المنظمات الحقوقية تعتنق الصمت، ولجنة الرئيس معسرة.. بمن يلوذ السجناء..؟! – علي الضبيبي

المنظمات الحقوقية تعتنق الصمت، ولجنة الرئيس معسرة.. بمن يلوذ السجناء..؟! – علي الضبيبي

تبكي ابنها السجين منذ سنوات، وتعول أطفاله السبعة. عجوز سبعينية خُطفت من محياها ثلاث ابتسامات كانت تحلم بتحققها؛ إذ تنتظر صوت المذياع ينادي بـ«محسن محمد علي الريدي -ولدها»، مفرجاً عنه في لجنة رمضان الرئاسية، خاصة وقد تملكتها شهقة الفرح بعد أن ذيَّل النائب العام بتوقيعه أمراً يقضي بأن «يتم رفع إسمه في الكشف لهذا العام» في 20 سبتمبر 2005.. للأسف لا شيئ تحقق حتى الآن!! فقد سبق وأن وعدت اللجنة بالإفراج عنه بعد أن ضُم في كشوفات 2004 أيضاً.
ليس هناك ما يؤجل فرحة اطفال صغار، بعودة أبيهم من السجن بعد انقطاع دام ثلاث سنوات. فقط (5) أشهر محكوم بها عقوبة في الحق العام، وتسديد 1.448.000 ريال للمجني عليها شركة هائل سعيد أنعم، بالإضافة إلى (30) ألفاً اتعاب محاماة كما في الحكم الصادر ضده في 23/9/2003 من محكمة جنوب غرب الأمانة، بعد سبعة أشهرقضاها في الإحتياطي.
لكن كان على أمه أن تبقى في كهف حزنها، وأن تعاود النواح، أما الصغار فليستمروا في شظف يُتْمٍ غير مسمى أجله، رغم إعسار أبيهم بحكم قضائي.
هذه القضية ومثيلاتها كُثر، وأشياء أخرى، تضفي على لجنة السجون الرئاسية قدراً من الغموض والشك، فلا الأرقام التي أعلنت وتعلن عنها اللجنة مثبتة بأسماء المفرج عنهم، ولا الوعد الذي تلقته الأسر بإطلاق سراح عائليها نُفذ، كما في حالة أم محسن، بالإضافة إلى أبناء السجين (ح. ه) وهم الذين استبشروا بالفرج يلوح في أفق آمالهم بعد أمر خطي من الرئيس بالإفراج عنه ضمن قائمة 2005، فضلاً عن عشرات الأحكام القضائية بالإعسار -فردية وجماعية- التي لم تبرر اللجنة العليا للسجون تعطيلها أو الحكمة من استصدارها!!
أما الأرقام التي تتوزع هنا وهناك عمَّن شملهم العفو وتم الإفراج عنهم أو سيتم، فقد شكك بيان صادر عن ملتقى (17) يوليو لأسر وأطفال السجناء المدينين، خاص بـ«النداء»، في صحتها، مطالباً اللجنة بنشر اسماء وبيانات المفرج عنهم في وسائل الإعلام.. واعتبر الملتقى الإعلان عن أرقام بدون اسمائها وبطريقة (الكم) دون تصنيف، «مجرد ترويج دعائي يصب في خانة التضليل السنوي المعهود..»، حد البيان.
ورداً على رئيس اللجنة القاضي عصام السماوي الذي أعلن في 15 أكتوبر 2006 -حسب المصدر- اطلاق (1243) سجيناً وسجينة في قضايا مختلفة على مستوى الجمهورية خلال شهر رمضان، بالإضافة إلى (77) سجيناً رفعت اسماؤهم إلى رئيس الجمهورية كسجناء ذمة مالية مستحقين ، قال ملتقى أُسر السجناء إنه لم يختلف عن سابقه من البيانات بجديد سوى بـ«الزج بهامة قضائية جديدة للمشاركة في المعترك التضليلي بثمن بخس». وأردف معدداً بعض تصريحات أعضاء اللجنة على مدار السنوات الماضية، بدءاً بتصريح رسمي للنائب العام عبدالله العلفي في صحيفة «الميثاق» في 9 مايو 2005 جاء فيه: «وحسب توجيهات رئيس الجمهورية: سوف يتم اطلاق سراح جميع سجناء الحقوق الخاصة». وقبله تصريح آخر لحمود الهتار في جريدة «الوحدة» عام 2004 يفيد بأن «هذا العام ستتم أكبر عملية إفراج على مستوى الجمهورية تشمل من عجزوا عن سداد مديونياتهم»، واسترسل بيان ملتقى أُسر السجناء في سرد تصريحات قيادة اللجنة عند كل موسم ففي عام 2003 وعبر الفضائية اليمنية و ضمن خطاب القاضي الهتار السنوي ليلة عيد الفطر «رئيس الجمهورية يؤكد بأنه دفع مبالغ «كبيرة» للتسديد عن السجناء الذين عجزوا عن تسديد ما عليهم». الهتار ذاته وفي نفس المناسبة ولكن العام الأسبق 2002 تحديداً، صرح بأن فخامته «وجه بالإفراج عن ألف وسبعمائة سجين من المحكومين بحقوق خاصة». «ثم اختفت تصريحات الرئيس -يقول البيان- في هذه المناسبات، واستبدلت خطاباته تحريرياً يقرأها (وزير)». إلى ذلك تصريح آخر لنائب الرئيس في تعز 9/2005 بتوجيه رئاسي بالإفراج «الفوري» عن السجناء المعسرين (صرح به للفضائية).
