هجرة «أبو يمن».. وجزاء «سنمار»!! – حسن عبدالوارث

هجرة «أبو يمن».. وجزاء «سنمار»!! – حسن عبدالوارث

(اكتب هذه السطور على روح الصديق العزيز والحبيب الجميل، الدكتور احمد علي البشاري، الذي هاجر هجرته الأخيرة، واغترب غربته الأبدية!!)
كثيرٌ قرأ أو سمع حكاية “سنمار”..ذلك المهندس الذي أشاد قصر “الخورنق” العجيب لملك الحيرة “النعمان”.. وما لقيهُ من غدر بعد إتمامه بناء القصر.. حين ألقى به الملك من فوق قصره، فسقط جثة هامدة.. ومنذ ها، ذهب هذا الجزاء الغادر مثالاً سائراً –في كافة الأصقاع وعلى تعاقب الأجيال، في الثقافة العربية– لنكران الجميل!!
ورغم مُضي دهور مديدة على هذا الحادث، الاَّ أن الواقع المُعاش –اليوم وكل يوم– حافل بالعديد من الوقائع الشاهدة على نكران الجميل.. بل ان بعض هذه الشواهد صار فيها “سنمار” عدة آلاف، وربما عدة ملايين، وليس رجلاً واحداً فقط أو بضعة رجال!!
من الشواهد على هذا المشهد: تلكم الصورة التي يرى فيها المرء آلافاً من العمال والفنيين والحرفيين والموظفين والمبدعين الخُلصاء يُشيدون أروع آيات الخلق والإبداع في ارض، للأسف،ليست أرضهم.. وبين ليلة وضُحاها يجدون أنفسهم مطرودين عن هذه الأرض.. وللأسف‘ لأنهم لم يستوعبوا المثل الدارج القديم الجديد: “لا تَبْنِ في غير أرضكـ” والتي أضاف إليها البعض فيما بعد تكملة: “ولاتُرَبٍ غير ولدكـ”!!
منذ أن تهدَّم سدّ مأرب –بفعل فارة صغيرة، أو شبكة تخريب، لا فرق!– عرف التاريخ اليمني لأول مرة مفردات الهجرة” و”الغربة”و “الاغترابـ”.. ودخلت القاموس السايكلوجي للإنسان اليمني، من أوسع صفحاته، شاعر “الحنين إلى الوطن”!
فالهجرة، إذن، دَيْدَنَ الإنسان في اليمن منذ القِدَم.. منذ أن “تفرَّقت أيدي سبأ”.. وَلم تزل تتفرَّق، وتهيم على وجهها في الأرض الممتدة ألماً بلا حدود وحلماً بلا سدود!
وحين يهاجر”أبو يمن” –عكس غيره من أبناء المعمورة- فانه يهاجر عن واعز بالغ الشدة أو سبب فادح الإكراه.. فلا ينتزعه من داره وأهله وربوع وطنه، ويلقيه أدراج رياح الهجرة في فيافي الاغتراب، سوى ضيم شديد القسوة أو فاقة صعبة الاحتمال أو معضلة فادحة المصاب.
ومنذ اللحظة التي عرف فيها “أبو يمن” بوابة الهجرة ودرب الاغتراب، عرف أكثر المشاعر إيلاماً وابلغ الأحاسيس حرقة واشد الهواجس مرارة.
ولم تكن مقولة “الغُربة كُربة” هي أقصى درب تجواله الشاق وتر حاله الشائك.. من شرق أفريقيا إلى جنوب شرق آسيا، ومن أمصار أوروبا إلى أصقاع أمريكا.. ومن رمال شبه الجزيرة إلى شواطئ خليج اللؤلؤ والنفط!
فأحياناً، تكون الغربة أكثر مرارة والاغتراب اشد وطأة داخل الوطن من خارجه.. وأحياناً تكون المرارة علقماً والحرقة ميسماً حين يلقى المغترب اليمني جزاء “سنمار” بطرده من البلد التي زرع الأشجار في أراضيها الجرداء وشيًّد القصور في صحرائها والبيداء!
إن كل من يلقى مغتربا ً يمنيا في المهجر، يلقى تاريخاً تليداً من الحزن والشموخ معاً، وملاحم من الشقاء والكد ونزيف الروح والجسد.
“وارحمتاه للغريب في البلد النازح..
ماذا بنفسه صنَعا؟!
فارق أحبابه، فما انتفعوا
بالعيش بعده.. ولا انتفعا”!
وما زلت اذكر قول الفيلسوف اليوناني القديم: “إن أفدح مآسي الحياة أن يموت شيء داخل الإنسان وهو ما زال حياً”!!
فهل أسوأ من موت الروح في جسد حي لا يهدأ له عضد ولا يصدأ له عصب؟!
هذا هو حال المغترب اليمني!!
هذا الذي أضحى يحمل على كتفيه حقيقة ساطعة، ناضحة بالمرارة، تقول: “الحياة الصعبة لا تسهل بالعملة “الصعبة”!
غير أن “بعض الشر أهون من بعض” لدى المهاجر المضطر إلى هجرته، بعد أن ضاقت عليه سبل العيش في وطنه أو أسباب التعايش مع زمنه!
وفي إحدى قصصه –على لسان أحد أبطاله– أشار الأديب الشهيد محمد عبد الولي إلى أن “الوطن هو ذلك الذي تستطيع أن تُغيِّر فيه، أن تستنبت فيه أشجاراً جديدة، أن تمنحه ويمنحك الحبـ”.
أي أن الوطن علاقة حب، لذا “نحن، اليمنيين، مكتوب علينا أن نهاجر.. بلادنا ليست لنا”!
ويكاد اليمني أن يكون كائناً مهاجراً من صرخة الوضع إلى لفظة النزع!
ولم يعد في الإمكان غير اتباع قول إمامنا الأكبر وشاعرنا الأقدر “الشافعي” رضي الله عنه:
“تَغرًّبْ عن الأوطانِ في طَلَبِ العُلى
وسافرْ، ففيِ الأسفارِ خمسُ فوائِد
تفَاريجُ هَمٍ..
واكتسابُ معيشةٍ..
وعلمٌ.. وآدابٌ.. وصحبةُ ماجدِ”ٍ
[email protected]