نصيحة مهاتير.. كيف نفهمها؟ – محمد قاسم نعمان

نصيحة مهاتير.. كيف نفهمها؟ – محمد قاسم نعمان

 “إن المسيرات والمظاهرات وأعمال الشغب والاختلالات الأمنية عوامل طرد أساسية للاستثمار”.
هذه الفقرة مأخوذة من كلمة مطولة للدكتور مهاتير محمد، رئيس وزراء ماليزيا السابق، أثناء محاضرته في جامعة عدن. وقد استقطعها زميلنا العزيز عباس غالب نائب رئيس تحرير “الجمهورية” وأراد بها إدانة “حرية الرأي والتعبير” ومع تأكيدي أن أعمال الشغب لا علاقة لها بحرية التعبير، وإنما تدخل في مساحة انتهاك الحقوق، إلا أنني أستطيع القول أيضا إنه من خلال متابعتي لحديث السيد مهاتير الذي استقطعت منه هذه الفقرة أجد أنه لم يكن قاصدا ما ذهب إليه زميلي العزيز عباس.
الفقرة التي نسبت إلى السيد مهاتير ووردت في مقالة العزيز عباس صحيحة، لكنها أيضا يمكن أن تفهم –وهذا هو المرجح أكثر– بأنها رسالة موجهة إلى من يهمه أمر البلاد والعباد، إلى من يهمه نجاح الاستثمار وتطوير البلاد وتحقيق نجاحات تنموية… الخ.
والمؤكد أن كلام د. مهاتير إذا ما نقل بجمل متكاملة سنجد أنه لا يقصد منه ما ذهب إليه زميلي العزيز عباس، بأن على الناس أن يقبلوا الظلم والقهر والفساد وأن يصمتوا ولا يواجهوا وأن يقبلوا ولا يعارضوا.
وما فهمته واستوعبته أثناء إعادة قراءتي لحديث السيد مهاتير وجدت أنه يريد أن يقول في رسالة موجهة إلى أولي الأمر: “عليكم بمعالجة مسببات هذه الحالات والظواهر وإزالة أسبابها إذا أردتم أن تحققوا نجاحات في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية”. لأننا عندما نتابع كلمته التي ألقاها في جامعة عدن واقتطعت منه الفقرة أعلاه فنجده يقول أيضا: “الدرس الذي سنتعلمه من هذه الأزمة (ويقصد الأزمة المالية العالمية) أنها ستؤدي إلى انهيار الأعمال التجارية، ويجب ألا نسمح لأنفسنا أن نكون طماعين وأن نجني أرباحاً طائلة، ولا يجب أن نسرق من الفقراء لكي نصبح أغنياء، حتى ولو كنا نرغب في صرف تلك النقود في أعمال خيرية”.
وقال أيضا: “إن الاقتصاد الماليزي لم يصل إلى ما وصل إليه إلا من خلال تكاتف جهود الجميع وحسن الاختيار للكادر القيادي في كافة المجالات الاقتصادية”(وهنا علينا أن نضع خطوطا كثيرة تحت هذه المقولة والنصيحة، وبالذات في حملتها الأخيرة التي تبدأ من حسن الاختيار… الخ).
وقال الدكتور مهاتير أيضا في كلمته التي ألقاها أثناء استضافته في إدارة المنطقة الحرة بعدن وبحضور قياده المثقفين وقيادات محافظه عدن، قال: “إن المحاسبة ومحاربة الفساد واحترام القوانين ووضع الإجراءات السليمة لهو إشارة إيجابية على تطور النمو الاقتصادي”.
ولهذا لا يجب أن نتعامل مع أحاديث الآخرين، وبالذات عندما نريد أن نسترشد بأقوالهم وخبراتهم بطريقة “الله غفور رحيم”، ونترك تأكيده على وجود العقاب الشديد على مستحقيه والمصرين على مواصلة ارتكاب الأخطاء والموبقات.
أو أن نقوم باقتباس جزء من الآية القرآنية: «ولا تقربوا الصلاة…»، بينما تقول الآية: «ولا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون». لأن التركيز على تلك الفقرة المقتطفة من كلمة مطولة للدكتور محمد مهاتير رئيس وزراء ماليزيا السابق التي أراد زميلنا العزيز سامي غالب (نائب رئيس تحرير “الجمهورية”) أن يستدل بها على موقفه المعارض للحراك الجنوبي وحق الناس في التعبير لتجسيد حقهم الديمقراطي، وأقصد هنا التعبير السلمي الديمقراطي الذي لا يتضمن العنف والتحريض بالعنف. لكن استقطاع تلك الفقرة من حديث الزائر الماليزي من سياقها التعبيري تظهر ضيفنا طيب الذكر وكأنه معارض ومناهض لحق الناس في التعبير عن آلامهم ومظالمهم ومعارضتهم للفساد والفاسدين؛ بينما عندما نتابع أحاديثه كاملة سنجدها –بالعكس- تؤكد أهمية مكافحة الفساد وأهمية وضع الإنسان المناسب في المكان المناسب وأهمية عمل ما ينفع الناس ويحترم حقوقهم، ويؤكد أضرار ومخاطر أخذ أموال الناس بالباطل حتى ولو تحت مبررات أعمال الخير، ويؤكد رفض الطمع الذي يؤدي إلى الإضرار بحقوق الناس والعامة ومصلحة الوطن والمجتمع، وهذا ما نجده في أحاديثه التي استقطعنا بعضا منها -وأوردناها عاليه- في موضوعنا هذا.
ولأنني أكنُّ لهذا الرجل كل التقدير لما قدمه لبلاده وحرصه على نقل تجربته لليمن فقد رأيت إيضاح ما أوضحته في مقالتي هذه منعا لأي التباس. مع احترامي للزميل عباس الذي أثق أنه يتفهم ما أوضحته.
 [email protected]