المذبحة الأكاديمية اليمنية

المذبحة الأكاديمية اليمنية

وجه الدكتور حسن علي مجلي -أستاذ القانون الجنائي في كلية الشريعة والقانون بجامعة صنعاء- خطاباً إلى رئيس الجامعة الأستاذ الدكتور خالد طميم، يطلب منه فيه رفض تنفيذ قرار وزارة الخدمة المدنية بإحالة عدد كبير من أساتذة الجامعات الرسمية إلى التقاعد بحجة بلوغهم سن الستين من العمر.
وقد احتوى الخطاب على بيان مخالفة قرار وزارة الخدمة المدنية للدستور والقوانين النافذة، تجاوز وزارة الخدمة المدنية حدود ولايتها القانونية ومجال اختصاصها، وخطئها الفاحش في فهم قانون استراتيجية الأجور وتطبيقه.
كما ورد في الخطاب أن قرار الخدمة المدنية يشكل انتهاكاً خطيراً لاستقلال الجامعات، مع تفصيل وجوه هذا الانتهاك وآثاره.
وفي مضمار المسوغات الوطنية والأخلاقية التي توجب رفض قرار وزارة الخدمة المدنية أوضح الخطاب أن تنفيذ القرار المذكور يسيء إلى سمعة اليمن الخارجية حيث تم تفصيل أوجه الإساءة وأخيراً أوضح الدكتور مجلي أن تنفيذ القرار مؤداه إهدار الكفاءات الأكاديمية، وطالب رئيس الجامعة بعدم تنفيذ قرار وزارة الخدمة المدنية والتصدي له.
وفي مضمار مخالفة قرار وزارة الخدمة المدنية للقوانين أوضح الدكتور مجلي في خطابه ما يلي:
1- إن طلب وزارة الخدمة المدنية والتأمينات يتعارض صراحة مع القانون رقم (19) لسنة 1991م بشأن الخدمة المدنية حيث ورد في المادة (3) الفقرة (ب) منه ما يلي:
«…. ب- لا تسري أحكام هذا القانون على:
…. 3- أية كادرات تنظم أوضاعها وشروط خدمتها قوانين خاصة بها وتعتبر أحكام هذا القانون الأساس العام فيما لم يرد بشأنه نص في الكادرات المحددة في الفقرة (ب) من هذه المادة».
كذلك قانون التأمينات والمعاشات رقم (25) لسنة 1991م وتعديلاته وخاصة المادة (4) منه وتنص على ما يلي: «لا يسري هذا القانون على»:
…. 3- أي فئة أخرى لها نظم تقاعد خاصة تتعارض مع أحكام هذا القانون».
وبالتالي فإن ما أورده المشرع في المادة (58) من قانون الجامعات، كذلك المادة (31) من قرار رئيس مجلس الوزراء رقم (238) لعام 1998م بشأن نظام وظائف وأجور ومرتبات أعضاء هيئة التدريس في الجامعات اليمنية وإنهاء خدماتهم… الخ، يتوافق ولا يتعارض مع ما نصت عليه قوانين الخدمة المدنية القديمة والحديثة وقانون المعاشات والتأمينات, لا سيما أن «قانون الجامعات» هو قانون خاص وأية استثناءات وتحديدات ترد فيه تعد تخصيصاً ينبغي التقيد به. تأسيساً على القاعدة القانونية الملزمة بهذا الصدد وهي أن «الخاص يقيد العام ويقدم عليه».
2- أ – تنص المادة (39) من القانون رقم (43) لسنة 2005م بشأن نظام الوظائف والأجور والمرتبات على الآتي: «تلغى كافة النصوص القانونية التي أوردت أحكاماً تخالف قانون التأمينات والمعاشات رقم (25) لسنة 1991م وتعديلاته… الخ».
ب- تنص المادة (4) من قانون التأمينات والمعاشات رقم (25) لسنة 1991م وتعديلاته على ما يلي:
«لا يسري هذا القانون على:
…. 3- أي فئة أخرى لها نظم تقاعد خاصة تتعارض مع أحكام هذا القانون.
