القبيلة وقيمها ضحية النظام السياسي في اليمن – محمد صالح النعيمي

القبيلة وقيمها ضحية النظام السياسي في اليمن – محمد صالح النعيمي

جذور المؤامرة:
إن مشاهدة مجتمعنا القبلي وهو يشارك مع قيادات المجتمع المدني من أحزاب ومنظمات جماهيرية في الاحتجاجات السلمية ضد الفساد حاملا مطالب أمته مشاركا في القضايا الوطنية العامة متضامنا مع أبناء المحافظات الجنوبية الشرقية, يدل على مستوى إدراك متقدم للتحولات السياسية والاجتماعية في المنطقة والعالم، مستوعبا أهمية ما تمثله الديمقراطية وترسيخ المجتمع المدني كضرورة للتغيير السلمي. وهذا يثبت عكس ما يشاع عن المجتمع القبلي بأن ممارسته تميل إلى العنف، وكم كان الشيخ علوي الباشا بن زبع موفقاً في مقالته التي نشرت في جريدة “النداء” (صنعاء مدينة بدون مشائخ.. وبدون الفندم أيضاً) الخميس ، 15 نوفمبر 2007، والتي مثلت دعوةً لمشائخ القبائل كي يرتبطوا بهموم قبائلهم بدل الانكفاء في صنعاء ليرتبطوا بقبائلهم أكثر. هذه الدعوة تعتبر الرد العملي على خطة وضعت في الستينيات لتدمير مجتمع القبيلة ووحدتها وسلمها الاجتماعي بل ماضيها وحاضرها ومستقبلها أيضا وتهدف تلك الخطة الى تفكيك عرى الروابط التي تربط الشيخ بقبيلته. إن هناك منهجيتين لتعامل الشيخ مع القبيلة: الأولى ارتكزت مرجعيتها على ثقافة التبعية، تلك التي كان يمارسها الإمام على شعبه. والثانية ارتكزت على الشراكة المتكافئة في الحقوق والواجبات، وهي العلاقة الصحيحة والطبيعية بين القبيلة والشيخ، وهي تميل إلى مصلحة القبيلة بما تفرضه صيغة شروط المواصفات في شخص الشيخ من قيم ومثل تنعكس على وحدة القبيلة واستقرارها مما تجلبه لها من مصالح وخدمات. وهذه النمطية في العلاقة تنطبق على المحافظات ذات الطابع القبلي. وبين معادلة التبعية والشراكة يبرز التباين في سلوكية كل طرف منهما، فثقافة التبعية تبرر للشيخ انتقائية العلاقة بينه وبين القبيلة، بينما لا تقبل القبيلة ممارسة هذه الانتقائية، ومن هنا تلجأ القبيلة إلى مرجعية الشراكة المتبادلة والمتساوية في التعامل، بمعنى أن الشيخ يشارك القبيلة في محنها وأفراحها وهمومها ومعاناتها. وبهذه العوامل تستقيم العلاقة أو تختل، ويتحكم في تفاعلها مستوى وعي مجتمع القبيلة وما يحيط بها من مؤثرات عامة. ووفقا لهذه العلاقة فهناك من المشائخ من تجاوزوا علاقة القبيلة حتى صاروا رموزا وطنية بامتياز.
لقد نشر الكاتب والمؤرخ والمحقق الكبير زيد بن علي الوزير في أحد كتبه “محاولة لفهم المشكلة اليمنية”، هذا المخطط ضد القبيلة ورموزها باعتبارهما العائق أمام ترسيخ واستقرار النظام الجمهوري حينذاك، واعتمد مخططو هذه المؤامرة على ثلاثة مرتكزات وهي:
1 – فصل المشائخ عن القبيلة من خلال دفعهم إلى ممارسة العمل التجاري بما جمعوه من خلال مواقعهم القيادية أثناء الحروب بين الملكيين والجمهوريين. وبهذه الوسيلة سينجر المشائخ إلى الانكفاء على المشاريع التجارية وادارة الربح والخسارة ومن هنا يتخلون عن هموم ومشاكل القبيلة وهي بدورها ستتخلى عنهم مقابل تخليهم عنها.
