جنوب افريقيا وحقوق الانسان – عبدالباري طاهر

جنوب افريقيا وحقوق الانسان – عبدالباري طاهر

ضمن برنامج المفوضية الاوروبية لدراسة نماذج تجارب رسمية لمنظمات حقوق الانسان، زارت مجموعة يمنيات ويمنيين مصر وجنوب افريقيا. كما قرأنا تجارب المملكة المغربية، حسب المرسوم الملكي، والتجربة الاردنية.
في زيارتنا لمصر وحضور ندوة عربية عن حقوق الانسان في بعض البلدان العربية، وسماع تجارب هذه البلدان: تونس، الجزائر، والبحرين، وزيارة المنظمة المصرية والالتقاء بالرئيس غالي شكري، والاستاذ السفير مخلص الامين العام، وبحضور المسؤولين عن البرنامج: جورج آصف وأمل الباشا، اطلعنا على أهم جوانب التجربة المصرية، التي رغم بعض جوانبها الايجابية إلا أن طابعها الرسمي والإرث البيروقراطي الثقيل، ومحدودية أثرها في واقع بلد ينوء به إرث استبداد وبيل منذ قرون متطاولة، فإن التجربة تمثل عملاً نخبوياً وتطهرياً بامتياز، ويكفي أن تعرف أن قضايا سبعين مليوناً لا يمكن أن تحل بواسطة مكتب معزول في حي من الاحياء المصرية الراقية، وأنىّ لابن الصعيد أو الشرقية أو الغربية الوصول إلى مكتب السيد غالي شكري الامين العام الاسبق للامم المتحدة.
على هامش اللقاء «الرسمي» التقينا بالأساتذة: محمد فائق أمين المنظمة العربية لحقوق الانسان، جلال عارف نقيب الصحفيين الاسبق، بهاء الدين حسين امين عام مركز دراسات حقوق الانسان، وعبدالله خليل الخبير القانوني.
وكان الاستاذان أمل آصف يتوخيان من هذه اللقاءات الافادة قدر الامكان من التجربة ومعرفة الايجابيات والسلبيات. كان الرأي الراجح والانطباع العام ضعف التجربة، ووجود ملاحظات كاثرة خصوصاً لدى الاستاذ بهاء الدين حسين الذي انسحب باكراً من التجربة «المرسمة».
وربما كنا متفاوتي الاهتمام بالتجربة المصرية التي اتسمت بقدر من التنافس مع المنظمات والمؤسسات الحقوقية المدنية على اجتذاب الدعم الدولي.
اما التجربتان: الاردنية والمغربية، «الرسميتان»، فلم تحظيا بأي اهتمام، لطابعهما الرسمي، وعدم احتفائهما بحقوق الانسان بقدر كاف، وربما اقتربت المغربية من المنظمة ذات الطابع الاستشاري لجلالته، وكانت القراءة من خلال اللوائح الداخلية والمهام والاختصاصات المحددة.
كانت التجربة المهمة واللافتة تجربة جنوب أفريقيا هذا البلد الذي استعمر، أو بالاحرى استوطنه البيض منذ القرن الخامس عشر وشهد نظام فصل عنصري لعدة عقود. وتعتبر جنوب افريقيا موطن الانسان منذ آلاف السنين، وتمتلك ثروات هائلة هي التي جذبت اليها البيض من شتى انحاء القارة الاوروبية: الالمان، الهولنديين، الفرنسيين، والبريطانيين. هذا البلد، الذي بدأ التعافي من نظام فصل عنصري صارم في العام 193 بزعامة الزعيم الانسان العظيم نلسون مانديلا، استطاع في بضع سنوات بناء دولة نظام وقانون دولة حقوق انسان بحق.
