«غَزَّة» حرب إبادة بامتياز!!! – عبدالباري طاهر

«غَزَّة» حرب إبادة بامتياز!!! – عبدالباري طاهر

الأسئلة الناجعة التي تطرحها على الضمير المؤرق والوجدان الموؤد والمفجوع: هل انتصرت غزة؟! هل انتصرت المقاومة؟! هل انتصرت الممانعة؟ وهل تمَّت ممانعة؟ وفي إسرائيل المزهوة بشرب الدم الفلسطيني، وتخريب دياره، وتقليع أشجاره، وإبادة الحياة بكل المعاني في غزة، يتساءل ذئاب ونسور الحرب هل حققت الحرب أهدافها؟ هل هو نصر مكتمل أم منقوص؟ وربما تكشف معركة الانتخابات المُعمَّدة بالدم الفلسطيني معاني خسيسة وفضائحية لهذه الحرب الإبادية القذرة.
ماهو مؤكد: أن حرب إبادة قد شُنت على غزة لواحد وعشرين يوماً مسَّت كل شيء فيها، فالقتلى أكثر من ألف وثلاثمائة، معظمهم من الأطفال والنساء، وغالبيتهم من المدنيين.
ومؤكد أيضاً: أن الحكم العربي -ومنه السلطة الفلسطينية- قد وقفت موقف المتربص تنتظر -على أحر من الجمر- الخلاص من المقاومة، وربما كان «الأُجرَأ»: عباس، حسني، أبو الغيط. مؤكد أيضاً أن قوة الردع الأسرائيلية التي شنت الحرب في جانب يعني لاستعادتها بعد حرب تموز 2007 في لبنان لم تتحقق اذا ما قيست بحروب إسرائيل الخاطفة وانتصاراتها الحاسمة ضد الجيوش العربية 48، 67، 83 واجتياح بيروت 5 حزيران82.
العقل العربي كالإنساني أحادي الرؤية وهو ما انتقده بقوة فيلسوف الماركسية بليخانوف كتسمية لينين. قرآءة الانتصار مجرداً وبعيداً عن حجم الكارثة المدمرة التي أحاقت بغزة أو ربط الانتصار بقلة ضحايا المقاومة خلل خطير، ثم أن الحديث عن الانتصار قبل استخلاص النتائج السياسية يعكس خلل في الرؤية المقاومة.
قمة المنتظرين «المتربصين في الكويت» كعادة هذه القمم العربية منذ ما بعد الخرطوم 1967 جيرت وقف الحرب للسيد حسني مبارك كبير المنتظرين ووحده السيد عباس من قدم الشكر والامتنان للمبادرة المصرية التي يدرك صناعها أن إسرائيل قد ذبحتها ببيان الذئبتين: (كوندي) و(ليفني) بل إن هذه الوثيقة الاستعمارية قد ضحت بالسيادة المصرية على مياهها الإقليمية ووضَّفعت المنطقة -كُلهَّا- تحت الوصاية الاستعمارية مجدداً وهو ما عبَّر عنه تنادي الدول الاوروبية لحراسة البحر الأحمر والشواطئ الأفريقية «لمنع تهريب السلاح».
قمة المنتطرين في «الكويت» تقفز عامدة على بسالة وصمود وأشلاء الأطفال في غزة، وعويل الأمهات واستغاثة الآباء، وتفجُّع الحيوانات وصراخ المساجد والمستشفيات والملاجئ والمدراس. صمود هذه الرموز هي التي حركت المظاهرات والاحتجاجات في مختلف بلدان العالم وأيقظت الشارع العربي، وحوَّلت النصر الإسرائيلي إلى «حرب إبادة» يعاقب عليها صناع «الهولكست» الجديدة وأجلس صمود غزة «المنتظرين» على خازوق كارثة آتيه لهم يصنعها عهد بوش الغارب، ووحوش إسرائيل.
محنة حكام العرب -غالبيتهم أو فلنقل كلهم- إن رؤيتهم لا تتجاوز محيط كراسيهم، وهذه الرؤية -دائماً- ما تغري صقور إسرائيل بالاندفاع إلى الحرب؛ لأنها تقرأ عقلية الحاكم العربي ولا تقرأ اصرار الطفل العربي على إرادة الحق والحياة والمقاومة.
