فيلم «القلب الشجاع».. متُعة السينما على حساب التاريخ

فيلم «القلب الشجاع».. متُعة السينما على حساب التاريخ

* مروان كامل
من منا لم يشاهده ومن لا يعرف بطله.. وكم حدثت عنه أصدقاءك بعد مشاهدته حين عرضته قناة “mbc” أول مرة للمشاهد العربي قبل عدة سنوات.. كم هي المرات التي شاهدته من بداية عرضه إلى الآن كم وكم…
تحدثنا عنه وتأثرنا ببطله ووصفه الأفضل بين أفلام هوليوود.. قد لا ينتهي وصف تأثيره على المُشاهد، سأقص أحداثه رغم أنكم تعرفونها جيداً، ولكني سأسرد معها أيضاً ما قاله التاريخ الذي لم يكن ضمن سيناريو الفيلم.
سيناريو
“سير ويليام والاس” بطل الفيلم.. اسكتلندي الجنسية يتعرض أبوه وشقيقه للموت أمامه حين كان صغيراً من قبل الاحتلال البريطاني لاسكتلندا، لأنهم أرادوا التمرد على الملك الإنجليزي.. يبعث إلى عمه في مدينة أخرى، يتعلم حينها فنون الحرب وكلاسيكية الحب والفن.. يعود إلى مدينته الأصلية بعنفوان شاب تكسوه القوة وكمال العقل.. يلتقي صديقة طفولته “مارون”، يسقطان في الحب المنتهي بالزواج سراً.. خوفاً من الوقوع تحت طائلة القانون الإنجليزي الذي يقضي من خلاله وجوب دخول الشريف الإنجليزي عليها قبل أن تزف إلى عريسها.. يكتشف الإنجليز هذا الأمر، يأخذون مارون ويقتلونها أمام الملأ للعبرة والعظة.. يسارع “والاس” بالانتقام لحبيبته بقتل الشريف آنذاك، ملماً حوله من بعدها أنصاراً كثراً لمناصرته وتحرير اسكتلندا.
يخوض مع أنصاره معارك انتهت أولاها بالفوز وثانيتها بالهزيمة بعد غدر نخبة اسكتلندا من الأشراف له.. ينتقم من هذه النخبة.. ويعمل من أجل تحرير الحدود المحتلة.. يشعر ملك الإنجليز بخطره ويرسل إليه زوجة ابنه الحسناء للتفاوض معه.. بدوره “والاس” يوقعها في غرامه ويمارسان الحب المنتهي بحملها جنيناً اسكتلندياً.. يستعد مرة أخرى للعمل، يذهب إلى أشراف اسكتلندا الموالين للاحتلال من أجل كسب ودهم، ولكنه كسب الشر من ذلك، يتم الغدر به وتسليمه إلى لندن ومعاقبته بتهمة الخيانة العظمى.. يؤخذ والاس إلى ساحة لندن العمومية لتنفيذ الحكم.. يبدأ التنفيذ.. بتر بطنه وإخراج أحشائه، يعرض عليه القاضي التخفيف في العقوبة بالموت السريع مقابل طلبه السماح.. حينها يفكر قليلاً، ينتظر الجمهور ما سيقوله.. “الحررررررررية” يرددها بكامل صوته على أن يطلب السماح، ويسارع القاضي إلى ذبح رأسه خوفاً من تأثر الحاضرين به.

