في ذكرى الاستقلال الذي ضاع غير مرة – أبوبكر السقاف

في ذكرى الاستقلال الذي ضاع غير مرة – أبوبكر السقاف

> إعلان برنامج عمل سياسي مفصل، وشرحه ومناقشته، بداية جيدة لأي عمل سياسي يروم الاستمرار. ولكن ربما كان مفيداً ايضاً تلخيصه في قضايا محورية في صفحة واحدة. والأهم من هذا وذاك طرح مطلب واحد وشرحه للجمهور. وأرى أن هذا المطلب الذي تحتمه خصائص ومكونات الحقل السياسي في بلادنا هو الحظر الدستوري على الجمع بين رئاسة الدولة وقيادة الجيش. ويقال إن من يحفر في نقطة واحدة يصل إلى الماء، ومن يحفر في نقاط عدة لا يصل إليه.

> إن عجز الدولة التسلطية، وهي غير الدولة الشمولية التي يرد ذكرها في الصحافة، عن انتاج الحكم الرشيد او الصالح، يجعل تراكم المشاكل، المرحَّلة من فترة إلى أخرى، وعداً بانفجار قادم
 
> نرفض أمر الوقوع بين خيارين؛ أمبريالية الغرب وفاشية صدام حسين.. وكذا الخدمة التي يقدمونها للمطالبين بالديمقراطية الموظفة في أمكنة وأزمنة مختارة

1 – أزمة وجود
ليس أدل على أننا نمر بأزمة وجود من هذا الملمح الثابت الذي يتكرر كل بضعة أعوام: الأزمة التي سبقت توقيع وثيقة العهد والاتفاق التي نسيت رغم كل إيجابياتها، لأن ما جاء فيها لا يزال في جدول أعمال السياسة، والاهمال لن يرفعه منه. وهذا برنامج المشترك الذي صدر قبل ثلاثة أيام يطالب بما يذكِّر بالوثيقة، فهو يشمل كل جوانب السياسة والادارة، بل ونظام الحكم، أي أنه يكاد يقترح نظاماً جديداً، ذلك لأن الاسماء لا تنطبق على المسميات في حياتنا السياسية: الثورة ليست ثورة، والجمهورية ليست جمهورية، والوحدة ليست وحدة. لا تتطابق الاشياء والكلمات، إنها في حال قطيعة تكاد تكون دائمة. ولأننا لم نقم ببناء أية مؤسسة سياسية راسخة منذ حركة 26/9/1962 والثورة الوطنية ضداً على الاحتلال البريطاني، نتحدث -مع كل أزمة- عن بناء الدولة الحديثة، ودولة المؤسسات والقانون. فنحن علىمستوى البنى لم نقم بأية ثورة، وإن كان حظ الجنوب أوفر من الشمال بسبب جهاز الدولة الذي ورثه عن الاستعمار وساهم أبناؤه في صنعه عبر مثاقفة جدلية ترفض الاستعمار وتقبل حداثته، ولكن الوحدة الفورية الاندماجية أطاحت بكل البنيان فعدنا إلى المربع الأول، لأننا نعادي التراكم في المجالين الثقافي والسياسي ومغرمون بأن نرتجل كل مرة بداية جديدة.
إن الدولة تنتج التشرذم وتقوم يومياً بتفكيك المجتمع، المفكك أصلاً. ولذا لا نجد إذا ما استثنينا قاعدة السلطة الاجتماعية وهي جزء صغير في المجتمع، والقوات المسلحة والأمن، من لا يقع تحت نيرانها على الحقيقة والمجاز في الجنوب والشمال والوسط. ما حدث في صعدة وما يحدث في الجنوب يطرح ببلاغة قاتلة أسئلة: الشرعية والوطن والمواطنة والحرية الدينية. واقتصاد الفساد عنف يومي يحيل حياة المواطن اليومية حالة حصار.

2 – الفساد نظاماً
يكلل الفساد كل الواقع وهو أساس أزمة الوجود في أخطر جوانبها: حياة كل يوم. فنحن محرومون من ما يسميه أحد المفكرين في الغرب (تايلور) «نعمة الحياة العادية»، فاتساع شبكة الفساد واضح القسمات إلى درجة يمكن أن تكون حالنا أنموذجاً مثالياً لدراسة الاقتصاد السياسي للفساد. فقد أصبح مضمون الدولة: السلطنة المالكة. فهو ليس نسبياً كما في كل مجتمع قريب من الحال الطبيعية، يمكن حسابه، أو جزئياً يمكن أن يحاصر ويقاوم. إنه في علاقة هُوية مع النظام، ويتعذر تصور أحدهما بمعزل عن الآخر، ولذا فإن الظن بأنه يمكن إصلاحه مع استمرار النظام يبدو جرياً وراء سراب، فهما لا يكونان إلا معاً ولا يرتفعان إلا معاً.