في غزة انتصرت الحياة الفلسطينية على إرادة الموت الصهيوني الأمريكي والعربي في مستوى الحكم خيبت آلة الحرب الاسرائيلية الجهنمية آمال وأحلام الفاشية الإسرائيلية والمحافظين الجدد في البيت الأبيض والمنتظرين العرب في كسر إرادة المقاومة في فلسطين كما في لبنان. فبعد عشرين يوماً من القصف الجوي ب(أف 16)، و17 و«الأباتشي» واستخدام القنابل المحرمة دولياً، وتدمير كل تجليات ومظاهر الحياة: الإنسان، الزراعة، الأماكن؛ وجدتت آلة الحرب والإبادة أنها عاجزة عن إعدام الحياة أو القضاء على أرادة الحرية والمقاومة.
وبدون إنكار لدور المقاومة في حماس أو الجهاد الإسلامي أو الأقصى وكتائب الشهيد أبو علي مصطفى؛ فإن البطل الحقيقي يظل المواطن الفلسطيني الذي تصدى بجسده العاري الجائع والضمآن والمشرد لأقوى جيش في الشرق الأوسط ورابعها عالمياً، وثانيها في التقنية والمهارة والتكتيك. دماء أطفال فلسطين وحجارتهم الأقوى والأشد فتكاً من حجارة «جاليوت» هي التي تضع مجد وفخار فلسطين، وصنعت الانتفاضة الأولى والثانية. نقول لحكامنا- الآتين من مضارب داحس والغبراء ولعساكرنا المدججين بالأسلحة حتى إهدار دماء مواطنيهم، واغتصاب حياتهم وأمنهم وسلامتهم أليس من العار أن تظل يدك ممدودة لمن يصفعك صباح مساء.
إسرائيل ليست حريصة إلا على أمن إسرائيل حسب فهم قادتها -ومعهم كل الحق- وأمنكم لايهمها في شيء إلا اذا خدم مصالح إسرائيل، ولكن وصية أحد أهم قياداتهم التاريخية (ابن جريومه) لا تثقوا في اليد العربية الممدوة لكم، فهؤلاء الناس سلبناهم أرضهم، وطردناهم منها فالذي يمد يده إما خائن لنفسه وأمته وإما ماكر يريد استعادة قوته لينقلب علينا وكلاهما لاثقة فيه.
هذا الدرس البليغ لم يتعلمْ حكامنا في قمة الكويت. قال خادم الحرمين: إن مبادرة السلام لن تظل مطروحة على الطاولة. لقد قضت بضعة أعوام وهي مرمية لم تلتف إليها المعنية بها إسرائيل ولم يعرها الصديق الأمريكي اهتماماً وحتى كاتبها أو مكتشفها «توماس فريدمان» لم يعد يتذكرها.
لقد شنت إسرائيل حربها على لبنان لأكثر من شهر والمبادرة التي تحولت إلى عربية في لبنان 2003 مطروحة على طاولة قمة لبنان، واعتدت إسرائيل على سوريا واغتالت قادة حماس والجهاد الاسلامي، واعتقلت المئات من أبناء وقيادات الشعب الفلسطيني وحاصرت أهلكم في غزة لأكثر من عامين، وحتى صديقهم «محمود عباس» المحاصر في منزله لايستطيع التحرك فيه إلا بإذن من الحراسة الأمنية الإسرائيلية، واحتجاجاته الخافتة والأقرب للصمت لم تستطع إيقاف تقطيع أوصال الضفة الغربية التي يعتقد أنه يحكمها، والقوة الأمنية التي يدربها الأمريكان بتمويل خليجي كل ما تستطيعه هو التصدي للمتظاهرين المتضامنين مع إخوانهم في غزة.
