واحد قانون مضبوط من فضلك!

واحد قانون مضبوط من فضلك!

*د. لبنى حسين المسيبلي
عندما تكون في بلد العجاب فلا عجب أن يأتي اليوم الذي تطبخ فيه القوانين الاقتصادية بحسب الطلب كما تطبخ القهوة المضبوط والسادة وعلى الريحة.
ولكن الأعجب أن طباخة تلك القوانين ليست بحسب الحاجة والاحتياج أو بحسب الدراسات والبحوث، أو كنتيجة للتطورات الاقتصادية المحلية أو الدولية، ولكن بحسب ما يحتاجه فرد أو فردان أو ثلاثة قائمون على تلك المؤسسات الاقتصادية.
فعندما يعجز القائم على هذه المؤسسة أو تلك عن إدارتها وعن تقديم شيء ملموس، تجده يضع اللوم واللعنات على القانون المنظم لتلك المؤسسة.
وهنا يبدأ تفصيل القانون على مقاس ذلك المسؤول بتجريد القانون من كل مصلحة عامة والتركيز على مصالحه الذاتية الضيقة.
فيا ليت أن هذه القوانين لها أثر محايد على الاقتصاد، ولكن “كلمة ياليت عمرها ما كانت تعمر بيت” كما يقولون، فهذه القوانين كما قرأتها في مسوداتها النهائية كمشاريع قوانين لها أثر سلبي على المديين القصير والبعيد.
فيا ترى أهؤلاء القائمون على تلك المؤسسات باقون عليها حتى قيام الساعة؟ أو يا ترى أنهم إما جهلاء أو جهال، وبالتالي لا يستشرفون العواقب؟
وكمثال لتلك القوانين مشروع قانون الاستثمار الذي تعرضت له في مقالتين سابقتين في العددين 105، و115 من صحيفة “الديار”. وهنا نواصل ما يراد لقانون الاستثمار النافذ ليس تطويره بل وأده كوأد البنات في الجاهلية الأولى.
سأحاول أن أتعرض اليوم لجزئية واحدة، وإن شاء الله سأستكمل في أعداد قادمة القضايا الأخرى.
المسودة الأولى لمشروع قانون الاستثمار، الذي تقدمت به الهيئة العامة للاستثمار، كان باسم «قانون تشجيع الاستثمار»، ونصت المادة 1 منه «يهدف هذا القانون إلى جذب الاستثمارات الأجنبية والمحلية… الخ».
وفي المادة 15 «تنشأ بموجب هذا القانون هيئة للترويج والتسهيل للاستثمار… الخ».
هذه هي النية الحقيقية لإلغاء القانون النافذ فيه متمثلة بإنشاء هيئة مهمتها فقط الترويج وإلغاء مهمة التنظيم.
ومع الجلسات التي لا تعد ولا تحصى من اللجنة المعنية لتعديل أو إضافة أو إلغاء مواد قانونية على المسودة الأولى، للأسف لم تخرج تلك اللجنة إلا بإلغاء كلمة تشجيع من اسم القانون وإضافتها إلى المادة 1 مع كلمة تطوير، وإبقاء مسودة المشروع الأولى على علاته.
نصبت خيمة استعداداً لتلقي العزاء باغتيال قانون الاستثمار النافذ. موعد العزاء هو نفس يوم مصادقة مجلس النواب على مشروع هذا القانون الهزيل.
إن رسالتي اليوم هي موجهة إلى نواب الشعب، وأقول لهم فقط هذه العبارة: “أدركوا قانون الاستثمار رقم 22 لعام 2002”.
والآن أعود إلى الجزئية التي سأتعرض لها اليوم من قانون الاستثمار والمشروع.
يتكون قانون الاستثمار النافذ من 10 أبواب تتضمن 76 مادة.
الفصل الأول من الباب الثالث يتعلق بالإعفاءات الجمركية والضريبية. أما الفصل الثاني منه فيتعلق بتشجيع الإنتاج المحلي وتنمية الصادرات.
وهذا الباب يضم 9 مواد قانونية ب49 فقرة قانونية. ولأن القائمين على العملية الاستثمارية شباب من مواليد عصر السرعة والوجبات الخفيفة، فكانت توجيهاتهم للطباخ اطبخ قانوناً خفيفاً على المعدة سريع القراءة -عفواً سريع الهضم، وكان لهم ما طلبوا فقد تم قص أي إلغاء كامل لهذا الباب.
المستثمر المهتم بالاستثمار في اليمن بغض النظر عن جنسيته، أول ما يبحث ويسأل عن القانون المنظم لمشروعه الاستثماري، فعندما لا يجد أية حوافز مالية وغير مالية في القانون، سيفكر رأساً بمكان آخر لن ينتظر أحداً ليخبره على رسلك يا رجل نحن لدينا حوافز ولكنها متناثرة هنا وهناك؛ جزء في قانون الضرائب، وجزء في قانون الجمارك، وجزء آخر في قانون الشركات، و… الخ.
المستثمر: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، اللهم لا حسد. كل هذا لديكم، ممكن تضعها جميعها في حقيبة كل هذه القوانين المباركة حتى أطلع عليها بتأنٍّ، فأنا مستثمر ووقتي كله ملك للاستثمار في اليمن مع رأس مالي طبعاً.
جهة الاستثمار: لا لا لا يا عزيزي المستثمر، ليس أنت الذي تحتاج إلى حقيبة، نحن الذين نحتاج إلى الحقيبة، فنحن سنأتي إليك حيثما كنت ومتى شئت لنروج لهذا القانون وغيره من القوانين.
فيا عزيزي المستثمر، الإعفاءات الجمركية والضريبية مازالت موجودة، ولكن كل ما في الموضوع أننا لا نريد أن نتعب دماغنا بها فأعدناها إلى أصلها، وهما قانونا الجمارك والضرائب، وعدلنا عليها، والتعديل عزيزي المستثمر هو: في قانون الاستثمار النافذ أنت تحصل على إعفاء لمدة 7 سنوات من ضريبة الأرباح، وممكن تزداد إلى سنتين إضافيتين إذا أقيم المشروع في المنطقة الاستثمارية (ب)، أو حتى 50٪ من مكونات المشروع في هذه المنطقة، وتعفى الرسوم الجمركية إذا كان مشروعك زراعياً أو سمكياً أو حيوانياً، أما إذا كان مشروعك من نوع آخر فستحصل على إعفاء 50٪ من الرسوم الجمركية على مستلزمات الإنتاج، بشرط ألا تقل قيمة الموجودات الثابتة عن 50 مليون ريال يمني أو ما يعادلها بالعملة الأجنبية الحرة والقابلة للتحويل. مع العلم أنه ممكن تكون موجوداتك الثابتة بقيمة 25 مليون ريال بشرط أن توظف 10 عمال.
كما يعفى المشروع من ضريبة العقار وضرائب أخرى، ولكن عزيزي المستثمر لأننا دائماً نبحث ونسعى نحو الأفضل وإلى ما يجذب المستثمر إلى اليمن فإنه تم إلغاء الإعفاءات التي يتضمنها قانون الاستثمار النافذ، ونقلها إلى قانوني الضرائب على الدخل والجمارك.
لحظة من فضلك عزيزي المستثمر، سأخرج لك قانون الضرائب على الدخل من الدرج، ذلك لأن هذه الإعفاءات لا مكان لها في قانون الاستثمار.
المادة 64 فقرة أ: تستوفى الضريبة على الدخل الخاضع لضريبة الأرباح التجارية والصناعية بمعدل 15٪ دون تنزيل حد إعفاء من دخل المنشآت أو المشاريع الاستثمارية التي تتوافر فيها الشروط التالية:
1 – ألا يقل رأس المال المستثمر عما يعادل خمسة ملايين دولار أمريكي، ولا يقل عدد العمالة المستخدمة فعلاً في المنشأة أو المشروع عن مائة عامل.
المستثمر: ممكن لو تفضلت توضح لماذا 5 ملايين دولار أمريكي، وفي نفس الوقت يتوجب عليه أن يوظف 100 عامل؟ ولماذا رأس المال مقيم بالدولار وليس بالريال اليمني؟
جهة الاستثمار: يا أخي من يوم ما شاهدت فيلم أحمد زكي بعنوان «أنا لا أكذب ولكني أتجمل» وأنا أحاول أن أطبقه لعملية الترويج الاستثماري لليمن، والمفروض أن هذا الكلام لا يقال لمستثمر من باب رسم الصورة الجميلة لليمن، بس أنت صديق وتعز علي فلن أكذب عليك ولن أتجمل لك.
بيني وبينك العملة المحلية (الريال) ما لها قيمة، وكل يوم وهي في النازل، فخليك مع الأخضر تكسب. ونحن كحكومة برضه لازم نكسب زينا زيكم، مش بس أنتو يا رجال الأعمال.
