“نافخ الكير”.. ودرهم الراشدي – محمد ناجي أحمد

“نافخ الكير”.. ودرهم الراشدي – محمد ناجي أحمد

حين نغادر أيديولوجياتنا المأزومة بالحقد وتصفية الآخر، وتفكير يقوم على المقدس والمدنس، فإن هناك دوماً من يكون جاهزاً لتفيُّد ذلك الخطاب من الذاكرة المؤرشفة، تلك الذاكرة التي وضعت عقد الثمانينيات كسقف أخير لتلك العقلية التي أنتجت سلسلة من الأزمات والإعاقات. ولأنها كانت عائقاً ذاتياً وكابحاً لأي تحول أو تراكم حقوقي، فإن هناك من يقوم بوظيفة البكاء عليها بعقلية كهنة المعابد الحريصين على نذورها.
لم تتجذر الثورة الفرنسية بمقصلة روبسبير، ولكنها نمت بطريقة تفكير توفيقية تنقل المجتمع بشكل تدريجي نحو الحرية والإخاء والمساواة، ذلك كان دور مونتسكيو وروسو وجون لوك… وما كان لفرنسا أن تؤثر في المحيط العالمي كثقافة إنسانية وهي تحمل تراث “المقصلة”، ولكنها أثرت العالم بطريقة تفكير حقوقي تنافت مع “مقصلة” الثوريين.
إن لغة الشعر الجماهيري المؤسس على الوزن والقافية والمعنى الثوري الذي يدغدغ عواطف “الأمّيين” هي وسيلة الطغاة في مصادرة الأحلام وإبقاء الحال في مستوى العويل، وربما السب على طريقة بلاهة الأعرابي وهو يشاهد من مخبئه من يسرق إبله قائلاً: “أوسعتهم سباً وأودوا بالإبلـ”؛ هذه اللغة الشعرية المستهلكة لأدوات الجماهير التي ألفت التشبيهات والاستعارات، وطربت لها، تجد نفسها أسيرة هذا النوع من التفكير الشعري، الذي يجيد الطغيان عبر الأزمان توظيفه واستثماره، على منبر الخطابة، أو منصة التجمهرات، دون أن ينسى استخدام الشيء الكثير من الإطناب وتمهيد الجمل بطريقة تكرارية، ويعي أنها لازمة ومهمة في التخاطب مع جماهيره المخدرة بالغنائية المتراكمة عبر التاريخ منذ امرئ القيس، الشاعر العربي المشهور بيمينه وبره به حين ألبس أعداءه من بني أسد الدروع المحماة وكلحهم بالنار، وشرب الخمرة في قحف رأس “الأشقر بن عمرو” سيد بني أسد، انتقاما لوالده ملك كندة (انظر: تاريخ العرب قبل الاسلام، الجزء الرابع، الفصل الثالث، الدكتور جواد علي، ط المجمع العلمي 1955). وحتى طريقة أحدهم في عدد “الشارع” الأسبوع الماضي، حين ساق لغته المعتادة مثل قوله: “حالة فعلـ”، “حالة حسم”، “حالة كفر” أو “الجرح الساطور”، “العنق أصبعاً”، وقوله: “سرعان ما يصبحون أزرارا في معطف السلطة، وهراوات ناعمة في قبضتها…”. ولأن هذه العقلية الاستعارية والتشبيهية التكرارية لا تستطيع التفكير والتحريض خارج هذا النوع من اللغة، والتماهي مع لغة امرئ القيس الاستعارية وروحه الانتقامية، فإنها حينها تنتقل إلى توصيف الخصم، لا تجيد سوى رسمه على أنه “خليط اجتماعي سياسي مشوه”، فالتحالف الحاكم (بين العسكر والقبيلة والتجار ورجل الدين) لا يحضر بهذه الكيفية التي يمكن تفكيكها وخلخلة تحالفها بعقلية سلمية متخلية عن الإلغاء ومقاصل الإعدام وصناعة الشهداء. المطلوب من هذا التوصيف الذي يوحد المختلف والمهيمن ويقدمه باعتباره كتلة صماء يتم إدراجهم جميعاً على أنهم قد صهروا في “القبيلة”، فهي في نظر هذا النوع من التفكير الذي يخدم ما نحن عليه من تخلف وهيمنة كقوله: “في واقع الحال، هي كل هذه الشبكة الناشطة على هيئة مؤسسات وشركات عصرية وألوية عسكرية وأنظمة جباية، والممتدة من أقصى نقطة برية إلى أقصى نقطة بحرية في الخارطة السياسية لليمن”. هذه لغة، بكل عنفوانها السطحي، تصب -من وجهة نظري- في خدمة عنف “المستبد” الذي اعتاد السير على هكذا لغة، تراوغ حين تصف المعوقات السياسية والاجتماعية من خلال لغة شعرية تعزز من وحدة التحالف الحاكم لتجعله حلفاً مصيرياً يصعب تفكيكه ويستعصي على التحولات والتغيير، لكنها حين تصف خصومها من الضحايا المستضعفين المدنيين تؤكد أنهم شركاء في الجريمة، بل وتصل هذه اللغة إلى حد تحميلهم جريمة قتل الدكتور درهم الراشدي، طالما وقد أصبح القتلة الحقيقيون في لغة “نافخ الكير” التي لم تستطع لدى أحمد مطر أن تغير حاكماً عبر التاريخ المعاصر للعرب، ولكنها كانت تسلية لـ”الجماهير” حين تشاهد بلاهتها وقد أصبحت سلعة رائجة، هم المستهلكون الوحيدون لها!! نعم حين يصف الضحايا الذين يشبهونه فإنه يتألق في جلدهم بلغة لديها رواج في شارع يعشق جلد الضحايا، فما بالك وهو يجندلهم ليصبحوا “أزرارا في معطف السلطة وهراوات ناعمة في قبضتها”. بعدها مباشرة لا ينسى أن يأخذ لهم صوراً فوتوغرافية، فهم “امتداد طبيعي” لسلالة بورجي، وشاهر، والصوفي، والحبيشي، وبن دغر، ونصر، ومنصور، والأصبحي.
نعم، إنهم “سلالة” مقصية من الأنسنة في هذا الوعي الذي لا يجيد سوى النظر إلى المختلف باعتباره شراً محضاً، فالحياة لا تتسع لأكثر من اللون الأبيض والأسود، أما تلك “الشريحة من كتاب الصوالين وأساطنة النقد المستريح ومحترفي الفرجة وكائنات المنطقة الرمادية” هؤلاء لا مكان لهم في التفكير “الثوري”، “المتفيد” لأرشيف أيديولوجي تجاوزه أصحابه، دون أن يلتفتوا إلى ضرورة إتلافه، حتى لا تتسلل إليه عقليات تجيد الرقص مع الجماهير، لكنها لا ترقص بالمجان!!

رسالة إلى رئيس الجمهورية:
الأخ رئيس الجمهورية اليمنية.. إن الرئاسة تعني وجود دولة بكل مقوماتها، وفي مقدمتها الأمن والعدالة للمواطنين وبينهم. لكن ما يحصل من استهانة بدماء وأعراض وأراضي وأموال أهل إب وتعز والحديدة، يجعلني في حيرة من أمر هذه الدولة التي يفترض أنها دولة يتساوى فيها الجميع حتى وأن أضيف إليها صفة الدولة البوليسية، وهي رغم ما يشوبها من قمع وخوف يظل اسمها دولة يتساوى فيها الجميع ولو بالخوف منها، لكن ما يحدث، حين تنهب الأراضي وتغتصب الأعراض وتقتل الأنفس، يجعلنا نتساءل أهذه دولة، أم حمى للقبيلة؟! نوشك أن نقع فيها جميعاً، فلا تبقى مدينة ولا أحلام بمدن.
