دستور اليمن العجيب رأس الحربة في التوريث: قراءة في المادة 116

علي محسن حميد

تحرص الدول على حسن صياغة دساتيرها والاعتناء بلغتها  لتحقق الغرض المبتغى منها. وكل الدساتير لايشوبها أي غموض أو تناقض أو فجوات. وتكلف الدول التي تحترم الدستور والمواطن الذي يخدمه الدستور  كبار القانونيين وخبراء الصياغة القانونية للتدقيق في كل كلمة فيه  . إلى جانب ذلك يراعى أن تكون اللغة راقية ومعبرة وخالية من الأخطاء  والمزالق التي قد تقود إلى تفسيرات قانونية متعارضة تهدم بناء الدستور وغرضه السامي  . في مصر وقبل سقوط نظام الرئيس السابق مبارك انتقد الدستور المصري لركاكة صياغته وهذا  أمرا ليس في الحسبان في بلد كمصر التي أوفدت قانونيين كبار لصياغة دساتير أكثر من دولة عربية.في مصرالثورة هناك من يطالب بدستور بأبواب ومواد قليلة  تفي بالغرض  وغير فضفاض ودقيق الصياغة وسليم لغويا. الدستور المصري كان تعبيرا عن مرحلة ركيكة في تاريخ مصر وليس عن جانب واحد فقط في حياتها السياسية أوالقانونية .  في اليمن أنا بصدد مناقشة المادة 116 الخاصة بانتقال السلطة و ليس كل مواد الدستور. ولعلم القارئ فقد صدرت في اليمن عدة دساتير كان أولها إعلان دستوري في اكتوبر من عام 1962 ودستور لدولة الاستقلال في الجنوب عام 1967 وصدرت عددا  من الدساتير في الشطرين بعدهما وكان دستور دولة الوحدة  دستورا توفيقيا  للطرفين اللذان حققا الوحدة. ولكن بعد حرب 1994تم  مسخ وتشويه ونسف الدستور بحيث يعبر عن رؤية ومصلحة واحدة ويناسب الرغبة النرجسية في التوريث والانفراد بالسلطة والاستبداد بالقرار السياسي والاقتصادي .  الدستور ليس فقط نصوص ولكنه تعبير عن مصالح ويهدف في نفس الوقت إلى تحقيق مصالح لأوسع القطاعات الشعبية. وفي الشمال  صدر ماسمي بالدستور الدائم في نهاية 1971 وقد كتبت  حينذاك مقالا في صحيفة الثورة منتقدا صدور دستور دائم لأن المرحلة وقتها ( ولاتزال) لاتبرر صدوردستور دائم لغياب الجدية في احترامه وتطبيقة وعدم الفصل بين السلطات في الممارسة ، والغلبة لقوى  اجتماعية لاتؤمن بأحكام الدستور من قريب أو بعيد  وبعضها تسحب نقودها من البنوك بالبصم وليس بالتوقيع . الدستور في العادة  تعبير قانوني وسياسي عن بلوغ مرحلة تطور قاربت على الكمال  في كل مناحي الحياة وعن قيم مقبولة مجتمعيا  وسلوكا  شخصيا لايتناقض مع الدستور والقوانين التي تسمى في اليمن باطلا بالقوانين النافذة حتى من قبل  بعض عناصر المعارضة . وهناك دولا كثيرة بعضها  دول متقدمة لاتسمى دستورها بالدستور الدائم.  