ازدهار طباخة الإشاعات في انتخابات الرئاسة

ازدهار طباخة الإشاعات في انتخابات الرئاسة

– «النداء»
انتعشت الإشاعة بصورة غير مسبوقة في الأوساط الشعبية اليمنية قبل وأثناء الانتخابات الرئاسية والمحلية، واستمرت تسحب دخانها حتى الساعة.
اليمنيون لم يعرفوا كل هذا الكم من الإشاعات البيضاء، والسوداء، والرمادية، في أي موسم سياسي، كما عرفوه في الانتخابات الأخيرة. ولأن نسبة الاعتماد على الثقافة الشفوية في أي مجتمع ترتفع نسبة الأمية فيه إلى درجة عالية كاليمن، فإن هذا المجتمع يعد البيئة الملائمة لانتشار واستيطان الإشاعة، باعتبارها، من منظور لغوي، رواية مصطنعة عن فرد أو أفراد أو مسؤولين، يتم تداولها شفهيا بأية وسيلة نفسية أو سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية، وتتعرض أثناء التداول للتحريف والزيادة والنقصان. ولا تخلو الحملات الانتخابية من ظاهرة تسرب الإشاعات، لكنها هنا لا تزال تلبد بأدخنتها فضاء الناخبين حتى بعد انطواء ملف الاستحقاق الانتخابي، وانصراف الناس إلى شؤونهم الخاصة.
تنشط مطابخ حزبية وإعلامية، بواسطة نشرات، وصحف ومواقع إلكترونية، ومقايل ومنتديات، في صنع وجبات متعددة من الإشاعات، تسبب عسر فهم من يريد أن يعرف دوافعها وأهداف طابخيها. هذا التقرير يرصد أهم تلك الطبخات، دون أن يتحمل مسؤولية ما تتضمنه من تركيبات قد يرى بعض القراء أنها تثير البلبلة وتهدد الأمن القومي!! وهي في الحقيقة لا تؤدي إلا إلى مشاعر ممتزجة من السخرية والرثاء والحزن النبيل.
وبحسب علماء الاتصال والرأي العام فإن “أسباب ودوافع صناعة الإشاعة تتعدد، منها عدم تقصي الحقائق والتدقيق في مصادر الأخبار. وكثيرا ما تبث الإشاعة في أوساط هشة، وقد استثمرت بعض وسائط الاتصال الحديثة الانترنت مثلا لتشييد أفكار مضللة للرأي العام،فيما الواقع يثبت عكس ذلك. كما أن دافع الاستعجال في نقل الأخبار أو السبق المعلوماتي ينتج أفكارا خاطئة تكوِّن لا إراديا نوعا من أنواع الإشاعات، بالاضافة إلى عامل الحقد على المنافسين أو الخصوم. وثمة دافع آخر منطلقه الغموض الذي يكتنف الخبر موضوع الإشاعة أو الشخصية، ما يتسبب بالتوتر العاطفي الذي ينتهي أحيانا إلى نوع من الهزيمة النفسية، وكذلك يشكل الاسقاط دافعا آخر من دوافع الاشاعة وهو ما يطلق عليه محللو كتاب علم النفس “البحث عن كبش الفداء”، وأحيانا تكون الشائعة نوعا من استرضاء النفس وعدم القدرة على مواجهتها بالفشلـ”.
 
دخان من دون نار
انتشرت إشاعات مكثفة قبل الاقتراع بأيام. سلسلة من الإشاعات تستهدف هز الثقة ببقاء المرشحين المتنافسين. فانتشرت إشاعات عن موت أحد المرشحين في حادث سير أثناء توجهه إلى مهرجان انتخابي، وأخرى تحدثت عن نقل مرشح آخر إلى دولة أوربية بعد أن تعرض لحالة إغماء إثر احتفال يوم اليتيم واكتشاف مرض خبيث في دمه، وخبر آخر تداولته مواقع وصحف الحزب الحاكم، وسربتها إلى وسائل إعلام خارجية بنفس الصيغة، يقول: “إن البرلماني حميد الأحمر، (رجل الأعمال اليمني، والقيادي المعارض، ونجل الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر رئيس البرلمان اليمني وزعيم حزب الإصلاح المعارض)، ينوي الإقامة في لندن بعد نقل أمواله وحساباته إلى لندن ودبي، وأنه قد باع أكثر من 25 في المائة من أسهمه في شركة (سبأ فون) لشركة اتصالات إماراتية.
