عن وفاة الفنان حسين بن سعيِّد الكاف

عن وفاة الفنان حسين بن سعيِّد الكاف

هشام علي السقاف
jنتكس اليوم نحو الأرض التي أنبتته، غصنٌ عتيق، من أغصان شجرة الفن والدان الحضرمي الأصيل، بعد أن عاش شامخا، سامقا، مورقا، وارف الظلال، مزهرا زهاء قرن من الزمان، يستظل به الناس وتنتعش باخضراره وطراوته أرواحهم وتصفو نفوسهم وتنبسط أساريرهم.
عاد الغصن الظليل إلى منبته وخالقه، بعد أن أكمل دورة حياته وأدى رسالته ونفع وأبدع.. لم يعرفه الناس إلاّ مخضرا، يشع بالحياة والتفاؤل والآمال حتى في أقسى ظروف الحياة التي مرت به.
هذا هو الفنان المخضرم الكبير حسين بن عبدالقادر بن حسين الكاف المشهور بمسمى “حسين بن سعيِّد”، الذي رحل عن دنيانا الفانية صباح اليوم السبت 9 يناير 2010، عن عمر ناهز ال92 من السنين.. وووري جثمانه الثرى عصرا بعد الصلاة عليه في جبّانة تريم بحضور رسمي وجماهيري كبير.
حسين بن سعيّد، اسم لا يتجاوزه الناس البسطاء قبل كبار القوم وكبار المبدعين وكل عشاق الحياة والحالمين الذين أمتعهم لعقود من السنين بطربه وفنّه وولعه الفطري بالطرب وأهله.. ولا يمكن تجاوزه عند استعراض تاريخ ومسيرة فن الدان الحضرمي في القرن ال20 الفائت، الذي ازدهر فيه لون الدان (الريّض) في تريم وسيئون على يد الرواد: حداد بن حسن الكاف وسعيد مبارك مرزوق وأقرانهم من الشعراء والملحنين والمغنين، وظهرت فيه آلات الطرب والفرق الموسيقية لأول مرة في حضرموت، مصاحبة لغناء الدان، مما أدى إلى ذيوعه وانتشاره كلون غنائي محبب داخل الوطن وخارجه… هذا المشوار الفني قطعه، خطوة خطوة، العم حسين (هكذا ينادى غالبا) الذي ولد في مدينة تريم عام 1918 في بيئة علمية، ثقافية، فنية رضع منها الفن من صغره.. فقد تربى في كنف والده الذي عُرف عازفا مجيدا على العود والكمان.. وأخذ من محيط آل الكاف وتريم المدينة أصول الشعر والأدب وطرق الغناء والنشيد الديني وحرفية الدان… درس في مدرسة الأخوة ومدرسة الكاف، وتعلم في رباط تريم الإسلامي الشهير على يد مؤسس الرباط خاله العلامة عبدالله بن عمر الشاطري.. رافق رائد الدان حداد بن حسن في مجالسه ومساجلاته، وأخذ منه وحفظ عنه أشعار وألحان الدان.
صدح بصوته الجميل منذ ال12 من عمره في أول فرقة موسيقية أسسها آل الكاف بتريم.. وعاش فنانا مرموقا يشار إليه بالبنان مع شقيقه الأصغر المرحوم عيدروس بن سعيِّد (توفي في شهر نوفمبر 2009)، وله تسجيلات عديدة محفوظة في مكتبات الإذاعة والتلفزيون.
رجع إلى العم حسين عدد من الباحثين في الموسيقى والفنون اليمنية، عربا وأجانب، وأعانهم بمعلوماته الوافرة عن تقاليد وألوان الفنون في حضرموت، كما شارك مدعوّا في كثير من الندوات والمؤتمرات والمهرجانات المحلية والبرامج الإذاعية والتلفزيونية، وتردد اسمه في الكتب والبحوث –القليلة- المنشورة عن الغناء والفنون في حضرموت.
لا أعرف إنسانا يعشق الطرب مستمعا -قبل مؤديا- مثل العم حسين رحمه الله، كان لحوحا في السؤال عن مواعيد وأماكن جلسات الطرب وسمرات الدان إلى آخر أيام حياته، وكان ينتقد بشدة أجيال هذا الزمان التي انشغلت بأمور الدنيا التافهة وعزفت عن التسامر والاستطراب والسلا.. كان يتفاعل بصدقه وعفويته مع الكلمة والنغمة الجميلة مؤديا ومستمعا.. تهزه في أعماقه، وتبهجه أو تبكيه الأغنية أو المطرب أو الذكرى.. أكاد أجزم أن له في كل أغنية من أغاني الدان وأغاني زمانه من كل ألوان الغناء اليمني قصة ومناسبة تستحضرها ذاكرته في جلسات الطرب، فارتبطت تفاصيل حياته ويومياته بالغناء والأسمار، وكان بيته ومنزله أينما حل في تريم أو سيئون –خصوصا- عامرا بالضيافات وجلسات الطرب طوال حياته، فكان منزل العم حسين حاضنة ميلاد أغانٍ كثيرة لحداد بن حسن أو حسين المحضار أو أبو بكر سالم بلفقيه وغيرهم كثر من كبار المبدعين والناشئين والهواة.
حياة المرحوم العم حسين بن سعيِّد الكاف العملية بدأت في بلدية تريم من عام 1965 حتى 1969، ثم في المنظمة الوطنية للخدمات العمومية حتى 1971، ثم انتقل إلى سيئون للعمل في التعاونية الزراعية حتى عام 1978 الذي فيه عيّن مديرا لإدارة محطات الوقود والنفط بوادي حضرموت حتى أحيل إلى التقاعد في ديسمبر 2000.
رحم الله فناننا المخضرم القدير العم حسين بن سعيِّد الكاف.. عاش ومات مبتسما.. محبا للخير وفعل الخير.. ناشرا للفضيلة والمحبة بين الناس.. كريما، مضيافا، عطوفا، رقيقا، شفافا، فاتحا صدره وقلبه لكل الناس بلا استثناء.. هرم جسده وظلت روحه على ريعان شبابها وحيويتها.. عاش ورحل العم حسين عاشقا رائعا، طاهر القلب، صافي السريرة.
تغمده الله بواسع رحمته، وأحسن مثواه، وجزاه عنا خير الجزاء، وأسكنه فسيح جنانه، وألهم أسرته وأهله وأولاده الأعزاء الكرام: الأستاذ عبدالقادر (عميد كلية المجتمع بسيئون) وعبدالرحمن ومحمد وعبدالله، وأختيهم، وجميع آل الكاف وكل أقاربه وأصدقائه ومحبيه، ونحن معهم، الصبر والسلوان.. “إنا لله وإنا إليه راجعون”.