لم يكن مانديلا السجين لسبعة وعشرين عاماً داعية عنف، ولكن وهو المعتقل رفض التنازل عن حق شعبه في المقاومة، كحق شرعي تكفله كل الشرائع والاعراف والملل والنحل، بينما تنازلات منظمة التحرير الفلسطيني عن الحق وهي بعيدة عن فلسطين بآلاف «الكيلومترات»، وفي حين لا تعترف اسرائيل بحق الفلسطينيين فإن ابومازن لا يقبل بالتواصل مع حماس إلا بشرط الاعتراف باسرائيل والتخلي عن المقاومة؛ ولو أن مقاومة حماس هي الاخرى ذات جوانب سلبية كاثرة.
كان مانديلا أحد تلاميذ الزعيم الهندي- المحامي غاندي، الذي سجن في جوهانسبرج لبضعة أشهر لتحديد قوانين الفصل العنصري.
تعد جنوب افريقيا الاغنى والاكثر تنمية في القارة كلها، فهي قطعة من أوروبا، بخضرة أرضها، ففيها نهران كبيران وعشرات البحيرات الصغيرة، وفيها مناجم الذهب والفضة وجميع المعادن، ما عدا البترول.
بسرعة العصر، وبذطكاء وعبقرية مانديلا وحزبه (المؤتمر الوطني الافريقي) حزب الاغلبية في جنوب افريقيا، سادت تعددية سياسية وفكرية وثقافية حقيقية. فالبلد يضم قرابة اثني عشر عرقاً وإحدى عشرة لغة، وتنوعاً في القيم والعادات والتقاليد والاعراف، وتفاوتا ملحوظاً في التطور والتمدن والتحضر، ومع ذلك فإن النهج الديمقراطي، وطريق الحرية الذي سلكه حزب الاغلبية قد جنب البلد الغني والمتعدد القوميات والاعراف مخاطر التقاتل والصراع. نظم مسؤولوا المفوضية لقاءات ضافية مع العديد من المفوضيات وتمثل هذه المفوضيات سلطة سياسية ومعنوية وقانونية. فهناك مفوضية للتعليم تراجع السياسات التعليمية وتراعي التنوع اللغوي والعرقي والخصائص الثقافية، ومفوضية قضايا الفساد تصل سلطاتها حد التحقيق والمساءلة والاحالة، وهناك مفوضية حل المنازعات بين الاطراف المتنازعة فتقوم بالاستماع وعقد الجلسات وحل المشاكل أو الاحالات الى النيابات والقضاء الكفؤ النزيه والمستقل. المثير حقاً أن هذا البلد الذي يمتلك ثروات مائية كبيرة، وفيه نهران كبيران وغابات تمتد لمئات وآلاف الكيلومترات لديه مفوضية مياه تراقب وتشرف على طرائق استخدام المياه وتقدم الابحاث وتعقد الندوات؛ بينما بلد فقير من المخزون الجوفي، وقد نضبت آباره وغارت فيه العيون وتيبست الشلالات القليلة لا تهتم حكومته مطلقاً بقضية الماء، في حين تحذر منظمات دولية منذ أواخر القرن الماضي من كارثة قادمة في المياه تهدد اليمن كلها. معروف ايضاً أن في جنوب افريقيا ملتقى المحيط الاطلسي والهندي في رأس الرجاء الصالح، وهناك مفوضية للتنوع الثقافي ولمكافحة الادز الذي يمثل تهديداً خطراً في هذا البلد الجميل والرائع.