طباخة الإشاعة انتقلت بعد الانتهاء من الانتخابات، لتستهدف التنظيمات والأحزاب التي دخلت معترك المنافسة، فحزب يتعرض لانشقاق بعد إخفاقه في الفوز، وآخر يعاني من صراعات أجنحة، وتهافت على استحقاقات مالية ضخمة بسبب ادعاء كل شخصية وتيار داخله للدور المركزي في تحقيق النجاح الكبير لحزبه.ثمة إشاعة تتحدث عن امتناع جمعية خيرية في محافظة تعز عن إقامة موائد الإفطار الجماعي التي اعتادت على إقامتها في الماضي، عقابا للمواطنين الذين انتخبوا مرشحي الحزب الحاكم. وإشاعة أخرى مشابهة تقول إن الشيخ حميد الأحمر رفض تقديم أي دعم مالي (للتكتل المستقل من أجل التغيير) بسبب الهزيمة، ما دفع بمؤسسيه إلى حله، رغم أن بيان الحل أوضح أن التكتل تشكل بهدف محدد ومؤقت وهو دعم المرشح بن شملان أثناء الحملة الانتخابية.
صحف الحزب الحاكم نسبت إلى من وصفتها بالمصادر المطلعة أن اجتماعاً للهيئة العليا للتجمع اليمني للإصلاح المعارض انعقد، دون إعلان، مساء يوم ال25 من الشهر الماضي في منزل محمد اليدومي الأمين العام للحزب للوقوف على ما أسمته تلك الصحف أسباب الهزيمة في الانتخابات، وقالت مصادر الحزب الحاكم داخل حزب الإصلاح المعارض: “بينما كان أعضاء الهيئة العليا مجتمعين في المنزل
فإن «اليدومي» لم يحضر الاجتماع، أو يقابل أحداً من المشاركين، (الاجتماع انعقد في بيته!)، وانتحى جانبا في إحدى الغرف وانهار تماما”.
وفي صياغة شبيهة بالصياغة السابقة نشرت صحف متعددة ومن لون حزبي واحد، وبنفس الصيغة، ما أسمته بخبر عن اعتكاف مرشح أحزاب اللقاء المشترك فيصل بن شملان منذ عدة أيام في منزله بمحافظة حضرموت احتجاجاً على ما وصفته الصحيفة بالأداء المخيب للمعارضة في حملتها الانتخابية، ونسب إلى من أسماهم بالمقربين إلى بن شملان قولهم: “إن قريبهم يعيش ظروفا نفسية صعبة منذ إعلان نتائج الاقتراع، ومخاوف تسود عائلته تجاه تفاقم وضعه الصحي والنفسي، واحتمال قيامه بتصرف ما تجاه حياته”. ويتوغل المصدر إلى داخل حجرته الشخصية، ليرسم صورة نفسية عنه، ويقول: “إنه ينزوي داخل بيته تسوده حالة من التوتر النفسي والتجهم تجاه أفراد أسرته وانطوائه وحيدا داخل حجرته الشخصية، فيما يرفض التحدث إلى كل من يسأل عنه”. ثم تنقل الصحيفة عن ذات المصادر، وهم هنا أقارب ابن شملان، قولهم إنه أخبرهم أنه يفكر في مغادرة اليمن إلى اندونيسيا للإقامة هناك، بعيداً عن مواجهة واقع ما بعد السقوط”.
وفي رد غير مباشر، نشرت صحيفة “الناس” المستقلة، والمتعاطفة مع المرشح بن شملان، ما اعتبرته خبرا ذكرت فيه أن “بن شملان يواصل نضاله السلمي الذي بدأه مع أحزاب اللقاء المشترك من خلال الجولات الميدانية في محافظة حضرموت، بعد حضوره لأمسيات في مدينة عدن”. مؤكدة أنه سيعود إلى صنعاء الأسبوع القادم للمشاركة مع قيادات المعارضة في أمسيات رمضانية.
