جريمة الاثنين الحزين – هدى العطاس

جريمة الاثنين الحزين – هدى العطاس

قبل أن يلعق الفضاء صخب الديكور الديمقراطي المخيم على المدينة الشاحبة وفي الليل الرمضاني العدني الذي عادة ما يشتعل بالسمر والبهجة، إذا به يشتعل على مأساة حطبها اللحم البشري لمواطنين زهقت ارواحهم جراءالتسيب والفساد في ابشع صوره، وإذا بفضاء المدينة يرتج على صراخ الضحايا: اثنتا عشرة جثة تحترق حد التفحم. اهتز ت عدن بأنين المحترقين ونواح من تبقى من ذويهم حين شب الحريق (قيل أنه بفعل ماس كهربائي) في عمارة بحي الخساف في كريتر، مساء الاثنين الثالث من رمضان. وكانت اجساد سكان العمارة تشوى امام نظر الطامة الكبرى أو النائمة الكبرى: عربة المطافئ وفريق الانقاذ الذين جاءوا بعربات فارغة من الماء ودون ادوات انقاذ اخرى وبكوادر هزيلة لا تمتلك ابسط سلوكيات رجل الاطفاء، لا شجاعة ولا تأهيل ولا تدريب بل أمية شديدة في مجال مهنته. يقول شهود الحادث وهم ناس كثر تجمهروا وحاول البعض منهم انقاذ بعض السكان، يقولون إن فريق الاطفاء حين وصل كانت النار في الطابق الاول فلم يبادروا باطفائها لعدم وجود ماء وحينما عبئت العربات بالمياه كان الحريق قد وصل الطابق الثاني. ويشهق بالعبرة احد الذين شاهدوا الحريق، مرتاعا يصف مشهد الجد الذي يحمل حفيديه صارخا طالبا إنقاذهما ليتفحم معهما بعد أن احجم رجال الاطفاء عن القيام بدورهم قائلين انهم لن يخاطروا بحياتهم والعمر “مش بعرقة”. نحن لا نطالبهم باجتراح الملاح كرجل الاطفاء الامريكي الذي قام بعمل بطولي لانقاذ ضحايا مبنى التجارة العالمي في احداث الحادي عشر من سبتمبر وحولت هوليود بطولته الى فيلم يعرض الان في دور السينما. أليس هذا دورهم وعملاً انسانياً ارتضوا القيام به حين انتسابهم لجهاز الدفاع المدني وفريق الانقاذ؟ ونتوجه بالسؤال الى المسؤولين في هذه المؤسسة: بأي المعايير تعينوا رجال الاطفاء والدفاع المدني بشكل عام؟! ومن ناحية اخرى نلتمس لهم عذراً لأن مؤسستهم لم تجهزهم ببدلات حريق تقيهم النار…
 ويحكي من شاهدوا المأساة أنه في احد الطوابق رمى الاب بأطفاله الصغارمن النافذة ليواجهوا مصيرهم بعيدا عن الاحتراق ورجع الى زوجته التي لم تستطع القفز ليبقى معها ليخرجوهما جثتين متفحمتين معا. وفي الطابق الخامس للعمارة كانت اسرة كاملة تصرخ في النوافذ والنار تشتعل في اجسادهم يستنجدون بفريق الاطفاء حتى ماتوا تفحما. اسرة كاملة ثمانية اشخاص نساء ورجال واطفال ولم يكن رجال الاطفاء يملكون سرير الانقاذ المعروف ليقفز اليه الضحايا ولا “ونشاً” أو سلماً لسحبهم عبر النوافذ ومن المستحيل أن يحلم مواطن لا يساوي شيئاً في نظر حكومته يحلم بهيليوكبتر لإنقاذه فهي مخصصة ليتنقل بها المسؤولون فوق جسد وطن يشويه الفساد وسياسات حكومة تقوده الى سكة الموت حرقا أو خنقا بالعبرات، يتنقل المسؤول بالهيليوكبتر ليسوق للتعساء وهم خلاص لم يحن ايفاؤه..
ألا يستحق الدفاع المدني الذي يعنى بأمان المواطنين في الدرجة الاولى امتلاك طائرة هيليوكبتر لانتشالهم حين الكوارث في مقابل مليارات تصرف لشراء الاسلحة واحدث الطائرات الحربية وتجهيز الجيش؟! لأي عدو يحشد كل هذا العتاد الحربي؟ ليس سوى لترهيب شعب ملقى تحت اقدام الدولة اعزل الا من فقره وجهله ومرضه..