2 – تفتيت وحده القبيلة بكل مستوياتها الكبيرة والصغيرة وذلك من خلال نشر الحروب والثارات القبلية حتى لا تستطيع أن تتوحد مما يؤدي إلى شل قدرتها عن حل مشاكلها الداخلية, ويمنعها من المشاركة في أي مساهمة وطنية عامة لأنها مشغولة مع نفسها ومع القبائل الأخرى، وهذا ما يتم تعزيزه باستمرار.
3 – تقوية الجيش بالمقابل حتى يكون القوة الوحيدة في البلاد لأن الجيش تسهل السيطرة عليه من خلال إغراء قيادته بالمال وهي بدورها ستضمن ولاءه المطلق لتبعية القيادة السياسية، لأن القبيلة لا يمكن ضبطها كالمؤسسة العسكرية التي تنقاد بمجرد أمر القيادة لها حتى وإن كانت هذه الأوامر ضد إرادة ومصالح الشعب.
وأدى ذالك إلى حروب وثارات ومن ثم إلى ارتهان القبيلة لتحالفات داعمة لها لتفرز مزيدا من الصراعات سواء باسمها أو نيابةً عن الداعم. وكلا النتيجتين هما في إطار المخطط المستهدف للقبيلة.
وقابل ذلك صمتٌ رهيب، من قبل المثقفين والإعلاميين والعلماء وكبار مشائخ اليمن، ورجال الحل والعقد. إنها جريمة تاريخية وإنسانية ستبرز فداحتها وضخامتها حينما تستكمل الإحصائيات النهائية لمقدار ضحاياها وتكاليفها. وهنا سيأتي حكم التاريخ ليشمل أطراف الصراع والمتفرجين أيضا. لقد استخدم الإمام يحيى إثارة الحروب وسيلةً لإخضاع قبيلة ما، أو تحجيمها ولكن بصفةٍ محدودة واستثنائية لأنه كان يدرك مخاطر انتشار هذه الظاهرة على شرعية نظامه السياسي والإنساني، بينما تجاهلها، من جاء بعده. امتلأت القلوب أحقادا وهيمنت المصالح الذاتية كنتيجة حتمية لمآسي الحروب والثارات، بحيث لم يبق لها من مرجع ينظم حركتها وتفاعلها إلا ودمر، بمعنى: لا قانون يطبق ولا عادات يعمل بها ولا شيخ أو زعامة روحية أخذت مكانها.
ونتيجة لذلك يعيش البعض بعقلية وثقافة التبعية فهماً ورغبة وسلوكاً ومصلحة، اختفت المصالح المشتركة والمتوازنة وتحولت ثقافة التبعية إلى نظام لا يجوز نقده فما بالك بتغييره، وصارت هذه الثقافة تحكم تفكيرنا وممارستنا لأنها تعكس منهج الاستبداد وقابلية الاستعباد، وهذا المنهج هو الذي يحكمنا سواءً قبل الثورة أو بعدها. ونتائج التاريخ تؤكد ذلك لأن البيئة الحاضنة لمشروع التغيير تمت سرقتها، ونتيجة لتجاذب التبعية بين تبعية محور الشيخ والقائد العسكري والسياسي ضاعت التبعية لمشروع التغيير، والقلة التي تحمل مشروعاً تغييرياً صحيحاً ضاع صوتها بين هذه المحاور، وبسبب هذه التبعية، ظلت القبيلة معزولة ومحرومة من أي تطور تنموي وتعليمي إلى وقت قريب، وكان ما يعرف اليوم باسم محافظة الجوف لا تذكر في موازنة الدولة وخططها التنموية باستثناء شؤون القبائل، وجعلوا المناطق القبلية شماعة للنقد والتخلف وحاضنةً للارهاب, بينما القبائل بريئة من ذلك الاتهام. وتناسى من يرددون هذه الدعاوى الباطلة أن السيد رئيس الوزراء الأسبق وصف “الفساد والإرهابـ” في أحد بياناته التي تقدم بها لنيل الثقة، إلى مجلس النواب، بأنهما وجهان لعملةٍ واحدة. وقد أحسنت صنعا قبائل مأرب والجوف وشبوة, حين واجهوا وفندوا تلك المزاعم في حينها من خلال منظمة التنمية والسلم الاجتماعي وقلبوا الطاولة على الجميع.

