كسارة تسبب الإعاقات لأطفال الصلو وتقوض مقومات الحياة فيها

كسارة تسبب الإعاقات لأطفال الصلو وتقوض مقومات الحياة فيها

 

 

 
   

– صنعاء – محمد شمسان – تعز – «النداء»
قبل 3 أشهر استسلمت سميرة دحان، 23 سنة، لعدوها المتنمر: السرطان الذي خاضت ضده معركة ضارية على مدى 3 سنوات.
غادرت الشابة المعدمة دنياها، مخلفة احلاماً مهشمة، وقرية توشك على الانزلاق داخل كفن لتلحق بها.
كانت في ال20 عندما نصحت لجنة طبية في تعز بسرعة نقلها إلى الخارج لغرض إخضاعها لعملية جراحية لاستئصال ورم سرطاني من عظمة فخذها الأيمن. واصل السرطان إجتياح جسدها على وقع ضربات موحشة لأنياب كسارة على أحجار قريتها المنكوبة في مديرية الصلو -تعز.
جردها السرطان من شبابها وألبسها البياض، تماماً كما فعلت الكسارة بقريتها التي يكسوها البياض لكأنها بقعة من المحيط المتجمد الشمالي.
الصورة في عزلة الضبة ليست تهويم شاعر أو تهويل منكوب، بل فعل كسارة تقع داخل أرض زراعية على مبعدة 500 متر من قرى مأهولة بالسكان.
طبق تقرير لمتخصصين قاموا بزيارة المنطقة في يونيو 2006 بناءً على توجيه وكيل محافظة تعز للشؤون الفنية والبيئية، فإن العمل في الكسارة الذي يعتمد على استخدام الآليات الضاغطة والمتفجرات والطحن والغربلة في الهواء الطلق، أدى إلى كارثة بيئية خطيرة تهدد أكثر من 15000 من سكان المنطقة وجوارها.
التقرير الذي أعده مركز الدراسات البيئية في جامعة تعز يوضح أن عمليات التفجير والطحن والغربلة وعوادم المعدات والناقلات، وجميعها تعمل بالديزل، تلوِّث الهواء بالغبار، وخاصة بالدقائق الصغيرة التي يقل حجمها عن 10 ميكرون، ما يؤدي إلى أمراض في الجهاز التنفسي «كضعف الأداء الرئوي وتليف الرئة، وآلام الصدر والتحسس والربو والكحة (…) وتشقق البطانة الداخلية للرئتين».
يضيف التقرير أنه فضلاً عن انبعاثات عملية الطحن والغربلة، فإن انبعاثات الآليات والمركبات الناقلة يمكن أن تسبب أمراض السرطانات المختلفة.
كذلك قُتلت سميرة التي تنسمت على مدى 20 عاماً (منذ حلت الكسارة ضيفة على قريتها) أغبرة من كل صنف.
تدرُّ الكسارة على صاحبها، وهو الحاج ياسين طه (التاجر المعروف)، الكثير من الأرباح، وتنعم على عزلة الضبة بالغبار والمعارف الصحية.
يعرف سكان الضبة مرضاً يُدعى «التغبُّر الرئوي» (SILICOSIS)، الذي أصاب قبل 11 سنة الطفلة حنان محفوظ الصلوي، 12 سنة، وشقيقها بسام، 15 سنة.
شُخص مرض الطفلين في البدء على أنه سِل دخني، وتمت معالجتهما على هذا الأساس لفترة مديدة، دون طائل. وقد اكتشف الأطباء في مركز مكافحة السل بتعز أنهما مصابان بالتغبر الرئوي «جراء استنشاق هواء ملوث بغبار مسحوق ناتج من معدات طحن الاحجار في الصلو»، كما جاء في تقرير الحالة المرضية، الذي يُزين طرفيه العلويين صورتا الطفلين. نصح الأطباء بعرضهما على مركز متخصص بالمرض الذي يُسبب نقصاً في أداء الرئتين، قبل أن يلفتوا عناية من يهمه الأمر إلى أن مركزاً كهذا «غير متوفر في بلادنا».
طبق مصادر قريبة من الأسرة فإن حنان (23 عاماً الآن) وبسام (26 عاماً) لم يحظيا بفرصة دخول مركز لعلاج التغبر الرئوي بسبب الفاقة، وهما الآن يمضغان الوقت ويواصلان استنشاق «الدقائق الصغيرة التي لا يتعدى حجمها 10 ميكرون» في قريتهما. هما، بتوصيف أدق، يعانيان من إعاقة تنفسية، ويعيشان داخل أربعة جدران لأنهما غير قادرين على الوفاء بمستلزمات عمريهما.
لا تُميِّز الكسارة سكان الضبة على أساس الأعمار، فهي تُعمم خيرها على الفئات العمرية المختلفة.
في الفئة العمرية لسميرة دحان، يردُ اسم أحلام عبدالملك، 23 سنة، التي توفيت في 2005 نتيجة إصابتها بفشل كلوي، وسبل عبدالله محمد، 20 سنة، المصابة بسرطان المثانة حسب تقرير طبي من مستشفى الثورة تعز حرر في 6 فبراير الماضي، ومحمد طاهر سعيد، 27 سنة، المصاب بسرطان في القولون.
في فئة عمرية أكبر، يظهر اسم رضية اسماعيل محمد، 53 سنة، ومؤمنة أمين درهم، 50 سنة، اللتين توفيتا جراء السرطان في مارس وديسمبر 2006.