فحتام تظل المبادرة العربية مطروحة الا يكفي تدمير جنوب لبنان والضاحية الجنوبية وتدمير بيروت وقتل الآلاف من أبنائه لاقناعكم بعدم رغبة إسرائيل والصديق الأمريكي بالسلام؟ ألا يكفي تهويد القدس والضفة الغربية؟ ثم ماذا بعد تدمير غزة وقتل ما يزيد على ألف وثلاثمائة جلهم من المدنيين وجرح ما لايقل عن خمسة آلاف، وتدمير مئات المنازل؟ إن التلويح بأن المبادرة لن تبقى طويلاً على الطاولة لايهم إسرائيل فهي لم تهتم بطرحها فما بالكم بسحبها. يصرخ عمرو موسى الذي حولته حرب غزة إلى ما يشبه كاهنة نجران: الموقف الفلسطيني وتناحره، والعربي وتناثره والدولي وتبعثره أوكما قال: يصرخ السيد عمر قبل سحب المبادرة لابد من إيجاد بدائل ثم يشير إنه في الجلسات المغلقة سيطرح البدائل، والحقيقة «إن فاقد الشيء لا يعطيه». ثم أليست هناك قرارات الأمم المتحدة منذ 48 وكلها قرارات ملزمة، وقد تخلى عنها السادات في «كامب ديفيد»، وتخلى عنها محمودعباس في «أوسلو ومدريد»، وتراجعت عنها المبادرة العربية إذ قبلت بما هو أدنى منها.
ولكن إسرائيل لم تقبل بها لأنها تريد من السلام الدم والأرض والمال العربي! أليست هذه البديل الحقيقي.
ويدرك «محمود عباس» «المنتظر» أن المبادرة المصرية لم توقف الحرب ولكن دماء وتضحيات أطفال ونساء وشيوخ غزة هي من أوقف الحرب التي عجزت عن كسر إرادة الحياة والحق والمقاومة. فمصر حسني مبارك صمتت عن حرب رفح المصرية، وتغاضت عن تدمير الأنفاق في الأرض المصرية، وشاركت في الحصار على غزة.
ميزة حكامنا أنهم لم يدركوا أن أطفال شعوبهم أكثر إصراراً وعناداً في الانتصار على إسرائيل وساداتهم الأمريكان، وأن هؤلاء الأطفال قد يدركون غداً أو بعد غد أن الانتصار على إسرائيل يعني الانتصار على الفساد والاستبداد. لاشك أن خطاب خادم الحرمين هو اللافت في قمة أريد بها ولها النّأي عن ضجيج المعركة ومآسيها، ولكن إنكسار العدوان بفضل صمود دم وأشلاء أطفال فلسطين قد أيقظ العقل والضمير والحكمة العربية ولو مؤخراً.
في بيروت انكسر الاجتياح الإسرائيلي فتبدلت المواقف!! أما في غزة فإن دم الأطفال شاهد على الفتاوى «الاسلامية بين مزدوجين والتوراتية بدون تقويس.
كانت فتوى مفتي المملكة أدانة صارمة وقاطعة للاحتجاجات المدنية المتضامنة مع أطفال فلسطين. أمّا القاضي «اللحيدان» فقد أعتبر المظاهرات والاحتجاجات التي عمت مدن العالم رجساً من عمل الشيطان، وغواية عن ذكر الله، وصداً عن سبيله، ولم يُشر بكلمة واحدة عن إبادة الحياة والناس في غزة.
وكان «حاخامات» إسرائيل أكثر احتكاماً وتقيداً بتقاليد الحروب في العهد القديم. الأولون احتكموا للقصر ولبرميل النفط. أما الحاخامات «اليهود» الأصليون قفد احتكموا لنصوص تأمر بإفناء ألف مقابل الواحد والمدنية كلها مقابل الدم اليهودي المقدس.
لا يراهن «محمود عباس» في محبسْ الا على السلام الإسرائيلي ولم يعتبر بمعركة «جنين» بعد طرح مبادرة السلام العربية بيومين، ولم يتعظ بقتل رفيقه الرئيس الشهيد أبو عمار. فهو يرفض المقاومة ويحملها مسؤولية حرب الإبادة.
يراهن «عباس» على القنوات الأمنية مع الموساد أكثر مما يراهن على المفاوضات المعنلة، ويراهن على الكرم الإسرائيلي بأكثر من الرهان على دم الأطفال الفلسطينيين أو المقاومة بأي معنى.