إن منطقه الداخلي الذي جعله مكتفياً بذاته تنظمه ميكانيزماته الخاصة، وقد أكسبته كلية تستعصي على الترميم، بلْه الإصلاح. إنه علَّة وجود الطبقة السياسية الحاكمة، كل اطراف التحالف الداخلة في شركة الدولة المالكة التضامنية التي أنجزت خصخصة الدولة بوتائر متسارعة منذ نهاية الحرب في العام 1994.
إحدى الملامح المائزة للفساد في هذه البلاد أنه نشأ مع تسلم المؤسسة القبيلية العسكرية السلطة، التي ضمت إليها الطبقة التجارية فاكتملت هيئتها الاجتماعية، فأصبحا يصدران من منبع واحد. فهو ليس طارئاً طرأ في مسار صيرورة، بل مكوناً أساسياً من مكونات الدولة. لقد ولدا معاً، في سياق تطور مقلوب، كما هو الشأن في المجتمعات التي تغلب عليها خصائص ما قبل الرأسمالية والحداثة، فالسلطة تجلب المال، وليس المال هو الطريق إلى السلطة. ويزيد من خطورة هذه الخصائص أن المجتمع اليمني لم يحقق اندماجاً وطنياً، بل هو فسيفساء وجزر متناثرة، ولذا فإن احتكار السلطة يعزز نفسه باحتكار الثروة، وهذا لا ينهك المجتمع وحده بل والدولة بما هي كيان جامع، ويحرمها من أهم مقومات الاستمرار والبقاء وأولها تمثيل الشعب كله. إن أزمة الوجود في بلاد الصومال -وما في حكمها- بدأت بالتنافس ثم بالاقتتال في ميدان احتكار السلطة والثروة. فالفساد يقوض، لا الاخلاقيات الضرورية للاقتصاد السليم، بل وتلك اللازمة لبناء الاوطان.
إن محاربة الفساد -إذاً- تتطلب إعادة النظر في البنيان كله، والمبتدأ والخبر فيها سياسيان بامتياز.

3 – من المصالحة الوطنية حتى تقرير المصير
في ذكرى الاستقلال يجلس الجنوبيون على أطلال وطن. وما أصعب أن ترى وطنك يُحتضر، وأن تدرك وتشعر يومياً أنك تنحط إلى ما دون المواطنة. فبعد أن ضاعت -مع الاستقلال- المكاسب السياسية والقانونية والنقابية التي ناضل الناس من أجلها منذ ثلاثينات القرن الماضي، عندما أطاح بها الحزب الواحد كلها بضربة واحدة، مشاركاً في سياق الحمى التي اجتاحت حركة التحرر الوطني العربية، إلا أن الوطن كان حقيقة في المشاعر والأذهان والأعيان، بل وبدأت في التبلور وطنية جنوبية ذات قسمات عصرية. وجاءت الفورية الاندماجية قفزة في المجهول، فثلمت هنا وهناك، ما كان حديثاً وعصرياً، وجرى شطب حصيلة تحديث دام نحو ستين عاماً. وبعد الحرب تم إلحاق كل جهات الوطن المنشود بالمؤسسة العسكرية القبيلية التجارية في الشمال، فاكتملت دائرة الفقد. والوحدة، التي قيل إنها الحل الأمثل لكل المشاكل، أصبحت بؤرة المشاكل كافة.
أصبح الجنوب، أكثر من أية جهة أخرى في البلاد، منطقة الجباية المثلى، بالتقسيم العسكري- الاداري للبلاد، لإحكام القبضة ليس على اقتصاد النفط بل وجميع مصادر الثروة: الزراعة، والتجارة، وصيد البحر، والخدمات لا سيما المرتبطة بالريع النفطي. أما الارض -الاراضي، فالاستيلاء عليها هواية يومية يمارسها أصحاب الامتيازات. ومن ملامح ضياع الاستقلال غير مرة، أن ما استولى عليه الحكام الجدد هو ما جمعه الجنوبيون في ظل الحكم السابق، فكان الاستيلاء على القطاع العام نهباً لمدخراتهم التي تكونت بتضحيات جسام وآلام ومشاق يومية.
