الإعلام اليمني بين الاحتكار والتعددية(2-2) – عبدالباري طاهر

الإعلام اليمني بين الاحتكار والتعددية(2-2) – عبدالباري طاهر

تعددية وسائل الإعلام في الإعلان العالمي والعهدين الدوليين والإعلانات الدولية

حرية الإعلام
” لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها..” المادة التاسعة عشر من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
ومعروف أن معظم دساتير بلدان العالم الثالث وإن أقرت بهذه الحرية إلا أنها غالبا لا تقبل بجوهر التعددية، ولا تقر بحرية الاعتقاد، ولا تتيح تدفق المعلومة أو حق الحصول عليها، وتحتكر وكالات الأنباء الخبر المحلي، كما تحتكر أهم الوسائل الإعلامية: التلفزيون والإذاعة فضلاً عن امتلاك الصحف القومية الكبرى.
وتنص المادة (19) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على:
1 – لكل إنسان الحق في اعتناق الآراء دون مضايقة.
2 – لكل إنسان الحق في حرية التعبير. ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى.
3 – تستتبع هذا ممارسة الحقوق المنصوص عليها في الفقرة ” 2 ” واجبات ومسؤوليات خاصة. وعلى ذلك يجوز إخضاعها لبعض القيود. ولكن شريطة أن تكون محددة بنص القانون وان تكون ضرورية(1).
ودستور الدولة اليمنية وان نص على حرية الرأي والتعبير إلا انه لم يكن بمستوى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أو العهدين الدوليين. فهو قد تراجع في تعديلات ما بعد حرب 94م عن حرية الاعتقاد. كما أن قانون الصحافة ولائحته التنفيذية قد مثلا خطا راجعا عن ما نص عليه الدستور. فما بالنا بالإعلان العالمي المادة (19)، أو العهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية وللحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
ومعروف أن اليمن قد شاركت في صياغة الإعلان العالمي كما وقعت على العهدين الدوليين فإنها قد أبقت، أو بالأحرى صاغت قوانين مقيدة للحريات ومصادرة وقامعة لها. كما أبقت على احتكارها لوسائل الإعلام المهمة. وقد نص الدستور اليمني على الالتزام بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وفي بلد كاليمن تتجاوز فيه الأمية ال 65 % في الرجال وال 70 % في النساء، فإن الحديث عن حرية رأي وتعبير مع احتكار الدولة لأهم وسائل الإعلام: التلفزيون والإذاعة والصحف الحكومية، هو حديث ملتبس ومنقوص. فهذه الأجهزة تلعب الدور الأساسي في تكريس رؤية الدولة وتسيير خطابها وفرض منطقها وسياساتها.
وبدون تفكيك احتكار الإعلام الرسمي فإن الحريات الصحفية تبقى منقوصة وتجعل من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، الحديث عن ديمقراطية حقيقية أو تداول سلمي للسلطة.
والدولة لا تحتكر الصحافة المسموعة والمرئية ولكنها أيضا تحتكر الوكالة الوحيدة للأنباء وتحرم الصحف الأهلية المستقلة والحزبية من الحصول الميسور على المعلومة وحق تلقيها. وهو ما يجعل الإعلام الرسمي هو الوسيلة أو القناة شبه الوحيدة للحصول على المعلومة.
ويتبوأ الإعلام المركز الثاني بعد الجيش والأمن في رؤية الدولة العربية وتعاملها. فإذا كان الجيش والأمن أداة السيطرة والقهر والغلبة المادية، فإن الإعلام أداة الهيمنة السياسية وتزويق السياسات والأخبار المدخولة والحديث الأبدي عن المعجزات والمنجزات.
تشير الباحثة الإعلامية الدكتورة عواطف عبد الرحمن في دراستها عن تاريخ الإعلام العربي، ونشأته على أيدي الحكام، وبالأخص الصحافة:
[وقد سيطرة هذه الحقيقة التاريخية على نشأة وسائل الإعلام الأخرى المسموعة والمرئية]، إذ نشأت الإذاعات العربية في نهاية العشرينات من هذا القرن. ثم انتشرت انتشارا واسعا في سائر الدول العربية. فلم يكد ينتصف عام 1975 حتى كان لكل دولة عربية إذاعة خاصة بها. والنشأة الحكومية هي السمة الغالبة حتى اليوم”(2).
