هل توجد أحذية ناعمة في موريتانيا؟! – اسكندر شاهر سعد

هل توجد أحذية ناعمة في موريتانيا؟! – اسكندر شاهر سعد

خلال ساعات قليلة من شعور أصحاب الأحذية الخشنة في موريتانيا بتهدّد مصالحهم، انقلبوا على الرئيس المنتخب وعلى الشعب وعلى الديمقراطية وعلى كل ما في بلاد “شنقيط” من بشائر للخير والمستقبل الأفضل بعد أن كان الموريتانيون قد بدؤوا يخطون ملامحه بحكمة وبراعة تسبق عصرها العربي.
هكذا هم العسكر في بلداننا.. حماة أنفسهم ومصالحهم ولم نعهدهم إلا محاربين من الطراز الأول لشعوبهم ولمصالح أوطانهم منكسرين مندحرين مهزومين في كل المعارك خارج الحدود. إنهم (صمّام الأمان) للمتنفذين ولسرّاق المال العام وللعابثين بحقوق شعوبهم ولمهدري كرامة أوطانهم.
كنتُ قد كتبتُ مقالاً عشية تأدية الرئيس الموريتاني المنتخب ديمقراطياً “ولد الشيخ عبد الله” والذي يقبع اليوم في معتقل الجندرما الرافضين للحياة المدنية غير الملوثة بروائح أحذيتهم التي تزكم الأنوف، وكانت المرة الأولى التي أكتب فيها مقالاً أحيي فيه قائداً عسكرياً بوصفه “الضابط الأولـ” في الوطن العربي العقيد “علي ولد محمد فالـ” والذي اعتبرته – كما اعتبره كثيرون- “فأل خير” كبير لبلده “صحراء الملثمين” كما كانت تُدعى في التاريخ بعد أن قرر أن يضع بلاده على عتبة عصر جديد، فوعد وأوفى ثم غادر القصر الرئاسي إلى دار متواضعة مخلداً اسمه في أنصع صفحات تاريخ موريتانيا والعالم العربي.
لقد شكّل الانقلاب العسكري (المحترم) الذي نفذّه العقيد ولد فال ضد معاوية ولد الطايع سابقة في تاريخ أصحاب الأحذية الخشنة في عالمنا العربي الذي لم يشهد سوى انقلابات عسكرية تطوي كل منها صفحة سوداء لتفتح صفحة أشد سواداً وقتامة.
ولم أعدم وسيلة لاكتشاف الخلفية التاريخية الحضارية التي يمكن أن تُفسر حدوث الانقلاب الإيجابي الخلاّق الذي عكسه فال الخير والممارسة الديمقراطية التي وفّرها لشعبه والتي أثبت الموريتانيون خلالها أداءً عصرياً وخلاقاً.
فذلك الحس الديمقراطي والممارسة الحيوية للفعل العصري له مرجعية تاريخية في موريتانيا وخلفية نفسية لدى الشعب الموريتاني. ولا بأس أن نستذكر بعضاً من محطاته، فبعد نضال الموريتانيين الطويل ضد الاستعمار من أجل حرية بلادهم واستقلالها، طالب الموريتانيون بعد الحرب العالمية الثانية 1945م بالإصلاح وسعوا سعيهم نحو تأكيد الذاتية الوطنية ونيل الاستقلال من الاستعمار الفرنسي، وتحت الضغط الشعبي أذعنت فرنسا ومنحت موريتانيا حق الانتخابات سنة 1946م، وجرت انتخابات في العام نفسه، وفاز فيها المواطن الموريتاني “حرمة بن بابانا” على المرشح الفرنسي “المسيو رازالـ” بأغلبية 4000 صوت، وظل بابانا مُمثلاً لبلاده في المجلس الفرنسي طيلة خمس سنوات وأفرزت هذه الانتخابات حراكاً سياسياً نوعياً تمخض عنه تشكيل حزبين أساسيين، لتتشكل بعدهما أحزاب في العام1957م، أنتجت ائتلافاً في العام التالي يضم الأحزاب الوطنية الموريتانية، وتوحد الحزبان الأساسيان في حزب واحد سمي “حزب التجمع الموريتاني” لتبدأ بعد ذلك مرحلة الاستقلال الوطني، وليختار الشعب الموريتاني تقرير مصيره بإنهاء عهد الوصاية المطلقة من خلال استفتاء شعبي جرى في أيلول/سبتمبر 1958م، ليتحقق للموريتانيين الاستقلال التام بعد ذلك في تشرين الثاني/نوفمبر1960م، ولتمتاز جمهورية موريتانيا الإسلامية بالاستقلال الكلي والتام في 28 أكتوبر 1961م، بالرغم من المحاولات المغربية الدؤوبة لمنع استقلالها.