إن البيان الذي نشرته «الايام» قبل شهرين، ووقع عليه 282 شخصية عامة من عدة محافظات جنوبية، يورد أرقاماً قديمة وجديدة، وتتجدد يومياً مع استمرار سياسة الاستيلاء على الثروة الجاهزة:
< 20000 جندي وضابط سرحوا بعد الحرب.
< 200000 شخص فُرضت عليهم البطالة.
< 42000 قطعة أرض نُهبت في محافظتي لحج وعدن.
وهذه الارقام الاخيرة لا تشمل حضرموت، حيث النهب بالكيلومترات في سلسلة يتوسطها جبل الشيخ.
وسرد البيان قبل ذلك أسماء الذين قُتلوا في عدن منذ نهاية الحرب، سواءً أتم ذلك في زنزانات التعذيب أم في المظاهرات. فالفوضى التي يُحكم بها الجنوب، نظام. إنه فوضى منظمة هي وسيلة الإدارة التي اختارها النظام، وهي تزاوج بين المصلحة والعجز في صيغة فريدة. فكل مسلح -عسكرياً كان أم مدنياً- حاكم بأمره، يقتل، يسطو، وينهب، ويلجأ إلى معسكره أو إلى حاميه العسكري أو المدني أو الأمني.
إن التراتب وعلاقات: «السادة/ العبيد، والقبيلي/ الرعوي، والفوقية/ الدونية، ضربت التعايش السلمي والوحدة الوطنية». وردت هذه الجملة في مقال قصير للاخ عبدالله ناجي بن شملان(النداء،23/11/2005) وتشي كلماته بأن هذه الثنائيات أصبحت سمات مجتمعية، أي تكلل الوجود الاجتماعي للجنوبيين كافة، ولذا فإن الجنوبيين والشماليين يتلاقون هناك كل يوم ولكنهم لا يتواصلون، والتواصل لُحْمة وسُدى كل علاقة سوية بين الافراد والجماعات، والحاكم والمحكوم. وعندما تتعذر هذه العلاقة المحورية يغيب الوطن، وحكما لا مكان للحديث عن المواطنة، بلْه المتساوية منها، وهي في الأساس لا تكون إلا متساوية، أو لا تكون.
أصبح التمييز الرسمي يصنع التفاوت الاجتماعي والقانوني في جميع المستويات. والنهب لب نمط إنتاج الفساد، وهو متوحد (متماهٍ) بمصدره الاساسي: القوة.
وردت في برنامج الاصلاح السياسي والوطني الذي اصدرته أحزاب اللقاء المشترك، فقرة تتحدث عن إزالة الآثار السلبية لحرب صيف العام 1994، وذلك في سياق «إزالة الآثار السلبية للصراعات والحروب والنزاعات السابقة ونتائجها، بما في ذلك آثار أحداث 1978». وأقل ما يقال عن نصيب حرب العام 1994 أن ما ورد في السياق عنها غير كافٍ، فهي تبدو حرباً بين الحروب، مع أنها هي التي أنتجت هذا الواقع السياسي والاقتصادي الجديد الذي ينقده البرنامج بالتفصيل. وبدون تشخيص وضعها المائز والخطير لا يمكن إلا أن يتأثر التشخيص وبرنامج الاصلاح في تصوراته وحلوله تأثراً سالباً، لأن الأزمة إنما هي أزمة وجود، ولذا فإن الاطلالة السريعة على هذه الحرب تبدو تقصيراً في حق النظر المتعمق، الذي عليه أن يسبر أغوار أزمة الوجود. وأخطر جوانبها في الجنوب أنها مقيمة في كل بيت حتى هذه اللحظة، وفي كل نفس، وتواصل تدمير حياة مئات الآلاف من أبنائه وبناته في الوطن المغترب وفي المهجر.
أما الحديث عن المصالحة الوطنية فإنه يجب أن يأخذ في الحسبان أن السلطة قد أعلنت نبأ وفاتها ودفنها، فبعد نحو عام من نهاية الحرب قال رئيس الجمهورية إن الحديث عنها خيانة وطنية، وفي الوقت نفسه تقريباً قال زعيم الاصلاح إنها قد تحققت بالعفو العام وأي قول غير هذا يجعل الرئيس مسؤولاً عن الحرب. و فاته أنه والرئيس يتقاسمان هذه المسؤولية. ومن علامات تشتت الوعي والعمل السياسيين أن أحداً لم يطالب حتى الآن بضرورة إجراء تحقيق في: من شن الحرب، وفي آثارها، وكل ما يترتب على ذلك كله.
