ماركس وهذه المرأة المنتهكة – منصور هائل

ماركس وهذه المرأة المنتهكة – منصور هائل

يوم قال الفرنسيون إن امتهم أخذت على حين غرة، اشتط كارل ماركس الشاب وقال: «إن الأمة والمرأة لا تغتفر لهما تلك اللحظة التي تفقدان فيها الحذر ويتمكن أول مغامر يمر بهما أن ينتهكهما إن جملاً كهذه لا تستطيع حل اللغز بل تصوغه فقط، ولا تزيل ضرورة تفسير كيف يستطيع ثلاثة نصابين أن يأخذوا على حين غره، ويأسروا أمة تعدادها ستة وثلاثين مليون نسمة».
ترى كم يبلغ تعداد الرؤساء والملوك الذين يشكلون قوام مؤتمر القمة العربية؟
المؤكد أنهم ليسوا ثلاثة نصابين فقط، ولا مجال لمقارنتهم بأولئك الذين أختطفوا فرنسا، أو لإسقاط ما قاله ماركس عليهم، وعلى حالة الامة العربية التي غدت منابرها الفضائية والاعلامية، ومساجدها ومسيراتها تستمطر لعنات السماء على الأعداء من اليهود والنصارى، وتلوذ بالماضي وتعاويذه وأناشيده وأيقوناته لمجابهة تحديات الحاضر.
وثمة ما يستحق الالتفات فيما قاله ماركس قبل أزيد من قرن ونصف.
فهو ألمح إلى أن العجز، كما هي الحال دائماً، يلجأ إلى الاعتقاد بالمعجزات (…) ولعل في ذلك بعضاً من التفسير لصرخة «النصر الإلهي» التي تعوي في الأرجاء كلما قيض لنا الخروج من تحت الانقاض.
وفي السياق حفر كارل ماركس عميقاً في طبقات التقليد الساخر للصراع القديم، والتماهي الكاريكاتوري ببطل الامس، وإستعارة الكلام والعواطف والأوهام من «العهد القديم».
وتناول التجويف والتبويق، والتنكر بالأثواب القديمة، و«الزعيم» الذي يخفي ملامحه المنفرة والتافهة خلف أقنعة حديدية، عند احتدام الازمات، وكأنه يغمز من بعض المتشبهين بجمال عبدالناصر، أوالذين يمعنون في الرجعة إلى عصور منقرضة ويهتفون:
 «وامعتصماه»!
ولما كان يتناول شخصية كاريكاتورية تسربلت باسم نابليون بونابرت الميت، واستحضرت التواريخ والتقاويم والأسماء والمراسيم القديمة، التي غدت موضوعات لهواة الاشياء القديمة.
ولأنه كان يشرح حالة «الزعيم» النصَّاب المتواري خلف شعارات الثورة والجمهورية فقد طاول تفاعلات الشارع وحركات المعارضة بمشرط النقد اللاذع لأنها كانت تستمد قوتها من شعارات وأشعار الماضي، ومن التمجيد الخرافي للأسلاف، وتخدع نفسها باستحضار البطولات الغابرة وتعويمها في الراهن.
كان ذلك كارل ماركس الشاب أواخر عام 1849 في مقالاته النقدية التي صدرت بكتاب «الثامن عشر من برقمير لويس بونابرت»، وهو لم يكن من أصحاب الرسالات والتنبوءات، بقدر ما كان ناقداً يقف على الضد من مهرجانات الذهان والهيجان الجماعية التي تعقد الرهان على المقابر، ولا تعول على ابتكار الذات من باب اكتشاف الأخر ومحاورته.

[email protected]