وكمثيلاتها من الدول العربية رزحت موريتانيا تحت وطأة الأنظمة الشمولية والسلطات العسكرية المتعاقبة، إلى أن منّ الله عليها بفال الخير العقيد “علي ولد محمد فالـ” الذي – بحسب وسائل الإعلام- لم يجرؤ القادة العرب من الاقتراب منه في القمة العربية بالرياض 2007م والتي شارك فيها ممثلاً لبلاده فبدا بالنسبة للقادة العرب أشبه بـ”فزاعة”، فكل منهم قد ترك بلاده في ذمة أصحاب الأحذية الخشنة الذين لا يمكن لسواهم القيام بخطوة انقلابية، إلا أن الرئيس المشير علي عبد الله صالح تفرّد عن غيره وصافح ولد فال وقال له مداعباً “أهلا وسهلا بالولد الذي وفى”، وربما هذه الأريحية التي أبداها كانت منبعثة من قناعته يومذاك بأنه ترك البلاد في ذمة قائد عسكري وفيَ له وليمين الله الذي جمع يديهما ذات يوم وهو اللواء علي محسن الأحمر، فهل يا ترى لا تزال الأمور على حالها؟!.
ومع الأسف هاهم أصحاب الأحذية الخشنة في موريتانيا الديمقراطية العربية الأولى يعودون مجدداً وينتقمون للديكتاتور السابق ولد الطايع ويحولون عجلة بلادهم إلى الوراء.. إلى زمن لا يريد العسكر أن يغادروه.. مصالح العسكر تهددت لساعات فقط فأطاحت برئيس دولة ورئيس حكومة ووزراء، فيما مصالح المدنيين على امتداد الوطن العربي تُنتهك كل يوم وتُداس بالأحذية الخشنة ذات الروائح النتنة ولا يُطاح بمسؤول صغير من الدرجة العاشرة..
إنّ الشعب الموريتاني وفي مقدمهم الضابط العربي الأول والمواطن الموريتاني الأول العقيد علي ولد محمد فال، اليوم أمام استحقاق تاريخي ولابد أن يثبتوا بأنهم –بحق- شعب شنقيط الإيمان والعلم والحكمة وليخرجوا عن بكرة أبيهم مسالمين ومطالبين برئيسهم الذي انتخبوه مغلقين الباب أمام أصحاب الأحذية الخشنة والذين مهما كانت قوتهم، فلن تكون أقوى من إرادة الجماهير التواقة لحياة مدنية يسودها الخير والسلام والتنمية، وعلى المجتمع الدولي أن ينتصر لإرادة الشعب الموريتاني بحيث يُمثل هذا الانقلاب آخر محاولة فاشلة لأصحاب الأحذية الخشنة في تسنم هرم السلطة بقوة السلاح، فتكون عبرة لمن يعتبر..
فهل توجد اليوم أحذية ناعمة في موريتانيا تغصّ بالشعراء والفقراء تنتصر.. ولا تنتحر؟!.
[email protected]