تسربت إشاعة إلى بعض المواقع الإخبارية مؤخرا حول مشاورات يجريها الرئيس علي عبد الله صالح مع مستشاريه لتشكيل حكومة مرتقبة يرأسها نائب رئيس وزراء سابق وتم استبعاده في التعديل الحكومي الأخير (في إشارة إلى علوي السلامي وزير المالية السابق)، نفى مصدر مسؤول، طلب من وسائل إعلام حزبه عدم الكشف عن هويته، صحة تلك الأنباء، واستبعد أي تعديل وزاري الآن، وقال “إذا كان هناك أي تعديل وزاري فإنه سيكون مع بداية العام القادم”.
حالة التجاذبات في الإشاعة والإشاعة المضادة بلغت ذروتها، عندما نشر موقع 26″ سبتمبر” التابع للجيش، تكذيبا لما نشره موقع إخباري معارض حول مشاركة الاستخبارات الأمريكية في العملية الأمنية التي أسفرت عن مقتل فواز الربيعي أحد المتهمين في الانتماء إلى تنظيم القاعدة، والهارب من السجن بعد أن حكم عليه بالإعدام منذ فبراير الماضي.
التكذيب أغضب الموقع المعارض، ودفعه إلى نشر توضيح قال أصحابه إنه يؤكد ما نشروه من معلومات، وقال كاتب التوضيح: “إن المصدر الأمني المذكور لم ينف الخبر، (رغم أن المصدر الأمني كذّب الخبر، والتكذيب أشمل من النفي) ولم يقدم أي دليل ملموس يدحض ما تضمنه الخبر، بقدر ما أورد معلومات متضاربة ومكذوبة بعضها لم يقله خبر الموقع المعارض، والآخر يتعارض مع ما ورد في بيان نسب إلى وزارة الداخلية حول الحادثة، ففي حين ينفي التصريح الأخير مشاركة طائرة مروحية في الهجوم على مخبأ الربيعي، وهو ما كان قد ورد في تصريح وزارة الداخلية، فإنه يدعي على “الاشتراكي نت” أنه قال بأن “الربيعي وجد مقتولا في منزله” مع العلم أن الإشارة في الخبر تتحدث عن طريقة مقتل الديلمي، وليس الربيعي”، انتهى توضيح الموقع المعارض.
 
الإشاعة بين الأطرف والأظرف
أطرف إشاعة تداولها مواطنون تتحدث عن فقدان مرشح المعارضة لنظارته الطبية الجديدة والأنيقة التي اشتراها أثناء الحملة الانتخابية بدلا عن نظارته القديمة غير الجميلة، وفقدها أثناء استقباله لمسؤولي حملته، ما جعله يتهمهم بسرقتها بعد انتهاء الحملة، وتقول الإشاعة إن الحادثة أدت إلى تأزم العلاقة بينه وبين حلفائه!!
أما أظرف إشاعة انتشرت، كالخدر عندما يسري في الجسد المتعب، وأصبحت حديث المجالس والمقايل والمنتديات، فهي تلك التي تؤكد وجود هبة مالية تلقتها الحكومة كهدية من الملك عبد الله بن عبد العزيز بمناسبة فوز الرئيس صالح، لمنحها الموظفين اليمنيين بواقع ألف ريال (سعودي). إلى هنا وجميع من يصدق الإشاعة متفقون على هذه المعلومة، لكن ينقسمون بصورة حادة عندما يبدأ الحديث أصحاب الحظ السعيد ممن قررت الحكومة تسليمها لهم، فبعض المصدقين يقولون إنها لكل موظف من موظفي القطاعين العام والمختلط بمن فيهم منتسبو القوات المسلحة والأمن، والبعض الآخر يقول إن الإكرامية هي خاصة بأفراد الجيش والأمن فقط. وإلى الساعة لم يتفق من صدق تلك الإشاعة على من سترسو “إكرامية العيد”، لكنهم بالتأكيد سيعيشون أجمل لحظات العمر في انتظار الموعد الذي لن يأتي!