أما بعد انتخابات العام 1997 فقد اعلن رئيس الجمهورية إقفال ملف الحرب، لأن تلك الانتخابات كانت ضرورية لإضفاء شرعية على نظام ما بعد الحرب، وهو نظام جديد. وبذلك تنكر لرسالة رسمية وجهها الراحل العطار إلى بطرس غالي في 7/7/1994 والتزم فيها باسم السلطة بالكثير، ومنه «… الالتزام بما جاء في وثيقة العهد والاتفاق كأساس لبدء الدولة اليمنية الحديثة»(انظر إن شئت: سعيد طالب مقبل، الأمة اليمنية والأمم المتحدة، مطابع الأهرام، القاهرة).
ثم جاء شعار «إصلاح مسار الوحدة» ليكون بديلاً للمصالحة، التي تشارك في المحال: الغول والعنقاء والخل الوفي. أما في حقل السياسة المتخم بالذهنية القبيلية فإنها تُذكِّر بقول فيلسوف غربي إن ألصق الصفات بالطبيعة البشرية هي نكث العهود.
ومن المؤسف حقاً أن السلطة ليست وحدها التي تنكر وجود قضية جنوبية، بل إن بعض أطراف المعارضة يشاركونها في هذا القول السياسي الماكر، الذي يرى أن الحديث عن أية خصوصية جنوبية، انفصالية. وهذه موافقة صريحة على الكلام الرسمي، وإنْ باسم ان الظلم في كل الجهات، وهو كلام متهافت. وحتى الادارة الامريكية فطنت غير مرة في تقريراتها السنوية عن حقوق الانسان فقالت إن السلطة تتهم الجنوبيين بالانفصالية، وهي تهمة تحجب المطالب الشعبية وترفض الاعتراف بالحقوق الدستورية لأبناء الجنوب. ويبدو أن الأحزاب لا تملك مجالاً للمناورة كالذي تملكه امريكا، حليف السلطة وحاميها وراعيها. ويبلغ تهافت مقولة عموم الظلم مداه عندما يُتهم الجنوبيون بأنهم متعصبون وجهويون، بل ويقول أحد الجهابذة إنهم شوفينيون، ولم استطع فهم مدلول الكلمة، رغم معرفتي بجذرها الاشتقاقي في لغتها الأصلية. ويبدو احياناً أنه لكي يصبح الظلم الفاقع الذي يفقأ العيون في الجنوب حقيقة، لابد أن يحدث في كل لحظة وآن ما هو معادل له في جميع ربوع الوطن الحبيب، وإلا كف الظلم في الجنوب عن أن يكون ظلماً.
إن سموم التسلط وحب الامتياز والسيطرة كثيراً ما تنتقل بالعدوى من الحاكم الفرد إلى الافراد المحكومين، وكثيراً ما يكون المضطهَد، جلاداً بالامكان، يتحقق بالفعل بعد أن كان كامناً بالقوة. إن المهمة هي ان نتحرر لنحرر الذات والآخر، وذلك ممكن بأن «نطرد العبد من نفوسنا قطرة قطرة»(تشيخوف).
يبدو أن الأحزاب إما أنها لا تريد أن تستوعب درس الحرب وإما أنها لا تدركها، وحسبها معالجة الاوضاع بالقطعة، أو ما تيسَّر؛ لأن الواقعية السياسية في إطار علاقات القوى القائم، كثيراً ما تعني التسليم أو الرضا بالواقع كله أو بالمكونات الاساسية له، والاقتناع بحد أدنى من القناعة، التي لم توصف عبثاً بأنها كنز لا يفنى.
إن ولاية العهد إحدى ثمار الحرب المرة، وقبْلها الدستور الجديد. ومن هنا فإن النظر إلى مستقبل النظام والوحدة والوطن لابد أن يتم باعتبار القضية الجنوبية رافعة التطور والتحديث والتقدم. إنها من القضايا الخطيرة التي يجب النظر إليها من أفق المستقبل، وهذا يمارسه فكرياً العقل السياسي الذي يريد امتلاك وعي مطابق إلى حد كبير للمشكلات القائمة في الواقع.
إن الأرقام السابقة ليست إلا جزءاً من واقع الجنوب، لأن الواقع الذهني والنفسي يبدو مثقلاً بأعباء ذهنية ونفسية، تتعلق باحترام النفس/ الذات، والتمسك بالكرامة وهي مثل الحرية لا تُجزأ ولا تقبل التقسيط. وقد يتصالح او يتجاوز الانسان- الفرد، فعل نهب، ولكنه لا يتصالح البتة مع فعل إهانة، لأن المال والعقار في نهاية المطاف جزء من مبدأ الكرامة الذي يكونه الانسان عن نفسه ولنفسه، ولا قيمة لهما إلا بها ومعها، فهما إذاً أكبر من أن يكونا متعة دنوية مادية فقط، لأنهما يتبعان الكرامة، وهذه مصدر الحقوق والواجبات في ميثاق حقوق الانسان، وفي كثير من الدساتير الاوروبية.
