حداد في سقطرى، والمختصون في حالة ذهول.. الحكومة تستبيح «دم الأخوين»

حداد في سقطرى، والمختصون في حالة ذهول.. الحكومة تستبيح «دم الأخوين»
سقطرى الحكومة تستبيح دم الأخوين (أرشيف)

حداد في سقطرى، والمختصون في حالة ذهول.. الحكومة تستبيح «دم الأخوين»

 

 

* طائرة تحمل 144 شجرة نادرة إلى عدن
* هيئة البيئة تحتمي بمذكرة تفاهم بين اليمن والسعودية، ولائحة حكومية تحظر استخدام عينات النباتات  النادرة لغير الأغراض البحثية
* جهة سعودية رفيعة طلبت العينات، والجهات اليمنية المختصة نفذت خلال 24 ساعة

– بشرى العنسي
منذ 24 مارس الماضي والمختصون في مجال «التنوع الحيوي»، في جزيرة سقطرى، يعيشون أجواء حِداد. لم لا؟ ففي صباح ذلك اليوم غادرت طائرة مطار الجزيرة محملة ب12 صنفاً من الأشجار النادرة. توجهت الطائرة إلى عدن، وأفرغت حمولتها هناك، قبل أن يتم شحنها مجدداً في طائرة أخرى عبرت الحدود الشمالية باتجاه الرياض.
«نزلت علينا أوامر من فوق»، قال أحد المختصين لـ«النداء» الأسبوع الماضي. كان يعزي نفسه وقد لخًّص الحالة النفسية التي يعيشها المختصون في الجزيزة في جملتين: «كلنا هنا زعلانين ومش راضين، أخرجوهن غصباً عنا». في نبرته نحيب، وفيها أعراض لمصاب بالانتزاع النفسي اختفى للتو أحد أقاربه، ويجهل المصير الذي سيؤول إليه هناك… في أرض الحرمين.
<<<
في 23 مارس تسلمت السفارة السعودية في صنعاء ملفاً مرسلاً من هيئة رفيعة (جداً) في الرياض، يحتوي على 12 ورقة. في كل ورقة تظهر صورة نقية لشجرة نادرة في أرخبيل سقطرى. وتحت كل صورة نبذة تحتوي على إسم الشجرة واستخداماتها. وأسفل كل صفحة كتب حرفياً: 12 حبة.
بعد ساعات كانت حزمة الأوراق المهمة في مكتب وزير المياه والبيئة. وفي اليوم ذاته كانت قد وصلت إلى مكتب رئيس الهيئة العامة لحماية البيئة وقد أضيف عليها توجيهات معالي الوزير: «توفير المطلوب حسب النظام المتبع في تبادل المواد الحيوية».
توفير المطلوب! لكأن الأمر متعلق بقرطاسية تخص مكتب الوزير. هذا في حد ذاته عدوان مباشر على البيئة. وهو انتقاص لا يغتفر من شأن الأشجار النادرة، وبخاصة شجرة دم الأخوين.
إلى دم الأخوين، أهرقت الجهات المختصة في العاصمة دماء 11 نبتة نادرة أخرى هي: «فرحل، إمتا، معبرة، كرتب، إشحب، نمهر، بوص، تريمو، واصفد، دصفرريهن، قمحم، مشحرمهن, دي جريج».
كذلك تجري الأمور في خفة واستسهال وسلاسة قصوى، حتى أن الدهشة تأخذك: في أي ركن يا ترى ينزوي الروتين؟ وهل يا ترى انتحرت البيروقراطية اليمنية على مذبح «العلاقات الحميمة» مع الأشقاء؟
بدون أية مذكرات إضافية، وبدون تبادل أية مذكرات خاصة بين الجهات ذات الصلة (في المركز، ومع الفرع في الجزيرة المكلومة)، تم في اليوم التالي 24 مارس نقل 12 حبة (!) من كل صنف، كما أفادت مصادر محلية في الجزيرة، إلى عدن، ومن ثم إلى السعودية.
<<<
شحنت 12 حبة من 12 نبتة نادرة (144 نبتة) إلى خارج اليمن، دون أن يكون هناك طلب واضح يحدِّد الغرض منها.
وبحسب محمود شديوة رئيس الهيئة العامة لحماية البيئة، فإن عملية إخراج العينات تمت تنفيذاً لمذكرة تفاهم وُقِعت بين اليمن والسعودية بشأن التعاون في مجال «المحافظة على التنوع الأحيائي». وقد تكرم رئيس الهيئة بالسماح لـ«النداء» بالاطلاع على المذكرة، لكنه وجه بعد منح الصحيفة نسخة منها.
المذكرة (السرية للغاية!) تم توقيعها في يونيو 2002، بين هيئة حماية البيئة (اليمنية) والهيئة الوطنية لحماية الحياة الفطرية (السعودية)، وتنص الفقرة 2 من المادة4 على أن «يتبادل الطرفان عينات الأنواع الفطرية النادرة أو المهددة بالانقراض لغرض البحث العلمي وبرامج الإكثار».
<<<
لا يوجد في حزمة الأوراق السعودية ما يفيد بوجود جهة بحثية معنية بـ«دم الأخوين»، وإنما يظهر مكتب مسؤول سعودي رفيع جداً لا صلة له البتة بالبيئة باعتباره صاحب الطلب المفترض.
والحق أن عملية شحن «المطلوب» تمت دون طلب بالمعنى الحرفي والفني للكلمة. وبحسب مصدر خاص في عدن فإن أمراً صدر من رئاسة الهيئة في صنعاء موجهاً إلى مدير فرع الهيئة في سقطرى، بتوفير العينات. تم توفير «المطلوب»، تمت دون أن يُسأل المختصون عما إذا كان جائزاً شحن المطلوب أم لا، وهل الغرض من «المطلوب» بحثي أم شيء آخر، وما إذا كان عدد العينات المطلوبة من الأشقاء معقولاً ومقبولاً أم أكبر مما تحتمله قلوب أولياء «دم الأخوين»، أي المختصين».
«ما حدث يُعتبر مخالفة كبيرة»، قال المصدر، واصفاً الأسلوب الذي اتبع لتلبية الطلب (للدقة: اللاطلب) السعودي بأنه غير علمي، موضحاً أن الكميات المطلوبة من كل شجرة تُعد «كبيرة جداً». وهو أشار إلى أن رسالة سعودية إيضاحية تسلمتها اليمن بعد أيام من وصول «الشحنة الثمينة» إلى السعودية، أفادت بأن العينات «المطلوبة» لغرض البحث العلمي!
<<<
في 26 نوفمبر 2002، أي بعد 5 أشهر من توقيع مذكرة التفاهم اليمنية- السعودية، أقر مجلس الوزراء لائحة «تنظيم أخذ العينات من مجموعة جزر سقطرى» قرار مجلس حمل الرقم 315. وفي الفقرة 9 من المادة 8 من اللائحة يرد التالي:
«يمنع خروج أي عينة من العينات المعرضة للانقراض». وفي مادة أخرى يتم التشديد على عدم إخراج أي عينة إلا لغرض البحث العلمي. وتحدِّد اللائحة آلية تنفيذ أي طلب للحصول على عينات، حيث تلتزم الهيئة العامة لحماية البيئة بدراسة الطلب المقدم من الباحث أو الفريق البحثي، والرد عليه خلال أسبوعين بالموافقة أو الرفض. ولكي يتسنى للهيئة البت في الطلب، فإن على الباحث أن يقدم طلباً رسمياً يتضمن معلومات عن خطة البحث وأهدافه ومنهجيته والجهة الممولة.. الخ.
الثابت أن لائحة مجلس الوزراء تجبُّ مذكرة التفاهم، لكن الهيئة لم تستغرق سوى عدة ساعات، لا للرد على «الطلب المبجَّل»، وإنما لتنفيذه. لذلك فإن المختصين في جزيرة سقطرى حزينون وغير راضين، ويعانون من وخز الضمير لأنهم اضطروا إلى تنفيذ «الأوامر التي جاءت من فوق».