وتدخل «جامعة صنعاء وكافة الجامعات اليمنية الرسمية» ضمن هذه المادة كون نظام التقاعد فيها ينظمه «قانون الجامعات اليمنية رقم (18) لسنة 1995م وتعديلاته» وقرار مجلس الوزراء رقم (238) لسنة 1998م الصادر طبقاً للمادة (58) من القانون رقم (18) لعام 1995م، والذي حدد سن التقاعد لعضو هيئة التدريس ب (65) عاماً يمكن تمديدها إلى (75) عاماً وفق إجراءات محددة وردت في المادة (31) من القرار المذكور. ويترتب على ذلك عدم جواز إحالة أي عضو في هيئة التدريس بالجامعات إلا ببلوغه سن (65) عاماً من عمره دون الاعتداد بالمدة التي قضاها الأستاذ الجامعي في الخدمة، لأن قانون الجامعة وقرار رئيس الوزراء الصادر بناءً عليه والذي يعتبر امتداداً قانونياً له جعل المعيار الوحيد في إحالة (الدكاترة) أساتذة الجامعات إلى المعاش هو العمر أي بلوغ سن الخامسة والستين عاماً وليس مدة الخدمة الفعلية في الجامعة بخلاف ما هو مقرر بالنسبة للموظفين في جهاز الحكومة الإداري.
إن المتأمل في مواد القانون رقم (43) لسنة 2005م بشأن نظام الوظائف والأجور والمرتبات يجد أن المادة (7) منه قد حددت الجهات ذات الوضع الخاص والتي تنظم أوضاعها قوانين خاصة بها ومنها الجامعات اليمنية الرسمية.
وهذا تعبير عن ضرورة استقلال الجامعات الإداري والمالي وعدم خضوعها لوزارة الخدمة المدنية فيما يخص كافة شؤونها الأكاديمية والإدارية وفي مقدمتها المسائل المتعلقة بوظائف أعضاء هيئة التدريس ويشمل ذلك إحالتهم إلى التقاعد.
وهذا يتفق مع ما أورده قانون الجامعات اليمنية) رقم (18) لسنة 1995م وتعديلاته خصوصاً المادة (7) مكرر حيث تنص على ما يلي:
«يختص المجلس الأعلى للجامعات بالمسائل الآتية:
…. و – اقتراح كادر أعضاء هيئة التدريس وأية تعديلات متعلقة بالكادر ورفعها إلى مجلس الوزراء… الخ».
كما أن المادة (11) منه تنص على ما يلي: »يختص مجلس الجامعة بما يلي:
…. 3- دعم استقلال الجامعة واتخاذ جميع الوسائل المؤدية إلى رفع شأنها وتمكينها من أداء رسالتها وتحقيق أهدافها على الوجه الأكمل.
…. 6- إقرار تعيين أعضاء هيئة التدريس في الجامعة والمعاهد والمراكز التابعة لها وتحديد حقوقهم وواجباتهم وتثبيتهم وانتدابهم وإعارتهم براتب أو بغير راتب ونقلهم ومنحهم إجازات التفرغ العلمي وقبول استقالاتهم وإنهاء خدماتهم وفقاً للائحة التنفيذية لهذا القانون… الخ».
ثانياً – مخالفة المادة (58) من قانون الجامعات
1- إن طلب (وزارة الخدمة المدنية والتأمينات) إحالة عضو هيئة التدريس الذي قضى مدة (35) عاماً في الخدمة الحكومية أو لبلوغه سن الستين من العمر يتعارض صراحة مع كافة النصوص القانونية الوارد في قانون الجامعات اليمنية رقم (18) لسنة 1995م وتعديلاته وخاصة المواد (58، 7، 11/6) منه حيث تنص المادة (58) على ما يلي:
«يكون لأعضاء هيئة التدريس ومساعديهم في الجامعات الخاضعة لأحكام هذا القانون نظام خاص بالوظائف والأجور مع مراعاة منحهم البدلات المناسبة لطبيعة الأعمال الأكاديمية التي يقومون بها كما يجب أن يشتمل ذلك النظام على الأحكام المتصلة بالواجبات والمحظورات والتعيين والترفيع والنقل والندب والإعارة والرعاية والتعويضات وانتهاء الخدمة وغير ذلك من الأحكام المتصلة بالوظيفة ويصدر بذلك النظام قرار من رئيس الوزراء بعد موافقة مجلس الوزراء بناءً على عرض المجلس الأعلى, ويجوز أن تتضمن اللائحة التنفيذية لهذا القانون أحكام ذلك النظام».
2- يعتقد البعض، خطأً، أن القانون رقم (43) لعام 2005م بشأن استراتيجية الأجور والمرتبات قد ألغى (قانون الجامعات) رقم (18) لعام 1995م وتعديلاته فيما يخص مسألة الإحالة إلى التقاعد, وهذا فهم مغلوط. إذ الثابت هو أن القانون رقم (43) لعام 2005م بشأن استراتيجية الأجور والمرتبات قد أكد سريان قانون الجامعات في المادة (39) منه التي تنص على ما يلي:
«تلغى كافة النصوص القانونية التي أوردت أحكاماً تخالف قانون التأمينات والمعاشات رقم (25) لسنة 1991م وتعديلاته… الخ».