الكسارة العمياء تنشر الصمم بين أطفال عزلة محاصرة من رجال بقلوب صقيعية، أحالوا خضرتها إلى جليد يكسو أشجارها.
فائد فؤاد قائد،9 سنوات، يسند ظهره إلى جدار بيت متشقق (إنظر الصورة)، لابساً «فانيلة» مطبوع على صدره لفظة أوكي (OK)، علامة على استسلام القرية.
لا تنتظر سماع لفظة التسليم من شفتي فائد، لأنه فاقد لحاسة النطق، كما أنه أصم. وطبق مصادر محلية في عزلة الضبة فإن نحو 18 طفلاً فقدوا حاسة السمع جراء دوي المتفجرات المستخدمة في المنطقة.
إلى فائد حصلت «النداء» على أسماء أطفال آخرين فقدوا حاسة السمع، هم: حسان عبده قائد، وحنان فؤاد قائد، وحياة عبده قائد، وسعاد منصور قائد، وحذيفة عبده قائد، واسكندر شهاب. وبعض هؤلاء الضحايا لا يستطيعون، كما فائد، النطق.
تؤكد المصادر انتشار الحالات النفسية بين الأطفال، وإصابة بعضهم بإعاقات عقلية ما يستلزم اهتمام جمعيات رعاية المعاقين بهم، وزيارة لجنة من برلمان الأطفال إلى المنطقة للإطلاع على أحوال ناخبي الدائرة (إذ لم يعُد أحدٌ يعول على برلمان الكبار).
الغبار والماء الملوث والضوضاء، تتعاضد لخنق الحياة في العزلة. فطبق التقرير الميداني لمركز جامعة تعز، الذي أُعد بناءً على توجيهات وكيل المحافظة للشؤون البيئية وعُمِّد من المهندس جمال البحر، مدير فرع الهيئة العامة لحماية البيئة في تعز، فإن الاضرار الناتجة من عمل الكسارة، تتجاوز الإصابات البشرية المباشرة إلى إلحاق كوارث خطيرة بالبيئة، على حد تعبير التقرير.
عمليات التفجير التي يُستخدم فيها الديناميت تحدث هزات أرضية محدثة شقوقاً عميقة في الصخور، ما يؤدي إلى تشقق المنازل المجاورة وتحطم واجهات منازل في المناطق المرتفعة.
التفجيرات الهائلة تضر بمنسوب مياه الآبار، وتلوث الآبار الواقعة بالقرب من مقالع الصخور. لتلوث المياه مصدر آخر، فالزيوت العادمة للمعدات تخترق التربة مع مياه الأمطار، ثم تتابع رحلتها إلى جوف الأطفال الأكثر عرضة لتأثيرها.
عملية الطحن والغربلة والانبعاثات الناجمة عن الكسارة العمياء، لا تضعف رئات الأطفال فحسب، وإنما أيضاً رئة الطبيعة، فالغبار «يؤدي إلى انسداد ثغور النباتات وإعاقة عمليتي التبخر والبناء الضوئي»، يقول معدو التقرير.
يؤثر الغبار -هم يضيفون- على عملية تلقيح النبات، كما ويؤدي إلى تدهور الأراضي المجاورة للكسارة وفقدان خصوبتها. وإلى الغبار فإن المخلفات الناجمة عن مراحل عمل الكسارة (تفجيراً، وتكسيراً، وطحناً، فغربلة، ثم نقل) تُترك على حالها على أراض زراعية، مدمرة خواصها.
«النداء» حصلت أيضاً على صور لمنازل مهدمة أو متشققة الجدران لحوالي 9 أسر في المنطقة.
لا تملك الكسارة الحس بقيمة التاريخ. وهي إذ تسحق صخوراً من العصر الجوراسي، مقوضة أملاك سكان يعيشون في ظروف لا تختلف كثيراً عن نمط الحياة في «حديقة الديناصورات»، وتحيل قرى إلى عصر جليدي، فإنها تضرب بقوة الموروث التاريخي للمنطقة، كما يفيد تقرير مركز البيئة وخدمة المجتمع في جامعة تعز. قريتا شبان الصلو والجمنون، اللتان تعودان إلى ما قبل 600 عام، وترتبطان بسواق مائية تنبع من «قلعة الدملؤة» المنسية، مهددتان بالتدمير.
إلى كسارة الضبة، توجد كسارات من نمط آخر في مديرية الصلو وفي مركز المحافظة. هي كسارات (وللدقة كواسر) من لحم ودم وأعصاب، حفنة بشر يتوزعون مواقع أمنية وإدارية وقضائية في المحافظة يعيقون أي إجراء لتدارك الانهيار البيئي في الصلو. وفيما يطالب الأهالي المتضررون «بوقف عمل الكسارة فوراً»، أي بالضبط ما أوصى به تقرير أعد خصيصاً لقيادة المحافظة، تفعِّل الكسارات البشرية قوانينها لإبقاء الوضع على حاله. بكلمة أخرى: تقاوم الكواسر الآدمية التوجيهات العليا، وبعضها صادر من قيادات رفيعة في الحكومة، دافعة بالمزيد من البشر والشجر والحجر والأثر إلى جوف كسارة يملكها تاجر ذو حظوة، لديه حلفاء نافذون داخل أجهزة السلطة المحلية.