الدولة كمنتج سيء للأخلاق.. التلصص نموذجاً – وضاح المقطري

الدولة كمنتج سيء للأخلاق.. التلصص نموذجاً – وضاح المقطري

غالباً ما يكون مزاج الدولة البوليسية منفتحاً على التلصص، ومعرفة كل متعلقات وتفاصيل حياة معارضيها المعرضين لملاحقاتها وتحرياتها والخاضعين (بعلمٍ أو بدونه) لمراقبتها الدائمة، ومعرفة حركاتهم وسكناتهم بدقة واحتراف، بمساعدة تقنيات العصر المتاحة لها وحدها، وظروف وعادات المجتمع الذي يتيح الكثير من المعلومات عن أفراده وجماعاته، كونه يهتم بمعرفة ما يدور في كواليس كبار شخصياته، والمشاهير عموماً، وحتى الأفراد العاديين. لكن الأمر هنا يرتبط فقط بإشباع الفضول لا أكثر.
وعادة ما يُمكن للمجتمع أن يقبل بإيذاء و معاقبة أحد أفراده، أو جماعة منهم إثر انكشاف بعض أسرارهم التي قد يرى فيها عموم المجتمع خروجاً عن المألوف والعادات، وخصوصاً حين يتعلق الأمر بالمحرمات والمقدسات، وتجاوز الخطوط الحمراء، لكن هذا المجتمع يظل محافظاً على رصيده الأخلاقي في رفض واستنكار التلصص على الأفراد ومراقبتهم، ويحدث له أن يُستفز ويرفض معاقبة الأفراد على ما فعلوه أو قالوه سراً، وتم اكتشافه عن طريق التلصص طالما لم يكن يشكل عليهم خطراً مفترضاً، فالمجتمع حين يطالب ويقبل بالمعاقبة يكون ذلك مرجعه عدة اعتبارات منها طريقة التصوير الإعلامي لخطورة ما تم اكتشافه على أنه مؤامرة تستهدف الأمن العام، أو المقدسات، أو كون البلد يمر بمرحلة احتقانات شديدة الوطأة من الناحيتين الأمنية والسياسية، لكن برغم كل ذلك فهو (المجتمع) لا يقر شرعية التلصص والتجسس.
قبل أكثر من شهر اختطف مجموعة من أشاوس الأمن الصحفي عبد الكريم الخيواني من بيته، وأوصلوه إلى النيابة التي قدمته لمحكمة أمن الدولة بتهم غير منطقية عدة، مستخدمة في ذلك عدداً مما اعتبرته أدلة قاطعة، أحدها وأبشعها مقاطع من مكالمة هاتفية بينه وبين محمد المقالح. المقاطع التي وردت في قرار الاتهام لا تدل سوى على رغبة الانتقام من الخيواني تحت أي مبرر كان، وهي رغبة ترسخت في ذهن القائمين على أمر البلد والمسيطرين على أجهزة الأمن والقضاء فيه؛ وأكدها استدعاء الرئيس لقادة الأحزاب والتنظيمات السياسية لاستباق تضامنهم مع الخيواني مباشرة إثر حادثة الاختطاف، حيث عرض عليهم سيادته التسجيل الصوتي للمكالمة المذكورة.
لم يتم تناول خطورة هذا الإجراء الرئاسي من قبل أي كان، وكأن الجميع يتواطأ مع قيام النظام بالتلصص والتجسس عليهم وعلى مكالماتهم وخصوصياتهم، ومن رأس الدولة مباشرة، وكما قيل فإن جميع الحاضرين خرجوا من لقائهم بالرئيس دون كلمة اعتراض واحدة.
الكلمات المجتزأة من مكالمة الخيواني والمقالح، والتي سمعناها في قرار الاتهام الموجه للخيواني في جلسة محاكمته بتاريخ 4/7/2007 لا تدلُّ على رغبة أي من الاثنين على المس بأي أمنٍ، لكن التفسيرات الأمنية السلطوية لها ما يبررها في عقلية الدولة فقط. وإذا كانت ما تسمى بالخلية الحوثية قد استثنيت من اتفاق إنهاء حرب صعدة، ومن ثم تم ضم الخيواني إليها، فهذا لا يدع مجالاً للشك بأن الخيواني كان مستهدفاً لشخصه، وأن التلصص على مكالماته تم بنية سيئة، الغرض منها العثور على ما يمكن تلفيقه وإدانته، ومن ثم التبرير على سياسة التنكيل الرسمية به.