في ظل العبودية التي تتحقق كل يوم وكأنها تجسيد أمثل لشعارات الوحدة المعيارية, يتخلص الجنوبيون من الاساطير وتضليل الكلمات الكبيرة: الوحدة، والوطن، والمعجزة التي تمت في عصر الشتات العربي.. لأن هذه الكلمات كلها تتحدث عن عوالم أخرى، فهذا الوطن القائم ليس إلا مكان بؤسهم، والوحدة التي تحتاج إلى كل هذا القدر من الظلم والطغيان لا يمكن في نظرهم إلا أن تكون أكذوبة مسلحة، وذلك بعد أن فشلوا في إتمام إحدى العمليتين التي يقول علم النفس إنها تنقذ الفرد من المرض النفسي، فهو إما أن يتكيف مع الواقع وإما أن يكيف الواقع لحاجاته؛ وهذا غير قابل للاستمرار ولا مستقبل له.
إن عجز الدولة التسلطية، وهي غير الدولة الشمولية التي يرد ذكرها في الصحافة، عن انتاج الحكم الرشيد او الصالح، يجعل تراكم المشاكل، المرحَّلة من فترة إلى أخرى، وعداً بانفجار قادم. وحتى عندما يكون الحكم مستقراً بمعنى من المعاني كما هي حال مصر، فإن ألغام الأعماق تظل باقية. فالاقباط في مصر (قبطي = مصري) يطالبون منذ العام 1897 بالمواطنة المتساوية، ومنها حرية ترميم وبناء الكنائس التي قيدها الخط الهامايوني. وقبل ايام صدر في مصر قانون يوكل أمر البت في ترميم الكنائس وبنائها إلى المحافظين. وهذا لا يحل المشكلة بل ينقلها من الوزارة والرئاسة إلى المحافظين. فإذا استمرت السلطة في التعامل مع قضية الجنوب على الشاكلة القائمة منذ 7/7/1994، في هذا الحقل السياسي الشديد الاعوجاج، فقد يسمح بعطلة رسمية في ذكرى الاسراء والمعراج في القرن القادم. إن رمزية العطلات الرسمية تتصل رأساً بالكرامة الوطنية، لأن هذا حق انتزعه العمال من الإدارة الاستعمارية في عدن، مع غيره من الحقوق. قال أحد شيوخ التكفير قبل أشهر في لقاء جمعه مع الرئيس، إنه إذا استمرت الأحوال السائدة في الجنوب وأُجري استفتاء فيه فإنهم سيرفضون الوحدة. وهذه كلمة حق أريد بها باطل، من احد الذين صنعوا الواقع في الجنوب، بالتكفير والحرب وإهانة كل ما يعتبره الجنوبيون من سنتهم في الشعائر الدينية في المنزل والمقبرة وفي الموالد، وكلها شكلت وكونت ثقافتهم الأساسية والفرعية.
إنه بلا شك سمع عن شعار تقرير المصير الذي ارتفع قبل نحو ستة اعوام في شيفلد، ثم في منشورات وزعت، ثم ورد ذكره في كتابات صحفية قليلة في العام الماضي، واليوم يرفعه بعض المعارضين في الخارج.
من الواضح أن مسار تبلور الوطنية الجنوبية الذي بدا كما لو أن الوحدة أزاحته وأعادته عقابيل الفورية الاندماجية، ثم الحرب العدوانية التي تمت تحت قصف معنوي وديني شديد من قبل حزبيْ الحرب، إلى عقل ووجدان الجنوبيين. وإذا كانت العقوبة تولد الذاكرة كما قال نيتشه، فإن الظلم ولا سيما في صورته البدائية يصنع الوطنية. إن «إمبريالية المقولات»، مثل: الثورة اليمنية سبتمبر واكتوبر، وواحدية الثورة والوحدة بما هي إعادة تحقيق لوحدة غابرة في بلاد شهدت انقطاعات وعزلات دامت بين الجنوب والشمال نحو ثلاثمائة عام، وتشكلت بفعلها كيانات ووعي مطابق لها وثقافة واسلوب ادارة متميز في كل من الجنوب والشمال، وهو ما لم تأخذه الفورية الارتجالية، التي جاءت على شاكلة ارتجال الشعر الحميني والفصيح، في الحسبان. إن مما لا يلتفت إليه أحد أن ما يسمى بتاريخ الدويلات (وهي دول) المستقلة في تاريخنا بعد الاسلام استمر نحو 870 (عاماً) من مسافة زمنية قدرها عشرة قرون ونيف. ولذا على كل وحدة وطنية أن تكون مولوداً جديداً، لا عودة موهومة إلى أصل قديم قار؛ لأن الاختلاف هو الأصل، والوحدة ليست نقطة انطلاق ولا أصلاً بل نتيجة ومآل يصنعه الناس باراداتهم، وقد كان نصيبهم في صنعها عندنا هزيلاً، لان النظامين التسلطيين ما كانا ليسمحا إلا بحق التأييد لا المشاركة. كما ان القبيلة ليست اصل التاريخ بل إحدى نتائجه.
