بعض من سيرة النظام (2)

8-05-2011

 علي محسن حميد
المؤتمر الشعبي العام
في أغسطس من عام 1982 أعلن عن المؤتمر الشعبي العام، بعد مناقشات واستبيانات نخبوية ضيقة اقتصرت على دوائر صديقة ولم تشمل كل ألوان الطيف السياسي، عبرت لأول وهلة عن استمرار سياسة الإقصاء لقوى سياسية كان لها دور بارز في الدفاع عن الثورة في الفترة 1962 – 1970 قبل أن تقبل سنحان بالنظام الجمهوري، والتي كانت طوال السنوات المذكورة عونا قويا للملكيين وتقبض ما يسميه الرئيس الآن المال المدنس. استقبل هذا التطور بترحاب، لأن النظام الجمهوري حارب الحزبية، وفي مايو 1963 حرّمها، برغم أن التنظيم السياسي يضيف إلى قوته ولا يضعفه، ولكن العقلية العسكرية كان لها الغلبة. التنظيم السياسي  كان استحقاقا طال التهرب منه بعد محاولتين قصيرتي العمر، الأولى عام 1964، والثانية عام 1973. ولأن  طبائع الاستبداد لا تقبل إلا ما يوافق هواها، كان المؤتمر معاونا على الحكم الفردي وحصنا من حصون الفساد. ألم يقل أحدهم بتصفير العداد وقلعه؟! اتفاق طرابلس بين شطري اليمن عام 1972 اهتم بهذا البعد، ونص على أن “ينشأ تنظيم سياسي موحد يضم جميع فئات الشعب المنتجة صاحبة المصلحة في الثورة، للعمل ضد التخلف ومخلفات العهدين الإمامي والاستعماري…”. وفي بروكسل، حيث كنت أعمل  حينذاك، أبلغنا النبأ دبلوماسي- أمني أرسل للتدريب في  إدارة المراسم بالخارجية البلجيكية. كانت ملاحظتي هي الترحيب، وفي الوقت نفسه التحذير من أن يكون تنظيما شكليا كرتونيا. وبعد الاجتماع الأول لم يعقد اجتماع ثان. وصدّق اليمنيون أن لديهم تنظيما سياسيا، وعقدت على مدى سنوات اجتماعات كل خميس لموظفي الدولة والقوات المسلحة سميت بـ”التوعية السياسية”، واستهدفت في كثير من الأحيان التبشير بفكر سياسي  ذي مرجعية دينية ومحاربة ما عداه. أما في القوات المسلحة فقد كان الأمين العام المساعد آنذاك ينتقي من يحاضر فيها، ويحرص على أن تكون مرجعيته إخوانية، واستُقدم متحدثون من الأزهر الشريف للتوعية الدينية بين أفرادها. وكان من الأهداف تشويه النظام في الجنوب. وأسوق هنا ما سمعته من الأستاذ الدكتور أحمد يوسف أحمد، الذي كان يدرس في جامعة صنعاء، فقد طلب منه أن يحاضر في الكلية الحربية وأن ينتقد الاتحاد السوفييتي. وأمام اعتذاره قال له من تحدث معه: “إننا لسنا ضد الاتحاد السوفييتي ونحن نقدر دعمه للثورة اليمنية، وما طلبته منك لا يعبر عن قناعتي، وأنا أبلغك فقط بما طلب مني أن أقوله لك”. كان بعض من يوكل إليهم أمر التوعية أجهل من كثير من الحاضرين. ومن المفارقات أن بعض المنتمين للأمن وقف معترضا على الديمقراطية بمعناها التعددي. كان الهدف واضحا، وهو تجهيل الناس وقولبة أفكارهم في اتجاه تعبوي وتبعية فكرية خاوية المضمون، وطاعة عمياء لرأس النظام، الذي لم يكن قد سمي بالرمز. وتمر السنون، وإذا بي أسمع من زميل أن وزير الخارجية قال له إن أعضاء المؤتمر هم أعضاء في الأمن الوطني. أوضحت هذه الحقيقة للبروفسور مايكل هدسون، الأستاذ بجامعة جورج تاون، أثناء زيارته لمقر المؤتمر في يونيو 1990. ذهل البروفسور، ولكنه أخذ ما قلته مأخذ الجد. والواقع أن المؤتمر في بيئة الجهل والرقابة على الفكر، وبعد الإغلاق الغبي للمراكز الثقافية الأجنبية، أوجد حالة اهتمام ثقافية، وليس