وبريطانيا كاستثناء تحكم بدون دستور مكتوب وهي أم الديمقراطيات . في بداية السعينيات من القرن الماضي  كان رئيس الوزراء الأسبق الأستاذ محسن العيني يطلق النداء تلو النداء لبناء  دولة النظام والقانون التي يحترم فيها الدستور وتطبق القوانين ولكنها  تلك كانت صرخة في واد. كان ذلك قبل 40 عاما. ومن المؤكد أن اليمن لم يخطو خطوة واحدة كبيرة ذات معنى في اتجاه احترام  وتطبيق القوانين والأنظمة. ولذلك يطالب الشباب  في ساحات التغيير والتحرير في 17 محافظة بمنية بالدولة المدنية الديمقراطية الحديثة والمواطنة المتساوية  وجوهرها التساوي أمام القانون كالتساوي أمام الله سبحانه  وتطبيق الأنظمة على الكل بدون محسوبية أسرية  أو مناطقية أو مذهبية وكل هذا لايخرج عن دعوة عمرها 40 سنة  . كانت الفجوة بين الدستور وتطبيقه في الفترة من 1962 وحتى الأن  تعبيرا عن  نفوذ القوى المهيمنة اجتماعيا وسياسيا  التي استعصي عليها  فهم معنى الدستور والقانون والمواطنة المتساوية وقبول مبدأ الجمهورية الذي يعني مساواة المواطنين أمام القانون. المادة 116 في دستور الجمهورية اليمنية  تثير العجب  والريبة  وأتصور أن من صاغها صاغها بالأمر المباشر وبالرشوة لكي يتم التلاعب بمفهوم ومقاصد الجمهورية  وبمنصب رئيس الجمهورية في حالة خلو منصب الرئيس. هذه المادة غريبة الصياغة ولايوجد لها نظير في كل دساتير العالم ولاشك أنها كتبت بتعليمات السلطان أو الشيطان  لترزي القوانين اليمني  وليس بضمير الفقيه القانوني المستقل والمحترم لنفسه ولمهمته السامية وللمؤسسات الدستورية وللشعب الذي تسبح السلطة باسمه ليل نهاروتزعم أنه صاحب السلطة ومصدرها .صياغةهذه المادة ركيكة وغير محكمة تثير الريبة  والفزع معا  رغم أنها تعالج أمرا واضحا تمام الوضوح  وهو خلو منصب الرئيس  بصورة مؤقتة  أو دائمة.
تنص المادة سالفة الذكر على مايلي: ” في حالة خلو منصب رئيس الجمهورية أو عجزه الدائم عن العمل يتولى مهام الرئاسة مؤقتا نائب رئيس الجمهورية لمدة لاتزيد على ستين يوما من تاريخ خلو منصب الرئيس   يتم خلالها إجراء انتخابات جديدة للرئيس وفي حالة خلو منصب رئيس  الجمهورية ونائب الرئيس معا يتولى مهام الرئاسة مؤقتا رئاسة مجلس النوابوإذا كان مجلس النواب منحلا حلت الحكومة محل رئاسة مجلس النواب لممارسة مهام الرئاسة مؤقتا، ويتم انتخاب رئيس الجمهورية خلال مدة لاتتجاوز ستين يوما من تاريخ أول اجتماع لمجلس النواب الجديد”
ملاحظات على النص:
1- تخلط هذه  المادة في سطرها الأول  بين خلو المنصب وبين عجز الرئيس وكلاهما أمرين منفصلين  ويفهم منها أنها تركز على عجز المنصب وليس عن عجز الرئيس المؤقت أو الدائم( في حالة خلو منصب الرئيس أو عجزه الدائم). وهذا قصور في الصياغة  وفي اللغة.
2- نفس المادة تؤكد خلو المنصب (…. من تاريخ خلو منصب الرئيس)
3- تتحدث المادة عن انتخابات جديدة للرئيس ويفهم من هذه العبارة أن الرئيس هو الرئيس السابق لأن الرئيس الجديد سيرشح نفسه لأول مرةوالمفروض أن يحل محلها عبارة تقول بإجراء انتخابات للرئيس الجديد.
4- يفترض المشرع هنا أن مجلس النواب منحلا ولم يشر إلى إجراء انتخابات برلمانية خلال  فترة هذا الفراغ الدستوري.
5- وهذه الملاحظة هي  الأهم هنا لأنها نصت بوضوح  على أن يتولي الرئاسة مؤقتا (رئاسة مجلس النواب) في حالة خلو منصب الرئيس ونائب الرئيس معا،  وليس رئيس مجلس النواب كما يفسر البعض  أويجتهد في وسائل الإعلام لتغطية هذا الخلل الدستوري أو بالأصح الفضيحة الدستورية  . ويضاف إلى هذا العجب والسفه القانوني والسخرية من الديمقراطية والاستهتار بالرأي العام  وبمبدأ التداول السلمي للسلطة  أنه في حالة أن يكون مجلس النواب منحلا يتولى الرئاسة المؤقتة  (الحكومة)،  هنا القصد واضح وهو أن  المشرع  أراد أن تتولى الرئاسة كل الحكومة أي كل  مجلس الوزراء ، وليس رئيس مجلس الوزراء وحده. وهنا نتساءل من من أعضاء رئاسة مجلس النواب ومن من أعضاء الحكومة سيتولى الرئاسة المؤقتة  في حالة حدوث اشتباك نتيجة تعارض طموحات  مستجدة مادام النص بهذا الاعوجاج. النص على تولي أحد  رئيسي المجلسين ، النواب والوزراء  غاب عمدا  وقصدا  .  ماهذه المخضرية الدستورية؟ كانت كلمة المخضرية تطلق على أمور أخرى لكننا هنا أمام مخضرية دستورية حقا من صنع ترزية القوانين والذي أمرهم بكتابة هذه الصياغة لأن هذا الإرباك المتعمد  في فترة انتقال حرجة هدفه إتاحة الوقت لترتيب التوريث الذي سماه أحد المتحمسين له بتصفير العداد وتفكيكه.
دستور للزينة والخطابات:
 تصفير العداد حدث في مصر لسيارات الأجرة في عهد الرئيس السابق  مبارك فأنت تشاهد في التاكسي عدادا  لايعمل. ومن الغريب أن وجود العداد ظل ملازما لأي تاكسي  حتى ولوكان جديدا رغم علم الجهة المعنية أنه لايعمل. دستورنا كان كعداد التاكسي المصري أوهكذا أريد له أن يكون قبل ثورة الشباب نصرهم الله ونصر ثورتهم على كل فساد وبضمنه الفساد القانوني . وهكذا وضع خازوق أو أكثر لكي يكون الدستور مفصلا على هوى الحاكم  مع إيهام الناس في الإعلام وفي خطب الرئيس المتكررة  وغيره من جوقته عن الانتقال السلمي للسلطة وقوة صناديق الاقتراع كحكم وكوعاء للتعبير عن إرادة الناخبين بأن نقل السلطة سيكون سلسا وعاديا ومرنا  ولاإشكال فيه إلى  كل الجعجعة المعروفة عن الديمقراطية التي لم يفهما سواه وشاءت الحكمة الإلهيةألا تتمكن  المعارضة من  فهمها .حين أصيب الرئيس في حادثة 3 يونيو في مسجد الرئاسة تتكرر الأنباء عن رفض إبنه أحمد تمكين نائب رئيس الجمهورية من  ممارسة مهامه شكلا وموضوعا ومن المكان الصحيح وليس من بيته. يضاف إلى ماسبق مايعلمه الكل عن عدم صدور قرار جمهوري عام 2006 بتجديد تكليف السيد عبد ربه منصور بمهام النيابة .ومعلوم  الأن  أن الناس يتعاملون  مع النائب قبولا لأمر واقع أو احتراما لعرف أو لشخصه أو تقديرا لظرف دقيق وحساس لايسمح بالجدل حول دستورية منصبه من عدمه، وليس تعلقا بالدستور الذي مسخ وعطل في عهد ماسمي زورا وباطلا بدولة المؤسسات وباني نهضة اليمن الحديث، والضرورة الوطنية الملحة . السيد النائب  لم يقسم اليمين القانونية أيضا للقيام بواجباته الوظيفية سواء  في عام 2006 لعدم  صدور قرار جمهوري بتعيينه أو عند سفر الرئيس للعلاج  إلى السعودية  في 4 يونيو ومعنى ذلك أن ممارسته للوظيفة غير  قانونية وغير دستورية الأن  وكما كانت منذ عام 2006. وملاحظتي الأخيرة هي أنه مطلوب من السيد النائب  اتخاذ موقف وطني في هذه الانعطافة الوطنية الهامة وأن يستمد مشروعيته من الثورة  ومن الإرادة الشعبية . والشعب الذي لن يعترض عليه  وعليه اهتبال الفرصة ومواجهة تحدي إرادة الجماهير  بفرض التوريث بالقوة وانتهاك الدستور. هذا الظرف بالذات تاريخي والتاريخ لن يرحم النائب أو يعفيه من عمل مايجب عليه عمله. ليبرهن النائب على جمهوريته وإيمانه بالجمهورية وأن يقول أن البلد ليست عزبة أو إقطاعية قابلة للتوريث. إن دستورنا هو أول دستور جمهوري في العالم  يهيء الملعب السياسي للتوريث بدون النص على ذلك.