حنايا – هدى العطاس

حنايا – هدى العطاس

 الدم يغطي الشاشة، يغطي حدقات العيون. لا شيء سوى الدم. الأرض تنث دما، دما لم يلوَّث بعد بقناعات، ولا يحمل كروموسومات مواقف ما، دما نقيا مازال مخلوطا بحليب الأمهات الفجيعات، دما حديث عهد بأحضان آباء مكلومين، دما لم يغادره دفء قلب رؤوم، دما سيسائل عنه ضمير العالم… ذلك هو دم أطفال غزة. تلك البرك الحمراء القانية التي كان يمكن أن تنبض خلف طيارة ورقية، وإذا بها ترجف في شرايين النزع الأخير، تحت نيران طائرات العنصرية الصهيونية، الحقد المدجج بالجنود والأسلحة، النبتة الشيطانية التي أثمرت مسخا مشوها يتغذى على أشلاء مجازره، المسخ الذي نز دمه في شرايين الحكومات العربية مفرخا مسوخا شائهة يحتمي بها.
القتل جريمة حتى داخل عمليات النضال المسلح، فكيف به حينما يُعتنق كنهج يُحل قتل الأبرياء والعزل، بدوافع وحشية عدوانية محضة، مهما حاولت آليات السياسة الغربية الأمريكية تسويغ جرائم مرتكبيها.
أيمكن ألاَّ يتفطر ضمير العالم أمام جسد أم معطوفا كان على أشلاء أطفالها الأربعة، ظنا في حمايتهم، فإذا الخمسة يكومهم الموت الإسرائيلي كتلة واحدة، أمام مشهد أبٍ حفرت أخاديد الفجيعة وجهه، حاضنا رفات ابنه المهترئ. تلك الطفلة التي يرتجف ذقنها ألماً ويتلوى جسدها الصغير بسبب حروق غطته، أفكر تحت غشاوة دمعي العاجز: بماذا يا ترى كانت تفكر تحت اختلاجات جسدها الموجوع!!؟ هل يقدر ذهنها الغض أن يفسر أسباب ما يحدث لها!؟ هل تأتأتها الملثوغة تستطيع التعبير عن مدى هلعها وألمها!؟ مئات الأطفال الذين بترت آلة الشر الصهيوني أطرافهم، أيستطيع خيالهم الطفولي استبصار عجزهم القادم، أو يستوعب تصورهم كيف يمكن أن تصبح ألعابهم، لهوهم البريء، لا أرجل تركل الكرة، ولا يد تمشط الدمية!! مرت أمام خاطري المحزون الرقبة المتدلية لطفلة محمولة على ساعدين محزونين، ووجها الصغير مقنعا بالدم! بماذا كانت تحلم يا ترى لحظة انقضت عليها آلة القتل الإسرائيلي!؟ أي صورة أخيرة مرت أمام عينيها قبل أن يغلقا إلى الأبد!؟ ربما آخر ما رأت مزقة من ثوب أمها الذي تتشبث به خوفاً! يا لشقاء الأمهات في غزة! يلمسني شعورهن برفيف الروح، يرعين أطفالهن، وهن الثكالى، في رفة عين يفقدنهم، لتظل أرواحهن هلعة تهرول خلف الأجساد الصغيرة دون عودة.
يخجلني الارتياح وأنا أراقب وجه “حنايا” (ابنتي) النائمة جواري والأمان يغمر ملامحها، أتذكر الوحشية الإسرائيلية التي طالما أزهقت أمان مئات الآلاف من أطفال فلسطين ونزعت سلامهم، وهاهي تنزع أرواح مائتين وثمانين طفلا، خلال عشرة أيام في عدوانها الأخير. أخالني أسمع أناتهم الضعيفة، شهقاتهم الأخيرة قبل أن يسلموا الروح، ومازال المئات منهم يتمدد وجعهم على الشاشة، ينتظر، لعل عونا، حنوا، يسري في أوردة العالم المثلوم بالجبن! ستحاكمنا أعينهم المفقوءة، جروحهم النازفة، أجسادهم المبتورة، وجوههم المحترقة، طفولتهم التي تتضرج في الدم والألم أمام أنظار العالم المستلب لآلة المغالطات الصهيونية ولمصالحه اللاانسانية. يصم بكاؤهم، صراخ فزعهم، أنين وجعهم، حشرجات أرواحهم الصاعدة، يصم سكون الأرض؛ غير أن الذين رهنوا آذانهم للصمم لا يسمعون…
[email protected]