إن شعار حق تقرير المصير تجاوز كل الشعارات التي في سوق السياسة بما في ذلك الفيدرالية، التي كتبتُ في العام الماضي داعياً إليها علَّها تكون منقذاً(إنظر ان شئت: صحيفة «الايام» العدنية)، وقبل ذلك في نهاية العام 1993 ومطلع العام 94(الأيام).
قال ارنست رينان في كتابه عن القومية: «الأمة استفتاء يومي». وكان ولا يزال محقاً داخل التصور الديمقراطي للسياسة المدنية التي تجاوزت تاريخ الوحدات العسكرية او التجمعات القديمة تحت لواء الأقوام والأديان والامبراطوريات. فميلاد الفرد -وسيلة للسياسة وهدفاً لها- جعل الحرية مناط جميع التكاليف السياسية والاجتماعية والثقافية. وما لم يحل من مشاكل الوحدات الاسبانية والايطالية والكندية -تمثيلاً لا حصراً- يطرح نفسه في ما سماه جرامشي وغيره في ايطاليا:الميزوجورنو، أي مشكلة الجنوب الايطالي، وما ينادي به اليوم حزب رابطة الشمال الداعي إلى استقلال الشمال الغني المتطور، ومشكلة كيبيك في كندا، التي أُجري غير استفتاء من أجل حلها، وقضية الباسك في اسبانيا. بل من المعروف أن الاندلس كان فيه من ينادي بالاستقلال، وكانت جدران شوارعه مملوءة بشعار «الاستقلال للاندلس»، وجاء حكم الحزب الاشتراكي الرشيد بقيادة الاندلسي جونثالث فسوى كل المشكلات، ومن يزُر الأندلس ولو زيارة عابرة يمكن أن يلمس نزعة الاستقلال الأندلسية القوية. وحتى قضية الباسك القديم المعقدة يجري حلها، وهم على خلاف أهل الاندلس، ليسوا اسباناً من حيث الانتماء القومي، ورغم ذلك يحاول رئيس الوزراء الاشتراكي ثاباتيرو حلها وتم الاتفاق على وقف إطلاق النار للشروع في مفاوضات بين الحكومة وحركة إيتا الباسكية.
الديمقراطية في ابسط وأعمق تعريف لها هي حكم الناس برضاهم (لاسكي). وهذه ديمقراطية الديمقراطيين، إذ لا يمكن تصور ديمقراطية بدون ديمقراطيين، ولا اشتراكية بدون اشتراكيين، ولذا فإن «الحرية الحقيقية تحتمل إبداء كل رأي ونشر أي فكر وترويج كل مذهب»(قاسم أمين)، فالتحريم والحظر والتخوين لا ينجح في وأد أية فكرة، بلْه مقارعتها بالحجة والبينة. ولذا يبدو أن هجرة كل من يرى أن حق تقرير المصير شعار يجب رفعه لحل القضية الجنوبية، يؤكد أن سلوك السلطة يناقض كل الحقوق التي ينص عليها الدستور، بل إن حظر الشعار وتخوين من يقول به، يكسبه جاذبية فكرية ونفسية. ومما لا شك فيه أن الحظر لن يفلح في طرده من مجال التداول الفكري والسياسي، بل إن تفاقم التردي الذي تعيشه البلاد كلها يجعله المخرج الوحيد من أزمة الوجود. وكثيراً ما تأتي التطورات المحلية والاقليمية والدولية بظروف وملابسات غير متوقعة حتى في الخيال. ولذا فإن استباق كل إمكان هو جعل الحرية -والحرية وحدها- حلاً ومخرجاً من جميع الأزمات. ومناقشة الناس لقضايا مصيرهم علانية هي السبيل الأمثل للاتفاق على إمتلاك مصيرهم ووحدتهم.