ويضيف المصدر بأن هذه التصريحات أُعقبت بأخرى «واضحة وشفافة» في صحيفة «26سبتمبر» في رمضان لرئيس مجلس القضاء الأعلى رئيس لجنة السجون لهذا العام 2006؛ «الأمر الذي أفقد هذه الشريحة المجتمعية من الأسر وسجنائها (معتقلي الذمة المالية) الثقة بمجمل التصريحات الرسمية والقضائية المتعلقة بهذا الشأن»، واستغرب البيان: « لا ندري أي سجناء ذمة مالية يقصدون؟!!».
لكن مصادر خاصة بـ«النداء» أفادت أن هذه الأرقام تشمل سجناء محكومين بحق عام فقط وانتهت فترات سجنهم، وهو ما أكده بالفعل الملتقى النسوي لأسر السجناء في بيانه ايضاً من أن الأرقام تمثل جزءاً من حركة الإيداع والإخراج على مدار السنة للمحكومين بحق عام والمستحقين قانوناً للإفراج بالإضافة إلى الذين سجنوا على سبيل التحفظ. غير أنه يضيف: «لا يمثل سجناء تم الإفراج عنهم في رمضان إلا جزء بسيط منه…»، يقطع المنتدى.
«النداء» وعلى مدى اسابيع حاولت استجلاء حقيقة الأرقام المعلنة، وإجمالي المفرج عنهم هذا العام، من خلال مسؤولين في اللجنة: إدارة سجون، نيابات، كلها لم تفدنا بشيء سوى تصريح وزيرة حقوق الإنسان على لسان مدير مكتبها محمد الحيدري، الذي أفاد أن (1063) سجيناً هم من تم الإفراج عنهم فعلياً هذا العام بعد أن تحملت الدولة حقوق الغير بالدفع عنهم.
وقال إن الإفراج تم في رمضان، النائب العام وفي تصريح للمؤتمر نت هذا الأسبوع قال إن عدد المفرج عنهم من «السجناء المعسرين» بلغ (71) سجيناً كانت عليهم التزامات مالية سجنوا بسببها، وأن المبالغ التي دفعتها عليهم الدولة بلغت (37) مليوناً، في حين ذكرت وزارة حقوق الانسان ان المبلغ وصل إلى 63 مليوناً وسبعمائة وستين ألف ريال – حسب الحيدري.
بينما تنفي أسر السجناء كلا الرقمين، عبر أكثر من بيان ومقابلة، قاطعة بعدم الإفراج عن أيما شخص هذا العام محبوس بذمة مال، أو غشيته مكرمة الرئيس إذ لم يفرج منذ رمضان حتى الآن من السجن المركزي بصنعاء سوى عن ثلاثة عشر شخصاً (حوادث مرورية) أخرجهم الحجاجي، بالإضافة إلى بعض الحالات المدنية بتدخل محسنين وفاعلي خير لا تربطهم بلجنة الرئيس علاقة، فأطلق سراحهم، حسب المصدر.