وهناك نمط واحد للملكية ” الملكية الحكومية ” للإذاعة والتلفزيون. وترى الدكتورة عواطف أن الأمر مختلف بالنسبة للصحف المقروءة رغم أن السمة الغالبة الملكية الحكومية مع وجود صحافة أهلية وحزبية بعضها مستقل(3).
وتتدخل الحكومة باعتبارها المالكة الرئيسية لجميع وسائل الإعلام في تعيين الموظفين وتحديد مسؤولياتهم وحجم الميزانيات؛ مما يؤثر على نوعية الرسائل الإعلامية والاختيارات المتاحة أمام مجالس التحرير في الصحف. كذلك يؤثر على نوعية الكوادر المؤهلة لقيادة المؤسسات الإعلامية(4). ويتدخل الإعلان والدعم المرئي والمستتر في تكريس التبعية.
وقد تختلف أشكال القوانين واللوائح المنظمة للإعلام المطبوع من بلد إلى آخر، ولكنها تتفق في عدم انطباقها على الإذاعة والتلفزيون ووكالات الأنباء بسبب السيطرة الحكومية المباشرة على هذه الوسائل الإعلامية الحيوية(5).
وتتخذ السيطرة الطابع المركزي، فالإرسال الإذاعي والتلفزيوني ينبع دائما من العاصمة الرسمية للدولة، أو إحدى المدن الرئيسية. وكذلك الإنتاج الإعلامي وخصوصا في البلدان العربية(6).
وما يلاحظ عن الممارسات الإعلامية في الوطن العربي، تركيزها على الجوانب السياسية والدعائية والتحرك في دائرة الحكام والرؤساء. وتسليط الأضواء على أنشطتهم وخطبهم السياسية وتنقلاتهم، مما يؤدي إلى إهمال الوظائف الأساسية للإعلام، وهي إحاطة المواطنين بمعلومات كاملة وأمينة عن كافة ما يدور حولهم محليا وعالميا. فضلا عن تجاهل التثقيف والتوعية القومية والاجتماعية(7).
وقد تراجع كثيراً دور الصحافة في مرحلة ما بعد الاستقلال عن دورها قبله وأثناءه؛ حيث جرى تغييب الحرية والديمقراطية واختزال وظيفتها في مدح الحكم والإشادة بالمنجزات.
وهناك مشاكل عديدة تترافق مع احتكار الدولة للصحافة المسموعة والمرئية، كانسياب الإعلام في اتجاه رأسي وقيامه بدور أساسي في عمليات الضغط الاجتماعية وحماية الأوضاع السياسية والاجتماعية القائمة في الوطن العربي(8).
والرزية الكبرى أن ” الإعلام العربي الضعيف والهش والمتخلف يخضع هو الآخر لاحتكار وهيمنة الإعلام الغربي الأقوى والأشد تفوقا تقنيا وتكنولوجيا وقدرة على الاتصال والتأثير”.
وقد تبني الأستاذ مختار امبو الأمين العام لليونسكو قضية ” حرية الاتصال والتوازن الإعلامي “. وطرحت هذه القضية مبكرا منذ السبعينات ولا تزال موضع جدل وتحاور.
إن الإعلام اليمني أو بالأحرى الدولة اليمنية مطالبة بعدم احتكار وسائل الإعلام المرئية والمسموعة. ورفع يدها عن الإعلام المقروء الذي تصرف عليه الدولة الملايين وملايين الملايين من المال العام وضرائب المواطنين. ومطلوب أيضا التزام الدولة بإلغاء وزارة الإعلام وإعادة النظر في القوانين القامعة للحريات الصحفية وحرية الرأي والتعبير في قانون الصحافة والقوانين الأخرى المجرمة. مثل قانون الوثائق والمرافعات الجزائية والعقوبات وبعضها يحكم على الصحفي في مخالفة رأي أو إفشاء معلومات بالإعدام.
إن الدستور اليمني يلتزم بميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، كما يلتزم بالإعلانات العالمية للإعلام ومنها “إعلان صنعاء”. وكلها تنص على عدم احتكار الدولة لوسائل الإعلام، وبالأخص المسموعة والمرئية.
ومعروف أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهدين الدوليين، المصادق عليهما من قبل الحكومة اليمنية، كلها تؤكد على حرية التعبير وعدم امتلاك الدولة لهذه الوسائل.

> هوامش:
(1) دليل مقارن للمعايير الدولية لحرية التعبير وتداول المعلومات وحالة التشريعات اليمنية، ص 3 إعداد عبد الله خليل.
(2) دراسات في الصحافة العربية المعاصرة، ط دار الفارابي، ص 28 بتصرف.
(3) مصدر سبقت الإشارة إليه بتصرف شديد ص 28، 29
(4) مصدر سبقت الإشارة إليه، ص 29، 30.
(5) مصدر سبقت الإشارة إليه، ص 30.
(6) مصدر سبقت الإشارة إليه، ص 32.
(7) مصدر سبقت الإشارة إليه، ص 32، 33.
(8) مصدر سبقت الإشارة إليه، ص 41.