وبالعودة إلى القانون رقم (25) لعام 1991م بشأن التأمينات والمعاشات نجده ينص في المادة (4) منه على سريان قانون الجامعات فيما يخص إحالة أعضاء هيئات التدريس إلى المعاش إذ تنص المادة (4) منه على ما يلي:
«لا يسري هذا القانون على:
…. 3- أي فئة أخرى لها نظم تقاعد خاصة تتعارض مع أحكام هذا القانون.».
وبالتالي فإن النص الذي يسري على إحالة أعضاء هيئات التدريس في الجامعات إلى المعاش وفقاً للقانون رقم (43) لسنة 2005م بشأن استراتيجية الأجور والمرتبات هو نص المادة (31) من قرار رئيس مجلس الوزراء رقم (238) لسنة 1998م الصادر بناءً على المادة (58) من قانون الجامعات وهو القانون الخاص الذي أحال إليه (قانون التأمينات والمعاشات) مسألة تحديد معايير إحالة أعضاء هيئات التدريس ومساعديهم إلى المعاش في المادة (4) منه.
ثالثاً: التعارض مع قرار مجلس الوزراء:
1- يتعارض طلب الخدمة المدنية محل هذه المذكرة مع قرار مجلس الوزراء رقم (238) لسنة 1998م وخاصة المادة (31) منه() حيث تنص على ما يلي:
«يحال أعضاء هيئة التدريس إلى المعاش في الأحوال التالية:
1- بلوغ سن الخامسة والستين سنة ميلادية وفي هذه الحالة يجوز لمجلس الجامعة بناءً على اقتراح القسم وموافقة مجلس الكلية مد خدمة عضو هيئة التدريس بما لا يزيد عن خمسة سنوات ويجوز التعاقد مع من أحيل إلى التقاعد كأستاذ غير متفرغ لمدة خمس سنوات أخرى.
2- في حالة العجز الكلي أو المرض الذي لا يرجى شفاؤه أو الإصابة التي أقعدته أو الوفاة.».
وعليه فإن الفهم الصحيح لنص المادة (39) من القانون رقم (43) لسنة 2005م بشأن نظام الوظائف والأجور والمرتبات يوجب إعمال النصوص القانونية الواردة في القوانين الخاصة والتي تنظم أوضاع الفئات التي لا تخضع لقانون التأمينات ومنها أعضاء هيئة التدريس والذين تنظم أوضاعهم وفقاً للمادة (58) من قانون الجامعات بموجب قرار رئيس مجلس الوزراء رقم (238) لسنة 1998م الذي حدد سن التقاعد في المادة (31) منه ببلوغ الأستاذ الجامعي الخامسة والستين عاماً. وهذا الفهم هو ما يتفق مع المادة (39) من القانون رقم (43) لسنة 2005م بشأن نظام الوظائف والأجور والمرتبات والتي تنص على ما يلي:
«تلغى كافة النصوص التي أوردت أحكاماً تخالف قانون التأمينات والمعاشات رقم (25) لسنة 1991م وتعديلاته».
ومؤدى تطبيق النص القانوني السالف هو عدم انطباق أي نص آخر ورد بشأن الإحالة إلى المعاش على أعضاء هيئة التدريس عدا النص المحدد ذلك ببلوغ الأستاذ سن (65) عاماً لأن تطبيق أي نص آخر من شأنه تعطيل نص المادة (4) من قانون التأمينات والمعاشات وبالتالي مخالفة أحكامه وهو الأمر المنهي عنه بموجب المادة (39) من قانون نظام الوظائف والأجور على النحو المبين أعلاه.
2- إن استناد طلب وزارة الخدمة المدنية إلى بعض النصوص الواردة في القانون رقم (25) لعام 1991م بشأن إحالة الموظفين العاملين إلى المعاش بقضاء (35) سنة خدمة فعلية هو استناد مبني على مخالفة القانون رقم (43) لسنة 2005م بشأن قانون الوظائف والأجور، والقانون رقم (18) لسنة 1995م وتعديلاته خصوصاً المادة (7) والمادة (11) والمادة (58) وكافة القوانين النافذة ذات العلاقة بالقانون المذكور.
() يعتبر هذا القرار مكملاً لقانون الجامعات وله قوته حيث أنه صدر بناءً على المادة (58) من القانون المذكور، ولذلك فإنه يعد بمثابة القانون الذي صدر استناداً عليه.