***

الميتة فقط
أحد المختصين في سقطرى قال لـ«النداء» إن إخراج عينات من الجزيرة يشترط أن تكون ميتة لضمان عدم زراعتها أو إكثارها من قبل الجهات والدول الأخرى، وهو الأمر الذي أكده سالم داهق مدير فرع الهيئة العامة لحماية البيئة هناك، لكنه أوضح أن هناك إمكانية لإخراج العينات للدول التي تربطنا بها إتفاقيات تبادل التنوع الحيوي.
مختص آخر في الجزيرة أوضح لـ«النداء» أسلوب إخراج العينات لغرض البحث العلمي حيث يأتي الباحثون (أفراداً، جهة، منظمة، دولة) عبر الهيئة العامة لحماية البيئة ويتم تحرير عقود معهم حول دراسة العينات. وفي العقد يكون غير مسموح إخراج العينات الحية والتي ممكن أن تنمو في المنطقة التي ستؤخذ إليها. بعد التوقيع على العقد في صنعاء يذهب الباحثون إلى فرع الهيئة في الجزيرة ليتم تحويلهم إلى المختصين.
إذا سارت الأمور على النحو الذي اتبع فيما يخص الطلب السعودي، فإن المختصين سينعمون بإجازة طويلة في الجزيرة الساحرة. عليهم فقط أن يخدروا ضمائرهم.

النائب علي العنسي: الحكومة لا تُبالي!
البحث العلمي أصبح الشماعة التي يعلق عليها أسباب إخراج العينات النادرة والتي لا توجد سوى في سقطرى فيضيع معها حق اليمن في الملكية وتهدد تلك العينات بالانقراض.
البرلماني علي العنسي عضو لجنة المياه والبيئة أرجع الأمر إلى اللامبالاة وضعف الجانب الحكومي الذي استشهد بخروج زهرتين نادرتين من اليمن وزراعتها في دولة أخرى، مضيفاً أن المجلس في توصياته فيما يخص إتفاقية قرطاجنة (السلامة الإحيائية) شدد على ضرورة عمل بنك لكل الكائنات الحية والنادرة في اليمن وتسجيلها دولياً حتى يتم ضمان عدم تعدي أي دولة أخرى عليها.
في رد جاء من الهيئة العامة لحماية البيئة حول تنفيذ توصيات المجلس المتعلقة باتفاقية السلامة الإحيائية وردت الفقرة التي تقول بأنه فيما يخص الأصول الوراثية لاتزال الجهود في هذا الاتجاه في مراحلها الأولى من التنفيذ ويعود السبب في هذا إلى حداثة مفاهيم حقوق الملكية الفكرية وبراءة الاختراع, إضافة إلى عدم تبلور اتجاه واضح في هذا الجانب لغياب الجهات العلمية والأكاديمية اليمنية التي يمكن أن تنظم قضية الوصول إلى الأصول الوراثية وتوثيقها وإنشاء بنك لحفظ تلك الأصول وآلية تبادلها العلمي واستخدامها في الأغراض العلمية والتجارية والصناعية المختلفة.
ما سبق يؤكد ضياع حق اليمن في ملكية أنواع كثيرة نادرة إضافة إلى عدم إستفادة اليمن كذلك مما يسمى تبادل, حيث لا يوجد في اليمن إمكانية لعمل بحوث ودراسات وراثية بحسب ما ورد في رد الهيئة, ما يؤكد أن اليمن هي الجهة التي تعطي دائماً فيما يخص النباتات النادرة فقط فإن اليمن مصنفة من فئة الدم +o.

الدوباس آخر الغزاة
إلى إخراج العينات النادرة بسلاسة، تعاني سقطرى من مشاكل كثيرة تهدد تنوعها الحيوي.
ضعف المنافذ البحرية إحدى تلك المشاكل، حيث يسهل إخراج العينات بطريقة أو بأخرى. مصدر في الجزيرة لفت إلى عدم انضباط وفاعلية القائمين على مراقبة المنافذ، كالمطار والميناء والمنافذ البحرية الأخرى.
دخول العينات إلى الجزيرة في نظر مدير فرع الهيئة أخطر من خروجها حيث تستوطن العينات الدخيلة على حساب الكائنات المتوطنة. مرض دوباس النخيل كان أخطر الغزاة، حيث اقتحم الجزيرة عبر المنفذ البحري. هناك أيضاً الغراب الهندي الذي يهاجم بيوض الطيور، إضافة إلى أنواع نباتية أخرى كالعشار والشيشبان وغيرها من النباتات والكائنات الحية الدخيلة على سقطرى.
الحيوانات الأليفة كالأبقار والأغنام والماعز وغيرها تأتي كعدو آخر للنباتات والأشجار النادرة حيث يؤثر الرعي العشوائي عليها ويقضي على عدد منها مما جعل الجهات المختصة هناك تسمح بتصدير كميات من تلك الحيوانات إلى الأسواق خارج الجزيرة لتخفيض عددها.

جوهرة… في يد فحَّام
جزيرة سقطرى أو أرخبيل سقطرى بحسب القرار الجمهوري في اعتماد التسمية. تتميز بتنوع حيوي فريد ونادر. تحتوي الجزيرة على 900 نوع من النباتات، أغلبها طبية. منها 307 أنواع متوطنة كنبات دم الأخوين ووردة الصحراء (التريمو) والأمتى والكرتب واللبان، إضافة إلى ما يزيد عن 300 نوع من الأحياء الفطرية التي تتخذ من الجزيرة الموطن الوحيد لها في العالم. وتعد سقطرى رابع جزيرة في العالم من حيث التنوع الحيوي، ووصفها عالم النبات الإيطالي البروفيسور ماركو برونو، من جامعة روما، الذي زارها بداية العام الحالي، بالنقطة الساخنة على مستوى العالم لغناها بالتنوع الحيوي.
جزيرة كسقطرى وتنوع حيوي نادر كالموجود فيها الأحرى أن يعامل معاملة خاصة والاهتمام بها أكثر والنظر في الإتفاقيات الجائرة على الجزيرة وممتلكاتها وإعادة النظر في القوانين واللوائح التي تملأها الثغرات.
[email protected]