خيبة أمل غربية تجاه صالح وتحول جوهري في الموقف الامريكي

5-04-2011

رؤية المعارضة تضيق هامش المناورة أمام الرئيس صالح
سامي غالب
لم يعد الرئيس علي عبدالله صالح يرقص على رؤوس الثعابين، فقد ولى هذا الزمن قبل عدة أشهر، وها إنه منذ أسابيع يتحرك كالملدوغ، مجسدا, ولو متأخرا جدا, نبوءة العرافة الحميرية التي يرد ذكرها في كتب الإخباريين اليمنيين القدامى. طلبت العرافة (أو الجنية) من حسان نجل الملك الحميري أسعد الكامل، الجلوس على كرسي مليء بالعقارب والحيات, فأبى, وعندما رجع إلى أبيه في صنعاء لامه، وقال: أما الكرسي الذي أقعدتك إياه فإنه لا يملك حمير إلا من صبر على مثل لدغ العقارب والثعابين.
السبت قبل الماضي، شاهد اليمنيون رئيسهم فوق كرسيه المترنح يتحدث إلى المحاورة المتميزة في قناة العربية منتهى الرمحي. تحرك مرارا وتناول كأس الماء الفارغ على الطاولة، وأحيانا تراءى للمشاهدين كرجل راغب عن الجلوس، حتى إنه بدا في الجزء الأخير من الحوار ملدوغا حقا لا مجازا, فقام كمن يريد أن يولي فرارا، تاركا الكرسي بما خفي للمجهول الذي يلح على تحذير اليمنيين منه. وفي ذلك الحوار الفريد الذي لم يسبق للرئيس أن خبر مثله في سنوات رقصه المديدة، قال الرئيس اليمني للعالم أجمع إن البلد الذي حكم شطرا منه 33 سنة وحكم شطريه 20 سنة، لا يعدو كونه “قنبلة موقوتة”!
قالها بنفسه، ولذلك فقد حمل البيان الختامي للمجلس الوزاري لدول الخليج، مساء أمس، دلالات صريحة بأن دول الجوار لن تقبل انفجاراً في اليمن يؤدي إلى إلحاق الضرر بالأمن الإقليمي. بدأ الجزء الذي يخص اليمن في بيان الرياض، بالتعبير عن القلق البالغ “لتدهور الحالة الأمنية وحالة الانقسام في اليمن الشقيق”. ثم دعا البيان الأطراف المعنية في اليمن إلى تغليب المصلحة الوطنية والمسارعة بالعودة إلى طاولة الحوار، وصولاً إلى اتفاق شامل “يعيد السلم الاجتماعي العام ويحقق للشعب اليمني ما يتطلع إليه من إصلاح وحياة آمنة ومستقرة”.
ولإزالة أي التباس ينجم عن الفقرة السابقة، يستطرد البيان مؤكداً احترام حكومات دول الخليج “لإرادة وخيارات الشعب اليمني بما يحفظ وحدة اليمن ويصون استقراره وأمنه ومكتسباته الوطنية”.
وفي اجتماع الرياض الاستثنائي الذي بحث التغلغل الإيراني في الخليج، وتطورات الأوضاع في اليمن، اتفقت دول مجلس التعاون الخليجي -حسب البيان الختامي- على إجراء اتصالات مع الحكومة والمعارضة اليمنية “من خلال أفكار لتجاوز الوضع الراهن”.
وكان الرئيس علي عبدالله صالح سعى مؤخراً إلى إقناع الرياض بالقيام بوساطة يترتب عليها تبريد الأزمة الراهنة بينه وبين اللقاء المشترك الذي يحظى منذ أسبوعين بتأييد العميد علي محسن الأحمر أبرز شركاء الرئيس صالح منذ عام 1978.
