منى صفوان – اليمن بلا يسار

منى صفوان – اليمن بلا يسار

من المهم أن يكون هناك تيار يساري في البلد المحافظ، الديمقراطي، الذي تبرز فيه قوى يمينية متعددة ومتحالفة بقوة. ووجود حزب اشتراكي وحيد وضعيف، لم يعد يفي بالمهمة، إضافة إلى أنه حزب ضاعف من تخليه عن يساريته.
فالاشتراكي حذف من أدبياته كثيرا من المعاني اليسارية، وخفف من أيديولوجيته؛ وبشكل ما هو وحيد كفاية بما يسهل الاستقواء عليه ليفعل ذلك. فإنه حين يهاجَم، يهاجَم بسبب يساريته، التي عُدَّت تهمة أصبح ينفيها بشكل ما.
وهنا فقد الاتجاه اليساري، الليبرالي، في البلد، متكأً سياسيا قويا يستند إليه، وبقي الاتجاه نحو الديمقراطية والحرية والمساواة الاجتماعية وكل المعاني التغييرية والحداثية والثورية، دون سند سياسي أو تيار قوي يدعمه. وهذا الاتجاه الذي يتبناه بعض الحقوقيين والمثقفين والصحفيين والكتاب والسياسيين، بقي اتجاها أعزل، أثر على ضعفه وجود كل القوى السياسية والحزبية في اليمين، بتحالف مع سلطات المال والنفوذ والسلطات التقليدية المحافظة والمؤسسة العسكرية والقبلية.
وكان الاشتراكي مقطوع التأثير بكل هذه القوى والسلطات، خاصة بعد الخلل الذي أصاب توازن الحياة السياسية بعد العام 94، واستبعاد قواه وثروته وسلطاته ورموزه السياسية. هذا له علاقة بكونه بقي وحيدا، وسهل التخلي عن يساريته. لذا كان هو مهندس اللقاء المشترك.
فقد كان الاشتراكي يعي ما يحدث له من عملية إقصاء وإضعاف منظمة، يساعد فيها التوجه المحيط نحو اليمين المحافظ والقوى المؤثرة لليمين المتطرف؛ لذلك فقد توجه لإنشاء تكتل يستفيد فيه من قوى هذه التوجهات المختلفة عنه؛ ليؤمن نفسه منها، بعد أن كانت سببا في جعل يساريته تهمة دينية وخروجا على قيم المجتمع، وهذا ما خلخل شعبيته، وليستفيد من نفوذها وقوتها ليضمن بقاءه معارضا أمام الحزب الحاكم.
وكون الحزب الحاكم حزباً دون أيديولوجية ودون توجه فكري محدد، إلا أنه يميني محافظ، فهذا ساعد على تقوية كل فصائل اليمين السياسي، وزاد تأثير عزل الاشتراكي وإضعافه.
وعند وجود اليسار في تكتل واحد مع أكثر قوى اليمين تطرفا، فإنه كان هناك احتمال لتهجين سياسي جديد وسطي بين الليبرالي والمحافظ، يحافظ على توازن الحياة السياسية والاجتماعية معا. وكان الاحتمال الآخر بتأثير الأقوى هو الاحتمال الذي سيطر خلال عمل المشترك، وظهر تأثيره اجتماعيا.
المشترك، خلال سنواته الست، قوّض من التوازن المفترض؛ لأن توجهه كان نحو اليمين دائما، وكانت مواقفه محافظة من كل المبادرات السياسية التغييرية. غير أن بقاء الاشتراكي، دون اللقاء المشترك، كحزب يعمل منفردا، لم يكن أيضا ليضمن توازن الحياة في البلد؛ لأنه ليس لديه القوة التي تمكنه من الدفاع عن الاتجاه الليبرالي، أو عن تواجد قوي منفرد لليسار. ليصير الميزان السياسي، الذي كان متأرجحا لصالح قوى أكثر ثقلا، يميل بقوة لكفة واحدة، بينما بقيت الكفة الأخرى فارغة تماما. هذا الفراغ برر وجود التيار التغييري يواجه لوحده ويعاني من تكتل الجميع ضده.
وهذا هو السبب في التراجع الاجتماعي، والرجعية الثقافية التي حدثت. فقد انتشر اللباس النسائي المحافظ، ذو البعد السياسي الإسلامي، خاصة في المحافظات الجنوبية، وانتشر التوجه الديني المتطرف بين أوساط الفئات والطبقات الاجتماعية المختلفة. وقد زادت مع ذلك الأمراض الاجتماعية، وتراجعت القوانين والتشريعات الوطنية التي تدعم الحرية والمساواة والمشاركة المجتمعية والمرأة، وأصبحت تسن قوانين تمييزية وفئوية، وزاد التضييق على حرية الرأي والتعبير، وملاحقة الصحفيين، وقويَ نفوذ التيار اليميني المحافظ في المؤسسات التشريعية وباقي مؤسسات المجتمع؛ في مقابل بقاء قلة ليبرالية تعاني التضييق.
ومع الترويج للثقافة الحقوقية، وجد الناشطون أنهم لا يستطيعون منع الانتهاكات التي تحدث، دون سند سياسي، وحاولوا إشراك المشترك، خاصة الاشتراكي، في ما يقومون به، لكنهم عانوا من ضعف تأثيره، في مقابل أن الإصلاح لم يكن بذلك التفاعل المرجو؛ للقضايا التي تختلف أو التي لا تهتم بها أيديولوجيته؛ برغم أن الإصلاح بعد العام 2001 حاول إبعاد صفة التطرف عنه وتهمة “القاعدة”، فاتجه للمجتمع المدني، وأكثر من صلاته بالمنظمات والسفارات الأجنبية، وأدخل مصطلحات جديدة على خطابه السياسي، مثل “الحرية”، وقد ساعده في ذلك وجوده في تكتل واحد مع الاشتراكي، الذي أسهم بدوره في الدفاع عنه، وكونه ليس حزبا متطرفا. ولكن الإصلاح حتى الآن لم يحسم موقفه في كثير من القضايا، مثل المشاركة السياسية للنساء والتي لم يزل يعارضها، وهو موقف أثر في تكتل المشترك، وبالذات في الاشتراكي، الذي تخلى عن مرشحاته الاشتراكيات وعن دعم المرأة. وتخلي الاشتراكي عن دعم مثل هذه القضايا جعل التوجه نحو التنمية الديمقراطية فعلا لا يقوم به السياسيون.
فالتنمية الديمقراطية هي عمل ينادي به اليوم من ينادون بحرية الرأي والتعبير، ومشاركة ودعم المرأة، ووقف الانتهاكات، خاصة ضد الأقليات، ونزاهة واستقلال القضاء.
إنهم تيار غير سياسي يمثل قوى الليبراليين واليساريين والحداثيين، في المجتمع المحافظ، يحاولون التمتع بالحرية الشخصية لجعل هذا المجتمع أكثر توازنا.
ولم يعد يعوِّل هؤلاء على عودة قوية لليسار السياسي، أو احتمال وجود أحزاب تدعم ما ينادون به؛ فمن المحتمل أن يزيد خفوت الاشتراكيين وتنقص مواقعهم، في مقابل اكتساح أكثر للإصلاح، هذا إن لم يختفوا تماما في البرلمان القادم؛ وعدم تواجد تمثيل لهم في البرلمان، يعني موت اليسار.
كما أن التواجد الخافت ليس هو المطلوب من حزب عليه أن يكون الكفة الأخرى والقوة التي عليها أن تكون ثقيلة بما يكفي لضمان بقاء التأرجح على الأقل.
وغياب التمثيل السياسي لليسار، سيعني أن اليمين، بتقلص كتلة اليسار في حياته السياسية والثقافية، سيزيد من التضييق على الهامش الديمقراطي، ومحاربة حرية الرأي والتعبير والصحف المستقلة، وزيادة ملاحقة الصحفيين، وزيادة تراجع القوانين، وبالذات قوانين الأسرة، وزيادة الانتهاكات الحقوقية…
ذلك سيبطل ترسيخ ثقافة الحقوق والدفاع عنها، وسيزيد من الانتهاكات، وسيضعف إرساء دولة قانون، وسيكون السبب الرئيس في تراجع مستوى مشاركة المرأة، ليس فقط السياسية، بل على كل المستويات.
إن الثقافة التقليدية والفكر السلفي والممارسات الرجعية ستسيطر على المسار السياسي والاجتماعي أكثر من الآن.