وكيل نيابة السجن المركزي صالح العُزَيْر أفاد في تصريح خاص ل «لنداء» أن عدد المفرج عنهم من سجن الأمانة (18) سجيناً ممن كانوا مسجونين على ذمة تسليم حقوق خاصة للغير ومدة العقوبة قد انقضت وثبت إعسارهم وعجزهم عن تسديد ما عليهم، محبوسين على ذمة نيابات أمانة العاصمة، «أما المحبوسون على ذمة نيابات محافظين صنعاء والجوف والجزائية المتخصصة فلم يتم موافاتنا بشيء عمَّن تقرر منحهم هذه المساعدة، أو الإفراج الشرطي (ثلاثة ارباع المدة وثبت حسن السيرة والسلوك)، حيث يعفى من الربع الأخير»، يفيد العزيز. وعن المبالغ المدفوعة قال إنها تختلف من شخص لآخر بعضها يصل المليونين كعمر مرعي يوسف  العجيب (سوداني) المحبوس منذ عام على ذمة مليونين وعشرين ألف ريال.
لكن تبقى قضايا سجناء معسرين بأحكام قضائية وانتهت فترات عقوباتهم منذ سنوات طوال، عالقةً بذمة مبالغ كبيرة وأخرى لا تتجاوز ال200.000، كطارق السروري، والحساني المحبوس على ذمة مليون منذ عشر سنوات إذ كان عمره 16 سنة حينها والآن عمره 26 سنة يحلم بالخروج ويخشى أن تنتهي فورة شبابه داخل سجن قضاته لا يرحمون، وغيرهم من سجناء الذمة المالية (مساحة المادة لا تسمح بذكر اسمائهم).
البيان المشار إليه كشف عن (200) حالة رشحتها اللجنة العام الماضي ورفعت إلى الرئيس ولم تعد حتى الآن!! يضاف إليها (77) حالة هذا العام.
 الجدير بالإشارة أن البيان لفت الإنتباه إلى ارتفاع وتزايد أعداد السجناء المعسرين. مما يشير إلى توسع رقعة الأُسر المعرضة لخطر التشرد والضياع، على توصيف المصدر، لا سيما مع حالة التجميد المستمر للحلول الشرعية والقانونية. فقد تجاوز العدد العام 2005 في صنعاء فقط، حسب احصائية وتصنيف النيابة العامة، ال(310) سجناء محكومين بحقوق خاصة، النصف منهم تجاوز العام الخامس – السادس عشر، سواءً من كانت قضاياهم مدنية وتجارية بحتة، حد ما جاء في البيان الذي قال أن النيابة حرصت على تقديمها -أي القضية- بصورة جنائية، أم من كانت قضاياهم جنائية (حدية) واستبدل الجانب المادي بوسيلة العقوبة بالسجن «كحق عام» بمعنى مساواة النيابة العامة وقضاة المحاكم بين قضايا «الحدود» وقضايا «الحقوق». واردف المصدر: «حكم على الجميع بعقوبة سالبة للحرية هي السجن وبحق شخصي».
وبانقضاء الفترة ما بين نهاية العام 2005 وحتى النصف الأول من العام الحالي 2006 «ظل العدد يتراوح ليستقر على (304) سجناء منهم(6) موسرين عولجت قضاياهم بين معالجة رئاسية وذاتية، وضمانات اسمائهم لدينا».
وأشار إلى ارتفاع العدد خلال النصف الثاني من هذا العام إذ بلغ 330-370 بإضافة العنصر النسائي، وفقاً لإحصائية المكتب الفني للنيابة العامة. «بينما كانت الأعداد ما بين العام 2002 وحتى نهاية العام 2004م قد تجاوزت ال450 سجيناً باستثناء النساء»، حد المصدر.
وأمام هذه الإشكالية القانونية والمعضلة ذات البعد الإنساني تقف منظمات واتحادات ومراصد باسم حقوق الانسان، على الجانب الآخر كممثل صامت إذ لا تملك أي معلومات عن سجناء هكذا وضعهم، وأسر داهمها اليُتم والضياع منذ سنين. فقد اعترف المرصد اليمني لحقوق الانسان على لسان رئيسه الدكتور محمد المخلافي بعدم امتلاك المرصد بالنسبة للمسجونين أي برنامج من هذا القبيل، فقط يعلم بالحالات الحادة، وأضاف المخلافي: «نحن نقوم بالرصد (للانتهاكات) ولكن في السجون غير متاح».
وعلى وجه الاحتمال المستقبلي قال: «ربما مستقبلاً، نطالب بنظام لزيارة السجون يكفل لهذه المنظمات الدخول والتقاء سجناء».