وتمتع علي محسن الأحمر بعلاقات متينة مع الحكومة السعودية. وسبق لمسؤولين سعوديين أن كشفوا للأميركيين تفاصيل عن فرضية تآمر الرئيس صالح على علي محسن الأحمر خلال الحرب السادسة في صعدة، إذ أشاروا في لقاءاتهم بمسؤولين أميركيين -حسب وثيقة مسربة نشرها موقع ويكيليكس- إلى أن القيادة اليمنية زودت طائراتهم بحيثيات عن موقع مزعوم لجماعة الحوثي في شمال غرب اليمن، اتضح بأنه موقع يتواجد فيه العميد الأحمر.
وانضم إلى صفوف المعارضة العشرات من الشخصيات القبلية والاجتماعية ممن عُرفت بعلاقتها الوثيقة بالرياض.
وتأتي هذه التطورات المهمة في مواقف أبرز الوجوه المحسوبة على السعودية، وسط أنباء عن إنهاء مهام اللجنة السعودية الخاصة باليمن؛ وهي اللجنة التي تعمل منذ منتصف ستينيات القرن الماضي، تحت إشراف الأمير سلطان بن عبدالعزيز نائب رئيس الوزراء ووزير الدفاع.
وحسب مصادر خاصة، فإن اللجنة الخاصة كانت جمدت قبل أيام صرف المخصصات الشهرية التي تمنحها السعودية إلى آلاف اليمنيين، وبخاصة من فئة مشائخ القبائل الشمالية.
الرئيس صالح كان فقد قبل عامين أبرز أصدقائه في الخليج، وهو الأمير القطري الذي عبَّر علناً عن استيائه من نكث الرئيس اليمني بوعده دعم إجراء قمة عربية في قطر لدعم غزة أثناء الحرب الإسرائيلية عليها نهاية عام 2008، كما فقدت قطر ثقتها بالحكومة اليمنية التي عطلت عدة مرات جهوداً قطرية لإحلال السلام في صعدة.
ومن المتوقع أن تبدأ دول الخليج جهودها في اليمن خلال الأيام المقبلة عبر الاتصال باللقاء المشترك والرئيس صالح. ورجحت مصادر خاصة أن يسلِّم سفراء دول خليجية الطرفين رسائل تمهد للوساطة الخليجية.
ويتكامل الدور الخليجي مع الدور الأميركي الذي كان قد توقف مطلع الأسبوع الماضي عقب تصريحات للرئيس صالح في ميدان السبعين تظهر عدم رغبته بمغادرة السلطة حسبما كان وعد الأميركيين.
وكان ياسين سعيد نعمان أمين عام الحزب الاشتراكي اليمني والرئيس الدوري للقاء المشترك، أفاد “النداء” بأن الرئيس صالح تقدم بمبادرة إلى المشترك عبر السفير الأميركي، يعرض فيها استعداده تسليم السلطة لنائبه (أو لأي شخص آخر من معاونيه).
وأجرى السفير الأميركي يومي 23، و24-03-الماضي، اتصالات بكلٍّ من السلطة والمعارضة لغرض إنجاز اتفاق سياسي يضمن انتقالاً سلساً للسلطة يجنب اليمن أية مخاطر تترتب على نزاع مسلح.
وشارك السفير الأميركي في لقاءات جرت في منزل الفريق عبد ربه منصور هادي. لكن التوقعات المرتفعة بإنجاز انتقال سلس للسلطة ما لبثت أن تبددت عقب الكلمة التي ألقاها الرئيس أمام حشد من مؤيديه في ميدان السبعين يوم الجمعة 25 مارس.
ومعلوم أن الموقف الأميركي ظل على الدوام يميل إلى ترجيح بقاء الرئيس صالح في السلطة مع ضمان إصلاحات دستورية وسياسية وقانونية تمنع تفجر الأوضاع في اليمن. لكن إشارات عديدة صدرت خلال الأسبوعين الماضيين تظهر أن الموقف الأميركي قد يتحول باتجاه دعم مطلب أغلبية الشعب اليمني برحيل صالح من السلطة فوراً.