“كوتا” لليسار
 إن تراجع مؤشرات الحرية والمشاركة السياسية، والتضييق على الثقافة الحقوقية، هو نتاج غياب اليسار في الطرف الآخر. وإذا كان اللقاء المشترك، الذي هندس له الاشتراكيون، لم يعد هو من يعوَّل عليه سياسيا، فلا بد من وجود قوة بديلة تدعم توجه اليسار، وتوازن كفتي الميزان.
ولأنه لا توجد أي قوى يسارية في الساحة، التي لم يعد يحركها الآن ويضمن تفاعلها إلا المجتمع المدني بما يضم من ناشطين حقوقيين، منهم صحفيون مستقلون؛ فإن هذا المجتمع هو البديل السياسي لغياب كفة اليسار. وكونه يريد البقاء مستقلا، فإنه سيبقى بعيدا عن دائرة التأثير السياسية، التي تسيطر عليها الأحزاب.
فلا توجد له حصة نسبية في المشاركة السياسية، فهذه المشاركة محصورة على كل القوى التقليدية، من الأحزاب إلى القبائل إلى المؤسسات العسكرية، في غياب للمثقفين والنساء والأكاديميين.
وهذا التيار لا يوجد له حزب يدعمه، وهو لم يطالب حتى الآن بالتمثيل السياسي له في المؤسسات التشريعية، في بلد ديمقراطي على جميع الفئات والتيارات والتوجهات أن تشارك فيه.
[email protected]