الملوثات البيئية تهديد للمستقبل وحصد لأرواح الحاضر

الملوثات البيئية تهديد للمستقبل وحصد لأرواح الحاضر

بشرى العنسي :

أعداد كبيرة من الناس مستلقية هنا وهناك تحت أشعة الشمس الحارقة التي لم ترحم أناتهم ونظراتهم الشاحبة التي تمتزج لترسم صورة للمعاناة الحقيقة، التي يجهلها من هم خلف تلك الجدران والأسوار.
صورة يقشعر لها بدن كل من يدخل إلى المركز الوطني للأورام، يصطدم بها عند البوابة وقبل ان يخطو اي خطوة إلى الداخل.
اضحى السرطان كلمة تتردد على أسماعنا بكثرة وبشكل مخيف، مرض ينهش اجساد الناس ويقتلع أرواح الصغار قبل الكبار، شبح يهدد المستقبل قبل الحاضر.
عدد من المصابين بهذا المرض يتوافدون من مختلف محافظات الجمهورية الى العاصمة صنعاء، إلى مركز الاورام بالذات؛ بحثاً عن علاج لذلك الكابوس الذي يكلفهم حياتهم قبل ممتلكاتهم.
فلماذا زاد انتشار هذا المرض، وما علاقته بالتقدم التقني والتطورات الحياتية المتسارعة، والملوثات البيئية الناتجة؟
 
 
 د. نديم محمد سعيد، مدير المركز الوطني للأورام أوضح قائلاً: «بأن الناس و كمجموعة تعيش في منطقة ما فإنهم يؤثرون ويتأثرون بما حولهم وقضية الملوثات البيئية والتي اغلبها تصنع بواسطة الانسان لها سلبيات كبيرةوتسبب كثيراً من الامراض ومنها السرطان، مضيفاً بأن اضرارها لا تنحصر على الجيل الحالي من البشر وإنما على الاجيال القادمة ايضاً، فالملوثات البيئية،كعامل مسرطن، قد لا تظهر اعراضه في الوقت الراهن بذلك الشكل المريع الذي سيظهر على الأجيال القادمة وبطريقة وراثية. منوهاً إلى ضرورة اخذ الموضوع بعين الجد وبشكل علمي وكذلك الوقاية من خلال نقل المصانع والملوثات البيئية خارج التجمعات السكانية.
قد لا تكون الملوثات البيئية هي السبب الوحيد للإصابة بالأمراض السرطانية، وانما تتكاتف معها عوامل ومسببات أخرى حسب ما جاء في كلام د.محمد درهم، حيث ان التهابات فيروس الكبد البائي «مسؤول عن جزء كبير من امراض السرطان» وكذلك انتشار البلهارسيا «مسؤول عن سرطان المثانة» ويعتبر التدخين والتبغ بكل انواعه مسؤول عن (30٪) من الاصابة وهذا ما هو مثبت، ولكن اثبات نسبة الملوثات البيئية في رفع الامراض السرطانية يحتاج إلى عمل أبحاث على هؤلاء المرضي، كمناطق السكن وطبيعة العمل ونوع المأكولات ونوع السموم التي يتعرضون لها وعلاقتها المباشرة بالسرطان وبحث كهذا يحتاج إلى امكانيات كبيرة جداً مستطرداً أنه بصفة عامة لوحظ ارتفاع نسبة سرطان تجويف الفم والجهاز الهضمي نتيجة تناول «الشمة» ونحن نشك بالمبيدات الحشرية المستخدمة في كثير من الفواكة والخضروات وحتى يثبت ذلك علمياً لابد من البحث.
(4000) مريضهم المسجلون فقط، ومثلهم اضعاف يأتون إلى المركز يومياً، ناهيك عن الحالات الكثيرة التي تفضل السفر إلى الخارج، وآخرون يموتون قبل ان يفكروا في العلاج ألا يستدعي كل هذا منا الاهتمام ببيئتنا والحد من الملوثات البيئية؟! ألا يستوجب على الدولة فتح مراكز اورام آخر في محافظات أخرى حتى لا يتكبد المرضى عناء السفر إلى صنعاء وحتى يتلقوا العلاج والعناية المناسبين.
 
وقفة مع المعاناة
– (ن.ع.ح) ذات الأربعة والعشرين عاماً تقبع على ذلك السرير في زاوية الغرفة، يستقبل جسدها الملائكي الممتد عدداً من الإبر والمواد الكيميائية دون أن يخبرها أحد عن حقيقة مرضها، تقلب عينيها في أرجاء الغرفة علها تستطيع أن تسمع شيئاً مما يدور حولها من خلال السماعة الموصولة بأذنيها.
تكاتفت كل الظروف ضدها منذ أن كانت صغيرة، فقدت والدتها وهي في العاشرة، خطفت من المدرسة لترمي في احضان خالتها «زوجة الأب» التي افقدتها سمعها من شدة الصفع. تبرأ منها والدها في المحكمة، بعدها لجأت إلى جدها هرباً من المعاملة القاسية، تنتقل ما بين منزل خالها، الذي لا يملك عملاً لإعاشتها مع اسرته، وبين منزل جديها اللذين لا حول لهما ولا قوة، ليداهمها في الأخير هذا المرض الخبيث الذي اصاب غددها الدرقية والليمفاوية. تتحمل خالتها «أخت الأم» عناء السفر بها من عدن إلى صنعاء لتلقي العلاج في المركز، بعد ان أنهكم ثمنه في عدن، تترك عملها كمدرسة في «يافع» وتترك اطفالها الصغار حتى ترعاها بعد ان تخلى عنها والدها.
ثلاث سنوات و«ن.ع» تصارع المرض وعلى وجهها ابتسامة باهتة كتلك التي استقبلتني بها.