المستثمر: كيف؟
جهة الاستثمار: أعطيك مثالا: قانون الاستثمار النافذ حدد قيمة الموجودات الثابتة ب50 مليون ريال حتى يتمتع المشروع بالإعفاءات، ويومها كانت ال50 مليون ريال تساوي 300 ألف دولار، واليوم 50 مليون ريال تساوي بسعر صرف اليوم 240.485 دولاراً أمريكياً، ويا عالم غداً أو بعد غد ال50 مليون ريال يمني كم سوف تعادل بالدولار الأمريكي، وفي نفس الوقت تخسر الحكومة إيرادات من تمتع هذا المشروع البسيط بالإعفاءات.
المستثمر: لكن هذا اعترافاً رسمياً، وفي قانون سيادي، بعدم احترام الحكومة لعملتها الرسمية واعتمادها عملة دولة أجنبية أخرى بغض النظر عن أن هذه العملة حرة، فكان يمكن أن تعالج مشكلة سعر الصرف بطريقة أو أخرى في القانون، ولماذا أصلاً في هذه الفقرة من القانون تم اعتماد عملة الدولار دون البنود الأخرى فيه؟
جهة الاستثمار: أصبر يا خبير خليني أول أكمل لك الإجابة على أسئلتك الأولى، وبعدين ستأتي معها الإجابة على سؤالك الأخير.
أنت سألت لماذا 5 ملايين دولار أمريكي؟ أقلك: اليوم سعر الصرف 208 يعني الخمسة ملايين دولار تساوي ملياراً وأربعين مليون ريال يمني. نحن ندور على رجال الأعمال أبو المليارات، أما أبو فكة أي أبو الملايين الملاليم ما عاد يخارج معنا، واللبيب يفهم.
أما لماذا تحديداً هنا قيمنا بالدولار الأمريكي وليس بالريال اليمني، علشان هدفنا واضح ومحدد، نحن نبحث عن المستثمر الأجنبي.
المستثمر: لماذا في نفس الوقت لا يقل عن 100 عامل؟ لماذا لا يكون “أو”، أي 5 ملايين دولار أو يوظف ما لا يقل عن 100 عامل؟
جهة الاستثمار: آه منكم أنتو يا مستثمرين! دائماً يحلو لكم التحايل، لم نضع “أو” لأن المستثمر ممكن يؤسس مشروعاً برأس مال 50 مليون ريال ويوظف 100 عامل ويتمتع بالإعفاء من الرسوم الجمركية و15٪ ضريبة عن الدخل.
المستثمر: فهمت الآن ماذا تقصد أن الحكومة لازم تربح أيضاً. طيب وماذا عن الإعفاءات الجمركية؟
جهة الاستثمار: لحظة من فضلك، مشروع قانون الجمارك في الدرج الثاني سأحضره حالاً. أيوه المشروع ينص في مادته 7 فقرة ب: تعفى الموجودات الثابتة اللازمة لإقامة المشروعات الاستثمارية والمتمثلة في المستورد من الآلات والأجهزة والمعدات بما في ذلك الطائرات والسفن المعدة للنقل والصيد البحري.
المستثمر: وماذا عن مستلزمات الإنتاج؟
جهة الاستثمار: بكل أسف عزيزي المستثمر ألغيت، يعني لا إعفاء لمستلزمات الإنتاج الزراعي والسمكي والحيواني، ولا تخفيض للأنشطة الأخرى.
ها أيش رأيك باللي نعمله من أجل تحسين المناخ الاستثماري في اليمن؟
المستثمر: أود أن أخبرك شيئاً ألا وهو أن الاستثمارات التي أقيمت في اليمن سابقاً والتي تقام حالياً وفق قانون الاستثمار رقم 22 لعام 2002، كنتيجة أن هذا القانون هو قانون خاص، وهذه الخاصية منحته قوة تنفيذية، بالإضافة إلى المزايا المالية وغير المالية، والتي حفزت المستثمر للاستثمار في اليمن، وجعلته يغض الطرف عن المناخ الاستثماري السيئ، والمتمثل بعدم الاستقرار السياسي والأمني، وتدخل أصحاب النفوذ، وضعف البنية التحتية، وعدم استقرار المتغيرات الاقتصادية الكلية. أما الآن فلا يوجد شيء واحد يشجع على الاستثمار في اليمن. ولذا أقول لك باي باي خيو، وقهوتك المضبوطة اشربها صحتين وعافية على قلبك.