وحسب مصادر سياسية رفيعة، فإن الدبلوماسية الأميركية شعرت باستياء شديد جراء تراجع الرئيس اليمني عن الصيغة التي عرضها على السفير الأميركي الذي أجرى اتصالاته مع المعارضة بناءً عليها.
إشارات التحول الأميركي باتجاه دعم المطالب الشعبية، قد يعززها ضيق واشنطن من عدم قدرة السلطة اليمنية على الوفاء بالتزاماتها في شؤون أمنية جراء انشغال كافة الأذرع الأمنية والعسكرية للرئيس بتأمين بقائه في الحكم مدة أطول.
وتعمل أحزاب اللقاء المشترك على استثمار الانكشاف الدبلوماسي للرئيس صالح عبر تشديد الضغط السياسي عليه، وهي أعلنت مساء السبت الماضي، رؤية ترتكز على إعلان الرئيس تنحيه عن منصبه بحيث تنتقل سلطاته وصلاحياته لنائبه.
وتنص الرؤية على أن يبادر النائب فور توليه السلطة إلى إعادة هيكلة جهاز الأمن القومي وقوات الأمن المركزي والحرس الجمهوري، بعيداً عن معايير القرابة والمحسوبية. وكان تمايز ظهر بين الأميركيين والأوروبيين بشأن مصير أقارب الرئيس صالح في حال غادر السلطة، ففي حين لا تمانع حكومات أوروبية رحيل الأبناء معه، تميل واشنطن إلى تأجيل رحيل المسؤولين في الحرس الجمهوري والأمن القومي لأسباب محض أمنية تتعلق بترتيبات محلية وإقليمية ذات صلة بالحرب على الإرهاب.
وينص البند الثالث على أن يتم التوافق بين المعارضة والرئيس الجديد (المؤقت) على صيغة للسلطة خلال الفترة الانتقالية، تقوم على قاعدة التوافق الوطني، وتشكيل مجلس وطني انتقالي يضمن تمثيلاً سياسياً واجتماعياً وجهوياً، يتولى إجراء حوار وطني شامل، وتشكيل لجنة صياغة مشروع إصلاحات دستورية في ضوء نتائج الحوار الوطني، وتشكيل حكومة وحدة وطنية تترأسها شخصية معارضة، وتشكيل مجلس عسكري يضم ممثلين عن المتقاعدين قسرياً جراء حرب 1994.
وبصرف النظر عن مضامين الرؤية والانتقادات التي لاقتها من أطراف معارضة أخرى، وبخاصة من الحوثيين ومن حزب رابطة أبناء اليمن، ومن أغلب الهيئات الشبابية في ساحات الحرية والتغيير، فإنها أعطت اللقاء المشترك أفضلية في معركتها السياسية ضد الرئيس صالح الذي ضغط مؤخراً في خطاباته على كون المعارضة لا تملك آلية لنقل السلطة. كما أن الرؤية تأتي في توقيت مثالي مع بدء تحرك خليجي تجاه اليمن، وتحول متوقع في الموقف الغربي لصالح مطلب التغيير.
هذه الأفضلية في الموقف السياسي للقاء المشترك ظهرت أمس في كلمة الرئيس صالح خلال استقباله موالين له من محافظة تعز، فهو تراجع خطوة أخرى إلى الوراء، واضعاً شروطاً جديدة للبدء في أي حوار حول نقل السلطة، إذ اشترط إنهاء الاعتصامات وإنهاء ما يصفه بقطع الطرقات، وإنهاء حالة التمرد في وحدات الجيش.
هذه الشروط غير واقعية الآن, وهي شروط يضعها حاكم يتشبث بكرسي مليء بالعقارب والثعابين ويسبح ضد التيار, وليس هناك من هو مستعد إلى مجارته.

4688889

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *