لمحامون بين سوق النخاسة وبوابة الحرية! – عبدالعزيز البغدادي

لمحامون بين سوق النخاسة وبوابة الحرية! – عبدالعزيز البغدادي

أحد الزملاء المحامين بادر أو أرسل إلى زميل آخر مرشح لمنصب النقيب يفاوضه بشأن انضمامه إلى المؤتمر الشعبي كشرط لدعم ترشيحه إلا أن الزميل المرشح رفض العرض. وحينما خيَّره بين الالتحاق بالمؤتمر وبين السقوط في الانتخابات فضل زميلنا السقوط على الطريق الآخر الذي اعتبر أسلوب وموضوع عرضه أكثر سقوطاً بل هو السقوط الحقيقي!
ومن خلال معرفتي بالواسطة أرى أنه لم يدرك ضعة المهمة. أما المطبخ الذي يعد مثل هكذا وجبات فإني أرى أنه مطبخ يسيء إلى صاحبه أو أن صاحبه نفسه لا يدرك حجم الإساءة التي تطاله وإلا لما وافق على مثل هذا!
العيب ليس في الانتماء وإنما في طريقة الانتماء، والفرق واضح بين أن ينضم الانسان للحزب أو التنظيم الذي يريد بإرادة حرة أو بدون ارادة أو بارادة مزورة. وطريقة الانضمام ينتج عنها احدى النتائج إما أن نكون أمام تنظيم يضم كماً من الأحرار أو العبيد، ونتيجة ثالثة تولد نتيجة المعادلة هي أن الأحزاب التي تضم أحراراً هي بالتأكيد أحزاب أو كيانات سياسية قد تصيب وقد تخطئ في عملها، وينبغي أن يكافئها المجتمع حين تصيب من خلال منحها أصواته أو حجبها عنه في أي انتخابات، وسواء كانت القيادات سياسية وفي عمل سياسي أو نقابي، هذا طبعاً حين يكون المجتمع كامل الحرية. أما الاحزاب التي تضم عبيداً فبالتأكيد لا تعدو كونها عصابات تتعاطى الشأن العام فإذا كان بيدها المال العام والسلطة العامة بكل فروعها الممسكة بالثروة والقوة فالويل كل الويل للمجتمع المتهاون المستسلم لهكذا عصابات.
الحديث هنا حول الانتماء السياسي بين الحرية والاستبداد بصورة عامة، أما و الحديث حول فئة كالمحامين فأعتقد أن قبول المحامي بأن يكون عبداً في سوق النخاسة قضية مفجعة ولا يحتاج السبب إلى إيضاح لأن المحامي -طبعاً المحامي الحر- يحمل رسالة هي الالصق برسالات الانبياء، ولهذا فقد هالني ما سمعت وأسمع حول التلاعب بعقول المحامين ومساومتهم على أن يستعدوا من قبل المؤتمر بأشهر لأن يكتبوا ويوقعوا على عقد استرقاقهم لفلان أو علان من الطامعين والطامحين للوجاهة وليس لخدمة المهنة لإعاقة النقابة عن أداء وظيفتها وليس للانطلاق بها إلى المكانة المفترضة لنقابة تقارب مثيلاتها في بعض البلدان وليس لنقابة تسيرها الإشاعات والشللية والانتماءات الضيقة.
لا أشك أن المحامي الحر يدرك كيف يجب أن تكون العلاقة بين الانتماء الحزبي والانتماء المهني، كلاهما حق أي نعم ولكن تسخير المهنة أو السيطرة عليها لمصلحة حزب سياسي أياً كان جريمة وسلوك معيب أخلاقياً بحق من يفعل، قد تستخدم السياسة لمصلحة المهنة وهذا أمر مقبول وبشفافية تامة، أما العكس فينبغي أن يرفض بحزم!
أحد الأصدقاء المحامين حدثني ذات يوم في اجتماع مجموعة من المحامين بأن المطلوب الاستفادة من نظرية ميكافيلي، ويقصد المفهوم المسيطر في الذهن السياسي حول هذه النظرية التي كثيراً ما نقرأها متبوعة بعبارة «الغاية تبرر الوسيلة».
وقد سبب هذا المفهوم الذي يعني الفصل التام في نظر من يتبناه بين الأخلاق والسياسة، ولهذا نجد عبارات أخرى تعكس نفس هذا الأسلوب في الفهم أو هذا المفهوم مثل عبارة «لا أخلاق في السياسة»، والسياسة فمن الكذب بدلاً عن فن الممكن.. سبَّب هذا المفهوم المبشر لأطروحة ميكافيلي الكثير من المآسي الناتجة عن سوء أخلاق بعض السياسيين الذين عُرِفوا وفق هذا المفهوم بالدهاة!
المحاماة طبعاً بحاجة إلى دهاء ولكن في حماية القيم والحرية معاً، بحاجة للسياسة التي ترعى الحقوق وتعزز العلاقة السليمة بين حرية الفرد وحقوق المجتمع، بحاجة إلى الأحزاب السياسية التي تؤمن بحق التعدد والتنوع كطريق للابداع والنهوض والتقدم، وليس بحاجة للأحزاب التي تغذي الاستبداد والعبودية وتسعى لاحتواء المنظمات والنقابات وتعطيل أدائها لواجباتها.
إذا استطاع المحامون أن يحافظوا على حريتهم واستقلالية مهنتهم وحرية اختيارهم للقيادة في نقابتهم، فتلك بداية مشرقة ومبشرة لكل الوطن اليمني. هذا حلم نرجو أن نسعى لتحقيقه بجد وفاعلية وحسن تقدير.