الأخ الرئيس، حين يقتل صديقي وأخي العزيز درهم الراشدي، الذي عرفته في سورية وليس في “قَدَس”، لأنني رغم انتماء أبي وأمي إلى “قدس”، إلا أنني ولدت وترعرعت في حارة “وادي المدام” التي ضمت في السبعينيات أبناء اليمن شمالاً وجنوباً، وترعرعت فيها على لغة توافقية تجمع بين لهجة “صبر” ولغة “الحجرية” وعدن وأبين والعدين والمخلاف، وبين أطعمتهم وملابسهم وثقافتهم. أقول هذا استدراكاً لأي تفسير قروي يمكن أن يكون جاهزاً لدى البعض لتفسير هذا الألم على فقدان صديق بطريقة بشعة ليس فيها ذرة من أحاسيس تنتمي إلى عالم ما بعد الإنسان المتوحش، وهي مهينة لوجود وكيان الدولة. إن ما يؤكد ويعزز وجود الدولة هو هذه الفئات العاملة في مجال الزراعة والتعليم والطب وعمال المصانع، والحرفيين، والعسكر، والمثقفين، والتجار… بدون هذه الفئات يصبح وجود الدولة مسألة افتراضية وضرباً من الخيال. وحين تعجز الدولة عن القبض على القتلة ومحاكمتهم والقصاص منهم، فإنها تعلن من خلال عجزها عن عدم وجودها وأنها تابعة لأنماط عصبية نافية لها. وحين يعلن وزير الداخلية عدم معرفته بتفاصيل الجريمة وعدد المشتركين، أو يعوِّم الجريمة بأنها “واحدة بواحدة”، أي روح المتوفي والبالغ من العمر خمسة وثمانين عاماً مضافا إليها جمع من الأمراض المؤدية إلى الوفاة الطبيعية، مع قتل طبيب حاصل على درجات علمية رفيعة كل جريمته أنه كان إنسانا يشعر بحق مرضاه بالمحبة والدفء؛ هذا المنطق الذي قد يحمله وزير الداخلية كما صورته الصحافة، يجعلنا في خوف من دولة تشارك مع خصومها في وأد أحلام سبتمبرية مضى عليها عقود وما زلنا نؤمن بها ونحلم بأن غداً سيكون أجمل. يمكننا أن نقف مشدوهين أمام تصريح المسؤول في وزارة الداخلية يتحدث عن أن القتيل يخص في الدرجة الأولى وزارة الداخلية، كون القتيل درهم الراشدي أحد منتسبيها حين كان يعمل طبيباً في مستشفى الشرطة، ثم لا ينسى هذا المسؤول أن يتبع ذلك بأن وزارة الداخلية لديها أكثر من مائة جريمة قتل ما زالت تلاحقها منذ سنوات، وكأنه أراد أن ينتزع ولاية الدم ثم يتنازل عنه من خلال تعويم الجريمة وسط عشرات ومئات الجرائم التي لم تستطع وزارة الداخلية القبض فيها على القتلة.
الأخ الرئيس من مصلحتي ومصلحتك أن تكون لنا دولة، فأنا ليس لي مصلحة في الرجوع إلى أشكال قروية ومناطقية غادرها أبي إلى عدن منذُ ما قبل الثورة بعقدين، وحين قامت الثورة يمّم وجهه شطر مدينة تعز كي تصبح سكنه وملاذه حتى اليوم. وليس من مصلحتك غياب الدولة، لأن فيها نفوذك وقوتك إن أحببت. ما أريده هو العدل والحرية والكرامة والمساواة، وسأستمر في التعامل مع الانتخابات الرئاسية باعتبارها عبثاً لا يعنيني.