القوة لا تصنع حقاً ولا حقيقة، بينما يمكن أن يصنع الحق قوة وحقيقة، ولذا فإن كتاب التغيرات الصيني القديم الذي كُتب قبل نحو 26 قرناً. يقرر حقيقة جدلية سبقت جدل هيراقليطس اليوناني ومن جاء بعده بقرون مثل هيجل وماركس: «كل كيان مقهور من شأنه النهوض من جديد، وكل قوة تنعم بالازدهار تحمل في جوانبها بذور فنائها». وقديماً قال الرواقيون إن من يعرف الحقيقة تقوده ومن ينكرها تجره وراءها.

4 – البرلماني والرئاسي
تزايد نقد الديمقراطية الرئاسية في الغرب وأمريكا في السنوات الأخيرة، وذلك لتحقيق الحد الأمثل من النهج الديمقراطي. ولكن ذلك لا يعني أن النظام الرئاسي غير ديمقراطي، لا سيما في امريكا الشمالية، حيث الفصل بين السلطات، أي استقلالها وتكاملها، وتنظيم لانتخابات مجلسيْ الكونجرس، يخلق توازناً ورقابة. أما ما يجب أن ينص عليه النقاش عندنا فهو استكمال نصاب السياسة والنظام الديمقراطيين أولاً قبل أي حديث عن النظام البرلماني والرئاسي، فما لدينا يشبه الحال المصرية، التي احتار الباحث المصري احمد عبدالحفيظ في توصيفها، فنحت عبارة «نظام حكومة الرئيس» ذلك لأن نصيب الرئيس من الصلاحيات (35 ٪) تصل إلى 60 ٪ من الصلاحيات التي يقررها الدستور لكل اجهزة الدولة. وما لا يلتفت إليه إلا لماماً في حال مصر وحالنا هو أن الجمع بين رئاسة الدولة وقيادة الجيش يقوض اول مبدأ ديمقراطي، ألا وهو قيام النظام السياسي كله على مبدأ الحق والانتخاب(1)، كما يجعل الحديث عن الفصل بين السلطات مزحة سمجة. فبداية البدايات هي حظر الجمع بين الرئاستين، وبعد ذلك يمكن مناقشة وموازنة مزايا كل من النظام الرئاسي والبرلماني. إن مدنية السياسة مكون اساسي من عقلانيتها، فالسياسة المدنية هي الصفة المائزة لمجتمعات الحداثة، بينما القوة الحربية والعسكرية كانت ولا تزال سمة ملازمة لكل انظمة الاستبداد. وطبعتنا اليمنية تجمع بين مؤسستين غير ديمقراطيتين بالتعريف: المؤسسة القبيلية والجيش، ويشكلان في واقعنا جسماً واحداً يجثم على البلاد والناس ويسد أفق التحديث والتطور، بدءاً بجعل الدولة الحديثة غير ممكنة. ولو كان ذلك ممكناً ولو في حده الأدنى لما استطاع رئيس الجمهورية إخلاف الوعود ونكث العهود، بل ووصف وثيقة وقع عليها بأنها وثيقة «المجنانة»(2)، كما حدث بعد إلغاء وثيقة العهد والاتفاق قبل نهاية الحرب، على لسان وزير خارجية النظام. كما أن الكوميديا/ المأساة التي بدأت منذ خطبة عدم الترشح، وما تلاها من التباسات وملابسات، ما كان لها أن تدور على مسرح السياسة اليمنية لو لم يكن قائداً أعلى للقوات المسلحة، يحاول حشر المواطنين وتخويفهم: أنا أو الطوفان. يخوفهم بالموت ليرضوا بالحمى. مع أنه لا يملك أصلاً حق ترشيح نفسه، لو ناقشنا الامر من وجهة نظر قانونية دستورية صارمة، رغم ضراوة وبدائية التعديلات الدستورية، التي جاءت بعد الانقلاب الأول على الدستور بعد 7/7/1994. لقد أجرت امريكا بضع تعديلات على امتداد نحو قرنين، بينما يلهو الرئيس عندنا بتعديل الدستور كلما بدا له هذا نافعاً.