لفت انتباهنا صدق المسؤولية في الحديث عن معضلات وقضايا بلادهم. فهم يطرحون امام الزائر أوجاع وعيوب واخطاء وقصور تجربتهم وحتى حالات العجز والفشل. وهناك مفوضية الانتخابات. واثناء الزيارة كانت البلد يتهيأ للانتخابات النيابية حيث يحمي التنافس بين الاحزاب الكبيرة: المؤتمر الوطني الافريقي الذي انشق على نفسه، والحزب الوطني، وحزب «انكاثا» (حزب البيض)، والحزب الافريقي النصراني، والحزب الديمقراطي، وجبهة الحرية، والمؤتمر الافريقي. وقد قطعت البلاد شوطاً بعيداً في التصنيع والاستثمار والسياحة والتنظيف والتعليم، وكان لافتاً أن نرى الطلاب موحدي الزي يسعون بدأب إلى مدارسهم بعد أن تغلب أبناؤها على الفصل العنصري وحلت محله أخوة ومواطنة متساوية تضم السود الاغلبية والبيض سادة الامس الاقلية والملونين. في زمن قياسي جرى إزاحة الحواجز وأعيدت صياغة التشريعات الكثيرة، والقوانين التمييزية، وتصالح الجميع لمصلحة مستقبل جنوب افريقيا، التي تبرز اليوم كزعيمة لافريقيا كلها: مساواة وعدلاً وحكمة وديمقراطية.
مد «نلسون» يده وهو الخارج للتو من السجن إلى كلورك زعيم البيض (ولم يقل: بقايا الاستعمار كما يفعل اليمني ضد أخيه اليمني) وبنيا معاً دولة عدل ومساواة وحرية وحقوق انسان.
ما جرى في جنوب افريقيا يذكر بحالنا اليمنيين والعرب؛ لا يقبل اليمني الشمالي بالجنوبي حتى في نقابة كنقابة الصحفيين، ولا يقبل الرجل «المثقف والواعي» بمشاركة المرأة في الصحافة أيضاً، ويرفض عقل المجتمع التمييزي ببضع مئات من اليهود تدير آباؤهم اليمن قبل مئات السنين، ونتحدث بإسهاب حد الاملال عن الديمقراطية والعدالة والمساواة. قطعنا مئات الكيلومترات لم نشاهد سيارة تنفث الدخان أو مكسرة، ولم نشاهد جندي مرور. أخبرنا أن نائبة الرئيس (وهي نائبة بحق) عاشت في عدن زمن الفصل العنصري وولدت ابنتها ودرست في كريتر لعشر سنوات. طلبت هذه المناضلة والتي كانت رئيسة المجلس التشرعي، من رئيس البرلمان اليمني زيارة اليمن، وضاع الوعد.
في بريتوريا استضافنا السيد السفير الخلوق الباحث علي الغفاري، وشاهدنا دار الرئاسة مسيجاً بالباعة والناس، وليس بجواره جندي أو حراسة أمنية أو حتى جندي مرور، ولم نشاهد صوراً تغطي الجدران أو تملأ الشوارع والطرقات لزعيم اسطوري وعالمي حرر بلاده من أسوأ نظام فصل عنصري، ثم ترك الحزب الذي اسس والبلد الذي حرره وانغرس في قلب الخمسين مليوناً في موطنه، وفي القارة كلها بل في قلوب ملايين الملايين من البشر.
لم نتمكن من زيارته، لمرضه الشديد، ولكنا شاهدنا آثاره العميقة والعظيمة في موطنه ومواطنيه، والحديث عن جنوب افريقيا يطول، اجتماعاً ومجتمعاً وحضارة وثقافة وأدباً.
اشتركنا مع الافارقة في رقص «الهقفة» المزرمفرقية الوافدة من افريقيا.
ساعدتنا في التغلب على حاجز اللغة جميلة علي رجاء عضوة الوفد، وأمل الباشا منسقة البرنامج ونادراً أصاف ممثل المفوضية الاوروبية.
تجربة جنوب افريقيا أشعرتنا أن النماذج العربية زائفة حتى في ارقى حالاتها. فشل العرب في الثورة والتحديث والبناء والديمقراطية. ورغم الدعاوى الطويلة العريضة فهم محجوبون عن رؤية الحرية والديمقراطية والعدل، وعن أنوار القرن السابع عشر في اوروبا. حزنت وأنا أستمع من «الجزيرة» إلى تعليقات باحث سعودي يتحدث عن تقرير شبه رسمي عن حقوق الانسان في العربية السعودية وكأنه منجز من أهم منجزات القرن الواحد والعشرين ولا تثريب عليه.