عن مصير المشترك – ماجد المذحجي

عن مصير المشترك – ماجد المذحجي

تقود الانتخابات في اليمن السياسة إلى ملعب ضيق على الجميع، حيث يصبح التخمين والانتظار وظيفة السياسيين من خارج المربع الحاكم، وعلى الكتلة الكبيرة والخائفة من الناس، التي تراقب مضي الأمور، أن تظل كذلك ببساطة دون أن يأبه لها أحد. لا شيء واضح، ويبدو الحال متعلق فقط بتأكيد القوة من قبل سلطة تستمتع عادةً بإضعاف خصومها تماماً، ومن ثم نزع مصداقيتهم بصفقة اللحظة الأخيرة، حيث يُمكن اللجوء إلى تسويات تخفض سقف الخطاب المرتفع في مواجهتها وتسويته بالأرض.
المضي في أمر الانتخابات بدون الآخرين يبدو قرارا نهائيا حتى الآن، ولكن استقرار ذاكرة الناس على اختناقات سياسية سابقة وصلت فيها الأمور إلى حد خطير، ومن ثم انفراجها فجأة، يجعل التقدير العام عن مآل الأزمة الحالية شبيهاً بسابقاتها، حيث لا تجرؤ كافة الأطراف على رفع السقف في مواجهة الانفراد بقرار الانتخابات والنزول للشارع، باعتباره ذلك موقفا سياسيا فعليا وإيجابيا يضع البلاد أمام اختبار حقيقي للديمقراطية ويعززها فعلياً.
في هذه الظروف يستيقظ سلاح السلطة المعتاد: إنفاق المال العام لشراء الولاءات وشق الخصوم، التشويش وإثارة الشائعات والتعريض بالسمعة، تفعيل أدوات الترويع الأمني على الأرض، علاوة على بعث الروح في الجسد المترهل للمؤتمر الشعبي في كل مكان باليمن ليلعب دوره في مواجهة الجميع، سواء باتجاه الانتخابات فعلياً، أم لإدخال ذلك كورقة ضغط إضافية في التفاوض الصامت حالياً مع اللقاء المشترك.
بوسع السلطة الاستمرار دون شركاء، ولكن مخاطر ذلك أكبر بكثير الآن مما سبق، حيث البلاد كلها تشهد تفجراً واستيقاظ لأزمات واحتقانات حديثة وقديمة. كل ذلك له علاقة مباشرة بسوء إدارتها وشكل العلاقات والتسويات الذي تعمد إليه في التعامل اليومي مع كافة المناطق والجهات في اليمن. لم يعد الأمر سهلاً، وهناك حاجة لوجود الطرف الثاني (اللقاء المشترك) ليمكن تمرير الوضع على الأقل مؤقتاً، وليس تحمله بالكامل منفرداً.
استرخاء اللقاء المشترك ضمن مشروع التشاور الوطني، والاعتماد على “وساطات” دولية غير فاعلة حتى الآن، يساعده على تأجيل اتخاذ قراره في مواجهة الانفراد الحاصل بمصير الانتخابات، والسياسة، في اليمن. ولكنه لن ينقذه بالفعل من مواجهات استحقاقات إخراجه من النظام السياسي، الذي يتواجد فيه عبر البرلمان، إذا تمت الانتخابات بالفعل دونه، أو حتى إذا اتفق في لحظة أخيرة على تأجيلها ضمن المدى المتوقع، ثلاثة أو ستة شهور، فذلك زمن ميت، ولن يكون كافياً لأن يتم التجهيز لأي شيء، خصوصاً مع وجود رغبة رسمية واضحة في خفض الضجيج تحت قبة البرلمان حتى الحد الأدنى وتوسيع احتكاره للتمثيل فيه لأقصى ما هو ممكن وبأي وسيلة.
الاختيارات أمام المشترك محدودة، ومصيره معلق بقراره لا قرار الطرف الآخر، وهو يتعامل بكفاءة أقل مما يحتاجه الظرف الحالي. عليه أن يرفع السقف للأخير في ظل وجود نرجسية سياسية تريد احتكار بلد بأكملها، وليس البرلمان فقط، ويجب عليه التأكيد على مطالب تصحح الوضع كلياً، لا يكون أقلها -بالتأكيد- الأخذ بنظام القائمة النسبية، وتصحيح التمثيل الانتخابي بإعادة تقسيم الدوائر حسب التغيرات السكانية التي حدثت، والتي لم تُستوعب منذ تقسيم الدوائر من قبل أول لجنة عليا للانتخابات عام 1992، كون استمرار الحال هو ببساطة خرق للمادة 63 من الدستور، ويكرس إقطاعيات مغلقة للسلطة في عدد كبير من الدوائر، ولا يعكس الناس بشكل عادل وحقيقي في البرلمان!
إن تخلي السلطة عن أي شركاء في اندفاعها الآن، وإلغاء الجميع، يعني ببساطة احتياج المشترك لتوسيع دائرة شركائه في مواجهتها، لتعزيز تمثيله السياسي ولخلق امتداد وطني لموقفه. أي أن عليه التخلي عن احتكار “المعارضة” والاعتراف بتمثيلات جديدة لها في اليمن، شمالاً الحوثيين وجنوباً الفعاليات الجنوبية، والتحرك لإنجاز تشاور فعلي معهم لإنجاز أجندة عمل وطنية عاجلة في مواجهة سياسات قائمة تغلق دائرة حكم هذا البلد، وإدارة شؤونه، وتطرد الجميع فعلياً. الأمر يحتاج إلى الإنصات فعلياً لمخاوف ومطالب “الجنوبيين” و”الحوثيين”، وعدم التعالي عليها، والتوقف عن احتكار توصيف الوطنية والنزاهة، والتعرف دون موقف مسبق على تصورهم عن اليمن وما يجب أن تكون عليه؛ باتجاه استيعابهم فعلياً في عمل سياسي إيجابي على الأرض يحول استمتاع السلطة المعتاد، بإضعاف الجميع، فرصة لإضعافها هي بالذات، وتفكيك التصور القائل بقدرتها الأبدية على السيطرة على الأمور واحتكار المبادرة من بين الجميع.

[email protected]