الأخ الرئيس، إن “الرعوي” هو أساس دولتك، وحمايته وتطويره وتحويله إلى مواطن، مثل ما عليه من واجبات فإن له حقوقا، يجعل الدولة أكثر قوة وأكثر ديمومة. إن مقتل صديقي وأخي درهم الراشدي لم تكن مسألة ثأر، وإنما قُتل ظلماً وعدواناً مثله مثل “رعوي” إب وخطيب مسجدها وغيرهم من الذين قتلوا ظلماً، تلك الجرائم التي ارتكبت استهانةً واستخفافاً بدم من آمن بالدولة ورفض كل الانتماءات السابقة عليها، إيماناً منه بأن الانتماء إلى العصبيات القبلية والمناطقية الرخوة، هو تعزيز لبقاء القتلة ومشروعية لاستمرار الهيمنة القبلية التي يحاول كثيرون تصويرها وكأنها المعادل الموضوعي لليمن!! ناسين أن الملايين الكثيرة قد تخلت منذ عقود –ربما تعود إلى بداية القرن العشرين– عن تلك العصبيات مقابل الانتماء للدولة الممثلة والحاضنة للجميع.

عودة إلى موضوع الخيواني
أن يعلن في الصحافة أن محكمة الاستئناف قد أيدت حكماً بالسجن للكاتب عبدالكريم الخيواني، وذلك بعد عفو رئاسي أغلق سابقاً فصول مسرحية إذلال كاتب ليس لديه من خصومة سوى غياب صورة الدولة التي نبتغيها، ذلك في رأيي يجعل الخصومات تأخذ أشكالاً أقلها أن الدولة شكل افتراضي في أذهاننا، وما هو حاصل وواقع هو خصومات شخصية لا تجيد انتقاء أضدادها، فحين يكون الطرف الآخر في الخصومة فرداً ليس له من قوة سوى قلم يكتب به في مجتمع ينقسم إلى قبائل جاهزة للفيد ومتفيدين للأيديولوجيات مأزومين بأحقادهم، ومساحة كبيرة من الأمّيين الذين لا تصلهم كتابات الخيواني، هذه الخصومة بين الدولة والخيواني تصبح مهزلة وغير مبررة، وليس لها تفسير سوى أننا نعيش في دولة تمعن في نقض جدية وجودها، وبطريقة يصعب على العقل فهم منطقيتها. الخيواني مثقف نبيل، قارئ شغوف، يمكنك أن تناقشه في أي لحظة تلقاه، تجده ذلك المتفاعل مع ما تطرحه ومتجاوباً مع ثقافتك، أديب وقارئ وصحفي مثير للقراءة، في كل الأحوال ليس فيه صفة يمكن أن تثير رعب الحكام، فهل يمكن لهذا الابتزاز النفسي تجاه الخيواني أن يتوقف؟

اتحاد الأدباء… مرة أخرى
عندما نكتب عن اتحاد الأدباء مطالبين بإحداث تغييرات في بنيته ووظائفه، في مبناه ولوائحه ونظامه الأساس، فتلك كتابة تهدف إلى إصلاح هذه المؤسسة التي تعاني من أزمة في بنيتها، ناهيك عن أدائها الذي تحول إلى ما يشبه منظمة حقوقية وظيفتها لا تتجاوز الشجب والإدانة، دغدغة للعواطف التي نشأت على الهتاف وثقافة: “يحيا يحيا يحيا… يسقط يسقط يسقط…”، كل ذلك يمكن له أن يمارس وظيفته التخديرية، لكن الاتحاد كوظيفة وآلية ونظام أساس سيظل كما هو، وكل الذين نقدوه سيظل نظرهم دوماً باتجاه الانتخابات القادمة والترشح في مؤتمره القادم. ما ينطبق على اتحاد الأدباء يمكن تعميمه على نقابة الصحفيين وكثير من الاتحادات والنقابات، لذلك ولكي أكون متسقاً مع حاجاتي وآرائي تجاه هذا الاتحاد فإنني سأحافظ على عضويتي الفخرية فيه، لكنني لن أدخل الانتخابات القادمة لا مرشحا ًولا ناخباً؛ حتى لا يصبح ما نكتبه مجرد وسيلة انتهازية للوصول إلى هيئاته القيادية، ثم بعد ذلك ننخرط في الآلية التي كنا ننتقدها!
أتمنى من كل الذين شاطرتهم الرأي، أن يتسقوا مع كتاباتهم وأن يكون لهم وقفة تنسجم وآراءهم…[email protected]