الفعل الرئاسي هنا يأتي وكأنه ممارسة عادية ومجازة وغير مقيدة تجاه أي كان من الأفراد والجماعات، وإنما تأتي تأسيساً على شرعية الحفاظ على أمن الدولة، وحق رموزها في عد أنفاس الآخرين، وحصر أفعالهم، بل ورسالة واضحة بأن الجميع صاروا تحت سمع وبصر السلطات الأمنية، وبإشراف فوقي لا يغادر كبيرة أو صغيرة إلا أحصاها.
إن الدولة إذ تصير جاسوساً محترفاً لا تكتفي بالتقاط الأسرار، بل وتزيد على ذلك بالتلفيق والمبادرة إلى الإيذاء وفقاً لما تلقته عبر تجسسها أو ما لفقته عن معارضيها، فإنها تفقد شرعية إجراءاتها من أي منطلق كان، ولا يمكنها تبرير أفعالها بأي شكل، أو قاعدة أخلاقية تستند على ما تسميه أمن الدولة؛ فالفعل المجتمعي تجاه التلصص والتجسس المنظم يصب في خانة الاستنكار والاحتقار وخصوصاً حين يأتي من الدولة.
لكن الدولة عموماً، والبوليسية خصوصاً، تتجرد عادة من أي التزامات أخلاقية حتى تجاه نفسها، فتقوم بالتجسس ومراقبتها حتى لبعض أفرادها المشكوك في إخلاصهم. وهو ما يحدث لدى نظام الدولة اليمنية القائم على أجهزة الأمن أساساً.
أصبح معروفاً لدى الجميع، سياسيين وإعلاميين وحقوقيين وحتى أفراد في الحكومة والبرلمان، بل وأشخاصاً عاديين، حتى؛ أن ثمة آذاناً تتلذذ بسرقة أنفاسهم وعد حروف كلماتهم، ومعرفة حتى أسرارهم الخاصة، بل ويتم المجاهرة بهذا علناً.
بهكذا أفعال تؤكد الدولة على أنها منتج سيء للأخلاق، فالتلصص والتجسس عادة ما يتمان بعيداً عن رقابة لضمير يقظ، أو أخلاق مترفعة عن الصغائر، والتلذذ بأسرار الآخرين، وانتهاك خصوصياتهم انتهاك خطير لحقوق الإنسان، وتعدٍّ على حريته. يتم ارتكابها جميعاً في ظل الإحساس بالخوف من هذه الحرية وتلك الخصوصية، بافتراض سيء النية، وقلقٍ المذنب بأنهما خطرٌ على راحته واستقراره واسترخائه فوق رقاب المتلسط عليهم.
من المعيب حقاً أن يمارس فرد أو جماعة أو دولة رقابة مباشرة على الأفراد والجماعات أيضاً لجعل أسرارهم متاحة ومباحة، ومن المعيب أكثر أن يجاهر مسؤولو النظام بهذه الأفعال المنكرة ما يجعل النظام سيئاً أكثر مما هو عليه أصلاً في قيامه بمهامه البوليسية.
والمثير للاستغراب أكثر أن يحدث هذا في ظل صمت المتجسس عليهم؛ كأنهم يتواطئون مع المتلصصين، أو كأن التلصص مباح قانوناً وأخلاقاً، وإذ يصبح المرء مدركاً أن همساته صارت مسموعة حتى لرأس الدولة؛ فإنه من المعيب عليه أيضاً أن يرضى بهذا، فرضاه هذا يعدُّ انتهاكاً منه لحقوقه، وحقوق من يتبادل معهم الكلمات التي تتسرب بهدوءٍ لا يخدشه قليل من الحياء.
[email protected]