أما المدير التنفيذي في منظمة «هود» للدفاع عن الحقوق والحريات خالد الآنسي فقد بدا أكثر شكوى من قضايا مطروحة على المنظمة قال إنها «أكثر مأساوية تستحوذ على الجهد والوقت خصوصاً مع شحة الامكانيات ومحدودية المشتغلين». وبدا الآنسي متحاشياً التقليل من حراك منظمته، «هذا الحراك لفت الأنظار إلى قضية السجناء المعسرين حتى غدت محل اهتمام اعلامي – على الأقل!!».
وأشار إلى وجود ما يشبه مجموعة عمل – حد وصفه- مع ملتقى أسر السجناء إذ نفذت المنظمة عدداً من الفعاليات تمثلت في اعتصامات امام دار الرئاسة ومجلس الوزراء بالإضافة إلى المناشدات والبيانات لحل المشكلة!! لكن هذا القول نفاه الملتقى على لسان إحدى عضواته.
عميد منظمة دار السلام لمكافحة الثارات والعنف، عبدالرحمن يحيى المروني، قال مبرراً: «نحن منشغلين في قضايا الثأر والنزاعات والتوعية..الخ».
اعتبر قضية السجين المعسر «جانبية». غير أنه أشار إلى بعض الأنشطة التوعوية التي تقوم بها المنظمة كإحياء قيم الفضيلة من خلال زيارات السجناء، والتوعية بمخاطر الانتحار!! وهو ما يتناقض مع ما قاله المخلافي سالفاً بالنسبة «للزيارة».
وزارة حقوق الانسان وفقاً لمدير مكتب الوزير كشفت عن بعض الزيارات الميدانية إلى السجون، والتعرف على حالات المعسرين الذين امضوا فترات العقوبة القانونية (حق عام) ولم يتبق عليهم حقوق خاصة، وأن ثمة كشف باسماء السجناء المعسرين «يتم رفعه إلى اللجنة العليا للسجون والمحكمة العليا، ويتم مناقشته، وليس كل الحالات يتم الدفاع عنها». لكن إلحاحه على الحصول على كشف باسماء المعسرين، طالباً الصحيفة، يضعف مصداقية ما تدعيه الوزارة.
وإذا كانت المنظمات الحقوقية والمعنية بمثل هكذا قضايا بالإضافة إلى الجهة الرسمية (الوزارة) تتبدى على صورة «أما بنعمة ربك فحدث»، فإن ملتقى اطفال وأسر السجناء يبدو الأحق بالإشادة والدعم المنظماتي حتى ولو كانت ظروف الملتقى تفرض عليه البقاء في «حقيبة» محمولة، وإحدى غرف عائلة سجين متواضعة.
فالبيان الصادر عن ملتقى اطفال وأسر السجناء والذي جاء في أكثر من 30 ورقة، على شكل تقرير تفصيلي (على ضوء استطلاع «النداء» حد ما جاء فيه)، تتبع مسار قضايا المعسرين على مدار الاعوام الماضية، وما استطاع أن يعمله الملتقى خلال السنتين الماضيتين من أنشطة مختلفة رغم محدودية الإمكانيات. إلا أنه -أي البيان- تضمن فقرات ذات طابع «تراجيدي مؤسف» خصوصاً ما يلقاه أطفال ونساء السجناء من سخرية واستهجان من قبل «حرس الرئاسة»؛ إذ أنهم أثناء إعتصامهم أمام القصر في 3/9/2005 حاملين لافتاتهم الصغيرة مع صور الرئيس، صدوهم ببعض الكلمات: «سيروا من هنا.. قولوا لامهاتكم يدورين لهن ازواج، محابيسكم سرقوا وانتم تجو هنا تشتو الرئيس يسدد عليكم».
واتهم المصدر الجانب الرسمي بتكريس وممارسة تحريض المجتمع ضدهم، مستدلين بـ«حرص النيابة العامة على تصنيف القضايا في عرائض الاتهام بشكل لا يتطابق وطبيعة القضايا (…) من خلال استخدامها مفردات «مجرم» وضحية، «جاني» ومجني عليه»، واعتبر ذلك تأكيداً على سياسة تهدف إلى «عزل المجتمع» عن قضية الطفل والأسرة وعائلهم المعتقل.
واسترسل البيان يسرد أعماله وانشطته، ومناشداته مختلفة الأنواع إلى مختلف قطاعات، ومنظمات، ومؤسسات داخلية وخارجية، وزعامات، بدءاً بالصحافة، والأحزاب، والمنظمات، والعلماء، ومجلس النواب، مروراً بالرئاسة، وصولاً إلى الملك عبدالله والقذافي، وحتى جامعة الدول العربية.