقة الأمنية باعتبارها ورقة الخلاص لتجاوز شروط المانحين في مؤتمرهم المنعقد في لندن، وأنه بهذه الورقة ستتمكن الحكومة اليمنية من التنصل من كل مشاريع الإصلاحات وإجراءات محاربة الفساد التي تشترطها الدول المانحة.
على ضوء ما تقدم يظل السؤال المطروح الذي لا يزال يفرض نفسه من منطق الواقع هو:إلى أي مدى يصبح دعم المانحين لليمن دعماً للاستقرار الإقليمي والأمن الجماعي الدولي..؟
لست معنياً بالإجابة على هذا التساؤل، لكن من المهم الوقوف على بعض الحيثيات التي بُني عليها هذا السؤال..صحيح أن الموقع الجغرافي الاستراتيجي لأي بلد هو العنصر المؤثر في صنع تاريخه، وصحيح أن الموقع الاستراتيجي لليمن ببوابته الأمنية ظل على مر العصور بمده وجزره يمثل إما مغنماً وإما مغرماً لهذا البلد بحسب الاستخدام الاستراتيجي له من قبل حكامه، وصحيح أن القيادة الحاكمة في اليمن حالياً لها تطلعاتها المشروعة المتحفزة لأن يكون لها دور قيادي إقليمي طليعي في المنطقة من خلال النظر إلى نجاحها في اقتحام العديد من الميادين الإقليمية وقضايا الصراع وبذل العديد من المساعي الحميدة لتسوية المنازعات في المنطقة بشكل عام ومنطقة القرن الأفريقي على وجه الخصوص…لكن في المقابل من ذلك أن الواقع الأمني في المنطقة وخاصة بعد أحداث سبتمبر وبعد أن أصبحت الأساطيل الأمريكية تجوب مياه المنطقة وتمخر بحارها متجاوزة كل مفهوم من مفاهيم السيادة قد أبهتت هذه الأهمية للموقع الاستراتيجي لليمن، أو أن أهمية هذا الموقع بات من المتعذر النظر إليها بمعزل عن أهمية الدور السيادي القادر على استخدامه. الأمر الآخر: لا أحد ينكر الدور الإيجابي الذي تلعبه اليمن في التقريب بين أطراف الصراع في منطقة القرن الأفريقي والحرب الأهلية في الصومال، لكن مع ذلك كله سيظل الدور القيادي في هذه المنطقة ليس للدولة الساعية في هذه الحلول وإنما للدولة الضامنة لتنفيذ هذه الحلول..وفي اعتقادي أن اليمن ليس لديه من القدرات الأمنية، ولا التأثير الاستراتيجي، ولا القدرات المالية التي تؤهله إلى مرتبة الضامن للأمن الإقليمي في هذه المنطقة بالشكل الذي يجعل أطراف الصراع تحترم مساعيه وتخشى من تحولاته أو أن يمسك عن عطائه.
الأهم من ذلك كله أن الحكومة اليمنية بحكم ثقافتها المتخلفة مازالت تنظر إلى المفهوم الأمني بمنظور تقليدي باعتباره جملة من الملاحقات الأمنية وتحريك الأطقم العسكرية ونشر الدوريات الأمنية، والاقتصار على بعض التحقيقات الجنائية وأشكال الضبط البوليسي وأساليب التفتيش المفتوح..على عكس المفهوم الأمني الذي يعرفه العالم المتمدن والمتعارف عليه دولياً في إطار مفهوم “الأمن الشاملـ” الذي يتجاوز الإجراءات الأمنية إلى رسم استراتيجيات الأمن القومي الشامل المتداخل مع كل مفاصل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والصحية. وبالتالي فإن مشاريع الإصلاحات، ومحاربة الفساد، وتعزيز الحريات، وتدعيم مؤسسات المجتمع المدني، وإن جاءت ضمن اشتراطات الدول المانحة إلا أنها من صلب العملية الأمنية..وعليه فلا يمكن النظر إلى ورقة المساومات الأمنية بمعزل عن هذه القضايا الإصلاحية التي هي من صميم العمل الأمني في إطار المفهوم الشامل للأمن القومي المتعارف عليه دولياً.
[email protected]