بالقرب من الحي الذي فيه عمارة الموت يقبع معسكر مشهور لن يخلو من عدة وعتاد وادوات مساعدة كان يمكن تحريكها لإنقاذ ولو بعض الضحايا. في كل بلاد الارض يتعاون الجيش مع الدفاع المدني اثناء الكوارث وكان الحادث كارثة بكل المعاني. وعلى بعد خطوات يقع مبنى البلدية الذي بالتأكيد يحوي “ونشا” رفعت به قبل اسابيع من الحادث صور مرشحي الحزب الحاكم، لماذا لم يتم تحريكه لرفع اجساد المحترقين من سعير الاحتراق؟ ومما يزيد من اشتراك اجهزة الدولة في هذه الجريمة أن تخطيط مدينة عدن في زمن الانجليز جعل في كل شارع وبين البيوت خزانا ارضيا للماء يسمى “خزان الحريق” يستعين به رجال الاطفاء لتعبئة عرباتهم عند نشوبه غير أن الخزان الذي في الحي كان فارغا من الماء-واغلب الخزانات الاخرى في بقية الاحياء كذلك أن لم تردم بالبناء العشوائي أو اسباب اخرى – ولم يكلف جهاز الاطفاء نفسه تفقد هذه الخزانات دوريا وهذا من صميم عمله أو التنسيق مع البلدية ويجب أن يكون من اولويات عملها تخطيط المباني والشوارع والحفاظ على تخطيط المدينة بخدماتها العصرية المتقدمة ايام الانجليز ( وكما قال احدهم: الاشتراكي ايام حكمه لم يضف انجازاً اما الحكم الحالي فقد ذهب بالموجود ).
لم يمض اسبوعان على مأساة عمارة الخساف، وإذا بالمدينة منكسرة العينين تفتحهما على حريق آخر التهم مدرسة في خورمكسر وواجهه فريق الاطفاء بنفس التقهقر والخوف والاداء الهزيل غير عابئين بما كتب عنهم وما وجه لهم من انتقادات في الصحافة عن ادائهم في حادث العمارة الذي تحول الى كارثة. وما يزيد الحيرة استعار الحريق مجددا في المساء بعد اطفائه في الصباح. ألم يكن من الواجب تعيين في حراسة مكان الحادث؟! اين اجهزة الشرطة والامن؟ ام أن رجال الاطفاء لإنعدام تأهيلهم ومعرفتهم بأبسط قواعد الاطفاء تركوا بعض النار تحت الرماد لتذكو من جديد وتأتي على المدرسة كلها بعد أن كان بعضها فقط احترق في البداية.
في مأساة يوم الاثنين الحزين قيل أن الحكومة وعدت بتعويض اسر الضحايا وساكني العمارة المحترقة (ياللعوض). على المحزونين المنكوبين الثكالى أن يأكلوا من ثمن اجساد ذويهم المحترقة تحت نظرالحكومة واجهزتها الغائبة إلا من كرنفالات التجويع ومهرجانات التجهيل والمرض… وبحفنة من الاوراق النقدية وبوعود كثيرا ما تتلاشى بعد ان تختفي الاضواء، وبمشهد يتكرر: ينزل المسؤول الى مكان الجرائم، التي لا ينفك المواطن المسكين يمنى بها، ينزل ذلك المسؤول مشفوعا باضواء العدسات التلفزيونية والصحفية ليمثل مشهدا انسانيا فوق الجثث، وعلى المواطنين أن يصفقوا له فقد ادى دوره في مسلسل مخرجه الفساد. محرقة بشرية كهذه تسبب فيها تخاذل الدفاع المدني عن اداء واجبه كما يجب، يلزم اقالة المسؤولين عنه في بلد يحترم مواطنيه. بينما في بلادنا علينا أن نضع مئة خط تحت كلمة احترام المواطن.
لقد تسببت الحكومة ضمنا بالنتائج الكارثية للحرائق المذكورة بإهمالها وتسيب اجهزتها وفسادها وذهاب الميزانيات في غير الاماكن ولا الاغراض التي رصدت لها. أين تذهب ميزانية الدفاع المدني؟ لماذا لا تحظى هذه المؤسسة بالتطوير والمتابعة الدائمة في شامل نشاطها ويعطى لها الاولوية لأن عملها يتعلق بأمان المواطن، وأن يحظى المنتسبون اليها بدورات تدريبية وتأهيلية وتجهيزهم بما يلزم من أجهزة إن لم يكن احدثها؟ وحيث أن هذه المؤسسات تعمل لخدمة المواطنين بشكل مباشر- مع أنه حري بكل اجهزة الدولة ومؤسساتها خدمة المواطن -ألم تنشأ لاجله كما يعلن المسؤولون ليل نهار؟ غير أنها خطب للمزايدة الاعلامية والتغرير بالبسطاء.
هل ستمر الجريمة دون محاسبة الاجهزة التي هي ضمنا سبب فيها؟.. هاهو ميدان فساد ظاهر وتمادي غول الفساد فيه خطير و على الرئيس ان يبر بوعده ويثبت مصداقية كلامه عن محاربة الفساد واجتثاث بؤره.