التاريخ يقول
يقول التاريخ بأن السير “ويليام والاس” هو شخصية اسكتلندية حقيقية عاشت في الفترة بين 1270 و1305، مناهضاً للظلم الحاصل لبلده، وعاملاً من أجل التحرير.. تختلف الآراء حول القصة الحقيقية لهذا البطل التي تقول في أغلبها إنها لم تعرف بداية حياته، وكان معروفاً أنه رجل همجي ووحشي يقوم بقتل الناس والظلم بهم ليس كما صورها الفيلم بأنه البطل الخالي من النقائض والشر. كما انتقد المؤرخون المعارك الاسكتلندية التي عرضها الفيلم، وقالوا عنها إنها لم تكن نفس الطريقة القتالية والخطة والمكان التي تمت فيها المعركة الأصلية، عوضاً عن ذلك أنه لم تكن هناك كل هذه المعارك أثناء التحرر الاسكتلندي.
التاريخ لم يذكر عن نشأته وطفولته وعن حبيبته و… و… الخ. لقد قالوا عنه الكثير والكثير لا تكفي لشرح التفاصيل كامل هذه الصفحة، والبعض أيضاً يقول إن قصة وسيرة السير “ويليام” تكون خالية من الصحة ولا تعتمد على دلائل تاريخية، والتي قد تكون معدومة أيضاً، وإنما الفيلم اعتمد على ملحمة شعرية مؤلفة في القرن الخامس عشر الميلادي، لشخص يدعى هاري الأعمى، وقد أجمع العلماء أن هذه الملحمة الشعرية لا تمت إلى الحقيقة بصلة، وإنما هي مستندة إلى ما تناقلته الأفواه عبر الأجيال تتابعاً.

عرض
بغض النظر عما قاله التاريخ وعما قاله أيضاً بطل الفيلم الممثل ميل جيبسون بأن “والاس الحقيقي كان وحشاً تنبعث منه رائحة الدخان لأنه كان دائما يحرق قرى الناس ويدمرها، لقد كان أقرب إلى ما يطلق عليه الفاكينغ، ولقد أضفنا في الفيلم أنه شخصية لطيفة وطيبة لأنه كان يجب أن يكون هناك بدلاً للصورة السيئة الحقيقية”.. بعيداً عن هذه الانتقادات وغيرها الكثير الكثير، إلا أن الفيلم استطاع أن يسحر مشاهديه ويكسب مشاعرهم بواسطة مشاهده التي تقطع القلب تارة.. وتبعث فيه العزيمة والقوة لمواجهة الظلم والشجاعة المطلقة لذلك تارة أخرى.. استطاع أن يحقق شيئاً من العزيمة لمواجهة الظلم أياً كان، بتصويره لبعض مشاهد محزنة ومأساوية تبعث من خلالها قوة عزيمة لمواجهة هذه المأساة.. وهذا ما نعرفه جيداً عن ميل جيبسون الذي يعتمد في جل أفلامه على استخدام أسلوب التشويق والتأثير العاطفي حتى وإن خالف التاريخ، وخصوصاً أنه المتحكم في الفيلم بالإخراج والإنتاج، وسنعرض دليلاً على هذا فيلم آخر لنفس الممثل الأسبوع القادم.
الفيلم يصنف الآن ضمن سينما التاريخ حتى وإن كان مبالغاً في أحداثه.. أيضاً وجه رسالة لن يعرفها البعض إلا حين يعرف حقيقة هذا البطل تاريخياً، وهي أن من يناضل ويحارب من أجل تحرير بلده وإبعاد الظلم عنها يكون بطلاً يستحق الإشادة والوقوف إلى جانبه حتى وإن كان تاريخه غير مشرف.
أخيراً الفيلم “brave heart” أو “القلب الشجاع” يقوم ببطولته وإنتاجه وعملية إخراجه الممثل الشهير ميل جيبسون، لسيناريو راندال والس. أنتج في 1995. وخلال نفس العام حصد 5 جوائز للأوسكار، وبإيرادات وصلت إلى 210.409.945$” بميزانية 53 مليون دولار.. يشارك ميل جيبسون البطولة باتريك ميكجوان، أنجوس ماكفدين، بريندان جينسون، وصوفي مارسو.
ما لا تعرفونه أنه بعد إنتاج الفيلم بسنتين، تحديدا العام 1997، تم نصب تمثال حجري للبطل “والاس” قرب ستيرلينغ؛ اسكتلندا، وعبارة “القلب الشجاع والاس”. وكانت هذه إحدى نتائج التأثر بالفيلم، وكأن الاسكتلنديين لا يعرفون حقيقة هذا البطل إلا من خلال الفيلم.