إن المشكلة الكبرى إنما هي: لا ديمقراطية النظام القائم، وليست في برلمانيته أو رئاسيته. وفي هذا الحال يكون الحديث عن جعل الجيش تابعاً لهيئة مدنية في سياق فرعي، تجنباً لقضية محورية يجب البدء بها، لأن البدء بغيرها بمثابة بناء البيت من السقف. وليس مقنعاً هنا الحديث عن التدرج، لأن هذا ممكن ومطلوب عندما تكون المقومات الاساسية لنظام ديمقراطي قائمة، والديمقراطية عملية طويلة ومستمرة يجري تحسينها وتطويرها، بعد أن تبدأ، إلا إذا وافقنا على قول المنافقين من امريكا واوروبا، الذين يستجيب النظام القائم لمصالحهم: يكفيكم هذا القدر من «السماح الديمقراطي»، فهم فضلاً عن أنهم ينطلقون من حساب دقيق لمصالحهم النفطية في المنطقة العربية ومن الاستراتيجية الدولية للأطلسي، إلا أنهم يرون أن العرب مخيرون بين فاشية صدام أو امبرياليتهم. ونحن نرفض الاثنين. وحتى الخدمة الشفهية التي يقدمونها للمطالبين بالديمقراطية في البلدان العربية توظف في أمكنة وأزمنة مختارة.
إعلان برنامج عمل سياسي مفصل، وشرحه ومناقشته، بداية جيدة لأي عمل سياسي يروم الاستمرار. ولكن ربما كان مفيداً ايضاً تلخيصه في قضايا محورية في صفحة واحدة. والأهم من هذا وذاك طرح مطلب واحد وشرحه للجمهور. وأرى أن هذا المطلب الذي تحتمه خصائص ومكونات الحقل السياسي في بلادنا هو الحظر الدستوري على الجمع بين رئاسة الدولة وقيادة الجيش. ويقال إن من يحفر في نقطة واحدة يصل إلى الماء، ومن يحفر في نقاط عدة لا يصل إليه.

30/11/2005

 

> هوامش:
(1) يفصل ألكسيس دي توكفيل في كتابه المشهور «الديمقراطية في امريكا» (1830) أوجه الاختلاف بين تاريخ الديمقراطية فيها وفي اوروبا، فالمسار في امريكا من المجتمع المحلي باتجاه الولاية فالكونفدرالية، وقد توطدت المجتمعات المحلية في نيوانجلند قبل الولاية، وفي الولاية قبل الكونفدرالية، منذ العام 1650 إذ طبقت قوانين المتروبول (الحاضرة البريطانية) على الولايات المتحدة على نيوانجلند وحدها، فهي مكان تجمع انجلوساكسوني، على شرط أن لا يعارضوا المتروبول. والديمقراطية بدأت من القاعدة باتجاه القمة. بينما تهبط الديمقراطية في الأنموذج الأوروبي من القمة إلى القاعدة. فكان يتم اختيار السلطة التنفيذية في نيوانجلند: أي الإدارة، بدءاً بالمحافظ، وميليشيات الدفاع الوطني..و كان هذا بداية السماح بحمل السلاح في امريكا لكل من بلغ العام السادس عشر من عمره للدفاع عن الوطن، وكانت حرية الرأي والتعبير عنه وحرية التجمع مصانة، وكانت هذه الولاية تتمتع بحقوق لم تنلها دول اوروبية كبيرة إلا بعد سنوات في القرن السابع عشر.
(2) هذا الوصف الذي كررته الصحافة الرسمية إلى درجة الإملال تعبير أمين وصادق عن الموقف من كل ما جاء في الوثيقة: الحكم المحلي، وأسس بناء الدولة الحديثة، ونظام المجلس الرئاسي، وإعادة تنظيم وبناء القوات المسلحة.. وهذه مهام لا تزال تنتظر الإنجاز للشروع في بناء دولة ديمقراطية وحديثة بدءاً من القاعدة، وإلا فلن نصل لا إلى الديمقراطية ولا إلى الدولة الحديثة، التي طال البحث عنها. ولنتذكر أن اللامركزية وردت لأول مرة في كراس «مطالب الشعب» الذي نشره النعمان والزبيري (1956)، وليس غريباً أن تبقى بعض مطالب الأحرار الدستوريين الجوهرية في جدول أعمال السياسة بعد قيام «الجمهورية» وحتى هذا العام 2006م.
لذا وصف طارق حجي السياسي المصري، رئيس وزراء بأنه مساعد سواق، وقال إن كثيراً من الوزراء لا يصلحون لإدارة محل لبيع الفول والطعمية. ولا أظنه مبالغاً. ولكن الاطرف والاظرف وصفه لانتخابات رئاسية يخوضها جمال مبارك مع منافسين بأنها فيلم هندي(الدستور، القاهرة، 1/3/2006).فهل يسمع من تحمس في صحيفة «الشورى» لانتخابات مماثلة في اليمن السعيد بحكامه؟!