حراكا فكريا؛ لأن الرأي الآخر كان مقموعا. عن القمع أسوق المثال التالي: اختلفت مع مسؤول التوعية بوزارة الخارجية حول أن فلسطين وقف إسلامي، فشكاني لوزير الخارجية، متهما شخصي بأني ملكي. ولأن هاشميا آخر تحدث بالصدفة فقد اعتبر مداخلة هاشميين اثنين في جلسة واحدة مؤامرة على الثورة. وقال بالحرف: “الهاشميين بدؤوا يرفعوا رؤوسهم”. وحينذاك زادت قناعتي بتطابق ثقافة الأمن وثقافة المؤتمريين. ظل المؤتمر يسمعنا جعجعة بدون أن نرى الطحين لسنوات، ولم ندرك وقتها استنزافه للمال العام وعدم جدواه، لأنه كان ملهاة ووعاء لاستقطاب سياسي لصالح قوة سياسية وأجهزة أمنية معلومة وخفيّة كان المؤتمر وطافها وحمارها. المؤتمر له ميثاق ورؤية لكل جوانب الحياة، ومن بينها اللامركزية، وقد ذكر بوضوح أن المركزية والتفرد بالسلطة يضران بالوحدة الوطنية، وأن الحضارات اليمنية لم تتم إلا في ظل اللامركزية، إن لم تخني ذاكرتي. وفي التطبيق لم تتحرك البلد قيد أنملة؛ لأن الفرد كان فوق كل ذي علم عليم، وسخر المؤتمر لترسيخ سلطته قبل أن يوارى الميثاق والمؤتمر التراب، بعد أن انتعش مشروع التوريث وتغليب مصلحة الأسرة على مصلحة الوطن.
وعن الميثاق والمؤتمر أسأل: هل يرى أحدكم نسخة من الميثاق في أي مكتبة؟ هل يتحدث عن أحد من قادته، بمن فيهم الرئيس؟ هل استعان به أحد الكتاب الرسميين كمرجعية؟ هل يعقد المؤتمر ندوات أو محاضرات لاستقطاب الجيل الجديد وتوعيته بالميثاق والمؤتمر (نصف سكان اليمن ولدوا في عهد صالح)؟ هل نظم المؤتمر طيلة حياته المتخمة بالفشل ندوة عن الأزمات وما أكثرها ومنها الأزمة الاقتصادية وأزمة المياه ونقصان الموارد وزيادة السكان والاختلال الأمني  والنظام العالمي الجديد والألفية وتحدياتها والأمية وإعاقتها للتنمية والتعليم وقصوره والصحة وإخفاقاتها والبحث العلمي الذي لا يوجد وفشلنا في الانضمام إلى مجلس التعاون الخليجي؟ ومن السبب؟ الجواب بالنفي. ثم هل للمؤتمر مراكز ثقافية أو مكتبات؟ وهل قام بأي نشاط مباشر مع الجماهير في أي مناسبة أو كارثة، ككارثة السيول في حضرموت؟ الجواب بالنفي؛ لأن الأهم كان هو حضور المقيل مع الرئيس، لكي يتشرف هذا أو ذاك بمكرمة الرئيس إذا ما صوب على غفلة عودي قات إلى عينه. هذا أو ذاك يعتبر نفسه محظوظا ويبتسم للرئيس فرحا. في كل حزب في العالم يوجد أشخاص يتخصصون في الاقتصاد وفي الفكر وفي التنظيم وفي الإعلام ودوائر تنشط وتحلل وتقدم رؤى للحكومة وتعد برنامجها وتراقبها أيضا. كم لدى  المؤتمر من هؤلاء؟ أليس هو الحزب الحاكم؟ هل أبدى رأيا في أي تشكيل حكومي؟ لا. المهم الطاعة وما يتبعها من عطايا، كسيارة صالون آخر طراز تضاف إلى ما قبلها، وحظوة وهي الأهم. المؤتمر لم يصدر مطبوعة عن أي قضية وطنية، مع أن المفروض أن تكون له مطبعته الخاصة كتنظيم سياسي يقارع الآخر بالفكر. وبعد التوريث حلت صور الرئيس محل الميثاق. كانت هناك صور من قبل، ولكنها لم تكن بهذه الكثافة والعدوانية، وإذا علقت فبأشكال صغيرة الحجم، وفي شوارع محدودة، وفي مناسبات معينة، وليس طوال العام. الآن تجبر متاجر وشركات ومؤسسات على دفع مبالغ كبيرة لجهة معروفة هي التي ترسل الصورة بإطارها الفخم تتولى كتابة أقوال الرمز الفذ والضرورة الوطنية العظمى. قال الفنان دريد لحام عن الإسراف في الصور