نموذج تعامل الدولة مع القبيلة
وحتى لا ينساق طرحنا إلى ما ليس له من مرجع موضوعي، يمكننا المقارنة بين مجتمعات تماثل المجتمع اليمني ولكن بسياسات تختلف عن السياسة اليمنية المتبعة، حيث توجد بلدان عربية تتشابه في التركيبة الاجتماعية القبلية مثلما هو حال اليمن، ولكن كيف تم التعامل مع هذه التركيبات القبلية؟ ويمكننا أخذ نموذجين هما النموذج السعودي والنموذج الأردني لما لكل بلد من هذين البلدين، من خصوصية تميزه عن البلد الآخر إلى حد ما، وكيف استطاع النظامان السياسيان لهاتين الدولتين أن يحولا القبيلة إلى عامل مشارك في البناء وفي النهضة والتنمية، وجعلا من العادات القبلية الحميدة دعائم للتطور العلمي ولبنة فاعلة في بناء الدولة الحديثة التي يحكمها ويديرها النظام والقانون. لقد عملتا على حل مشاكل حدود المرعى وحل مشاكل الثارات والحروب، بالشريعة وبالقانون، وجعلهما منهجاً للتعامل ومنظمين للحياة توفيراً للأمن والاستقرار. فالدولة تتعامل مع مواطنيها على قاعدة المساواة في المواطنة والحقوق وتحولت مناطق قبلية نائية إلى مدن عصرية استوعبت العديد من شرائح المجتمع ودمجت بين مكتسبات هذه الشرائح من ثقافات وعادات مما حفز حراك عقلية التطور والتقدم, والمنافسة بين فئات المجتمع. كل ذلك أدى إلى تطوير وتعزيز التنمية والتعليم والثقافة وقدسية التآخي والحب بين المواطنين، ومرجعية سيادة القانون بدلا عن العصبية القبلية المقيتة وإثارة النعرات المناطقية والسلالية.
فأين النموذج اليمني من ذلك؟ وبأي عقليةٍ وثقافةٍ تدار الدولة اليمنية؟ وأي تطور وتنمية وأمن واستقرار يحقق هذا النموذج، وخاصةً إذا ما قارنا بين إمكانية المملكة الأردنية الهاشمية وإمكانية اليمن الاقتصادية وكيفية توظيف هذه الإمكانيات في البلدين، فلكل نموذج بيئة حاضنة له ودافعة لتفاعله الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والتطوري بكل أبعاده، ولكل نموذج أيضا منهجيته ووسائله المحققة له سلباً أو إيجاباً.

محاولات القبيلة لمواجهة التآمر
حاولت القبيلة مواجهة هذه المؤامرة بطرق مختلفة كان أبرزها المؤتمرات القبلية، حيث حفلت الساحة اليمنية بالعديد من المؤتمرات القبلية منذ الستينيات وحتى منتصف التسعينيات، والتي ظهرت تحت مسميات مختلفة ثم اختفت, لأن وراءها دوافع سياسية ومنافع شخصية، استغلت فيها هموم ومعاناة القبيلة كشعارات ترفع وتردد ولكن لا توجد لها أية ترجمة في الواقع. ومن ضمن المحاولات المعاصرة برز كيانان قبليان هما:

1 – تحالف قبائل مأرب والجوف:
نشأ عام 1998م حين قررت الحكومة إنزال ما سمي بالجرعة، أي زيادة الأسعار، على إثرها قامت احتجاجات ومظاهرات في العديد من المدن اليمنية من ضمنها مناطق مأرب والجوف. وعلى الرغم من أن هذه الاحتجاجات كانت سلمية إلا أن الدولة ممثلة بالقائمين عليها تعاملت مع قبائل الجدعان وبعض قبائل همدان الجوف من خلال إرسال حملة عسكرية أدت إلى سقوط عدد من القتلى والجرحى وتدمير قرى وتشريد أهلها، مما دفع ببقية قبائل مأرب والجوف للتحرك لوقف هذه الحرب الظالمة ونصرة إخوانهم المعتدى عليهم والاشتراك في مواجهة عدوان الدولة إذا لم توقف الحرب. ونتيجة لذلك التحرك أوقفت الحرب والهجوم على تلك المناطق، وأعلنت هذه الحشود القبلية من المحافظتين وثيقة التحالف بين القبائل الموقعة من المحافظتين سمي “تحالف قبائل مأرب والجوف”.
وتميز هذا الكيان بخصوصية انطلاقته من رحم معاناة الناس، وحمل هذه المعاناة وآلام وحرمان مجتمعه، وجعل منها قضيته التي يعمل من اجلها، ويتميز أيضا بالشراكة في القرار والإدارة، وظل منذ نشأته يعمل على تطوير مجتمعه منفتحا على المجتمع المدني من خلال المنظمات المحلية حيث أنشأ “المنظمة اليمنية للتنمية والسلم الاجتماعي” لتتبنى المشاريع المختلفة من صحية وتعليمية وحل مشاكل الثأر بكل أنواعه وأشكاله.
وعلى الرغم من أن التحالف واجه صعوبات شديدة إلا انه حافظ على بقائه واستمراريته، واستطاع أن ينسج علاقات متينة مع منظمات المجتمع المدني. ومؤخراً صرح الأمين العام للتحالف الشيخ علوي الباشا بن زبع بأن هناك حواراً لتوسعة هذا التحالف ليضم عدداً من المحافظات الأخرى المجاورة لمحافظتي مأرب والجوف.

2 – مجلس التضامن الوطني:
نشأ هذا التحالف عام 2007 بقوة وزخم شديدين, وبإمكانات كبيرة، وضم العديد من المشائخ والفعاليات وأعضاء مجلس النواب وعلى مستوى اليمن، ونتج كرد فعل على خلاف بين الشيخ حسين الأحمر والرئيس علي عبد الله صالح وحزبه المؤتمر الشعبي العام بعد بروز استهداف للشيخ عبدالله بن حسين الأحمر (رحمه الله) وأولاده بأشكال وصور متعددة, وتبنى القضايا الوطنية. وعلى الرغم من تبعيته العملية للشيخ حسين الأحمر الذي يعتبر رئيسا له وداعما أساسيا, إلا أن هذا المجلس يحمل من المكونات البشرية والبرامج ما يؤهله لأن يحدث تغييراً في المجتمع إذا ترسخت فيه ثقافة وممارسة الكيان المؤسسي كمشروع وبرنامج وممارسة، كما أكدتها خطابات وتصريحات الشيخ حسين الأحمر نفسه.
وهنا يبرز سؤال فارضا نفسه وهو: من سيفوز على الآخر؟ هذه المكونات المؤسسية أم ثقافة وبيئة التبعية؟ والمستقبل هو الذي سيحدد الاجابة.
إن أبناء القبائل مطالبون اليوم بأن يدركوا أهمية المرحلة ليقوموا بعملية تصحيح المفاهيم الخاطئة عن القبيلة، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى المشاركة الفعلية في الاصطفاف الوطني مع بقية القوى الوطنية ومنظمات المجتمع المدني وبقية فئات المجتمع، وذلك من اجل صياغة وبناء مشروع متكامل لمجتمع مدني وعلمي، ليؤمن شروط النهضة وتغيير كل ما يعانيه الشعب اليمني على مستوى الفرد والجماعة والدولة، وصولا لإصلاح النظام السياسي بما يحقق قيام دولة اليمن الحديث؛ دولة الحق والعدل والمواطنة المتساوية.
فالمرحلة خطيرة جدا كونها تهدد اليمن وطناً وإأنسانا. فالمرحلة التاريخية ومعطياتها تتجاوز كل نظرة خاصة أو جزئية.
فالظلم واقع على الجميع، ونحن في سفينة واحدة، فلا يتصور من في السقف الأعلى أنه سينجو من عبث المفسدين في السقف الأسفل، فنجاة السفينة نجاة للجميع، وغرقها يعني غرقاً للجميع.
[email protected],com