في بلاده: “غيبوا عنا شوي لنشتاق لكُن”. وذكرت صحيفة “إيلاف” قبل ثلاثة أسابيع أن  سبعة ملايين صورة للرئيس طبعت مؤخرا لتعويض الفاقد بعد تمزيق الشعب لصوره في عدة محافظات. يتم هذا  ونحن في قلب أكثر من أزمة، ومنها الاقتصادية. حرب الصور، وهي من جانب واحد إحدى صور استنزاف الموارد العامة والاستنزاف، تتعدى الطبع إلى التوزيع والتعليق والنقل إلى المحافظات والسرقات، وكل هذا من المال العام. وفي المناسبات، بدلا من أن يهتم المؤتمر بتقديم كشف حساب بالإنجازات المفترى عليها، يتم الاتصال بمسؤولين للكتابة عن الرئيس، وبعضهم يضطر تحت الإلحاح أن يكتب ضد قناعاته وإرادته، ولكن بعد الإفصاح عن أن هذه هي رغبة الرئيس لا مناص من القبول. أوضح لي أحد هؤلاء قائلا: “ويا ريت نشروا ما كتبت، لقد زورت إرادتي وسرق قلمي وفكري”. واستطرادا في الموضوع يتم الاتصال في العيد الوطني بالوزارات والمؤسسات لدفع مبالغ كبيرة لا تخضع للرقابة لطبع كتاب عن المناسبة، لكن كل شيء يتمحور حول الرئيس وليس الوطن. أما عن هيكلية المؤتمر فهي غائبة عمليا، وغير منضبطة، وفي قبضة يد واحدة. وقد سمعت من أكثر من عضو في  اللجنة العامة أن أعضاء اللجنة يدعون إلى اجتماعات لا يعرفون جدول أعمالها، ويكون المتحدث فيها هو الرئيس وحده. واللجنة العامة ليس لديها اجتماعات حزبية منتظمة ومعلومة ومحددة المواعيد؛ لأن كل شيء بأمره. هنا أقدم نصيحة للمؤتمر، وهي أن عليه  واجب شكر ثورة الشباب التي أخرجته من سباته إلى العلن وتذكير الناس بأن هناك شيئا اسمه مؤتمر، الظاهرة الصوتية، التي تتسم للأسف في كثير من الأحيان بوقاحة مغالى فيها، مثل ما سمعناه مؤخرا من تفسير سمج للانشقاقات في المؤتمر. بلغة واحدة قيل إن المؤتمر تخلص من الدم الفاسد، وأن المنشقين كانوا عبئا عليه، وأنهم وقفوا ضد سياساته في محاربة الفساد، بمعنى أنه لولاهم لكان اليمن أفضل ولا توجد فيه أي أزمة، وأن المنشقين هم من أصحاب المصالح الضيقة، بمعنى أنهم ليسوا من الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، كمن صمد في المؤتمر ولم ينشق ولا يهتم بمتاع الدنيا الفانية. لم يقل ديمقراطيو المؤتمر إن الانشقاقات طبيعية وتحدث في كل الأحزاب، وأنها حق ديمقراطي ولن تضعف المؤتمر الذي يتطلع إلى التعاون مع المنشقين الذين أسسوا حزبا جديدا. سار المؤتمر على درب الشتم كدأبه. وهو الطريق نفسه الذي تسير فيه صحيفته “الميثاق”. أما عن الآخر فقد أرسله أحدهم في 10/ 9/ 2009 بلهجة عصبية منفرة إلى الجحيم، لأنه -على حد قوله- يبتز الرئيس. هل في العمل السياسي ابتزاز أم تفاوض وتحاور للحصول على أكبر المكاسب المشروعة؟ وهل تقول لشريكك في الحياة السياسية: اذهب إلى الجحيم!؟ هذا القول واحد من أسباب فشل المؤتمر وتهاويه المتوقع بعد انتهاء حكم الرئيس. وها نحن الآن في جحيم سببه أنه لم يكن هناك مؤتمر ولا يحزنون. وهذا هو السبب في أن البعض فيه يتطلع إلى أن تشمله قائمة الضمانات بعد أن فشل في تصفير العداد وقلعه. التصفير والقلع من سمات الديمقراطية المؤتمرية التي زورت كل الانتخابات البرلمانية والرئاسية والمحلية، وهمشت منظمات المجتمع المدني والنقابات، وأصبحت حصنا من حصون الفساد والإفساد… يتبع.

7335638

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *