حنايا – هدى العطاس

حنايا – هدى العطاس

هذه السن، بالريحان قررت أن أستقبل رمضان، زرعت غصنَيْ ريحان عند نافذة غرفتي، قلت عل فواحهما يعبق البهجة في المكان، والأمل في أرجائي. وحينما الصباح أهرول لأسقيهما وكأنما أسقي أنساغ المحبة والجذل داخلي.
رمضان شهر مبارك وكريم، لا يخلف مناقبه كل عام. ونحن كل عام يسفر واقعنا عن إغراقه في المثالب. لذا زرعت الريحان ليعادل روحي. كيف يمكننا أن نعامد الشهر الفضيل، نتشيع لذواتنا، نكرمها، نبارك دوافعها واستجاباتها الخيرة؟
طالما كان رمضان كريم هذه حاله، بينما ما حالنا نحن؟ قد يبدو استطرادي مدخلاً لنوح ولطم لا ينتهي، عن الغلاء والفقر والجهل والمرض والجياع وقهر الدولة؛ غير أنني سأخالف السُّنَّة المعهودة. نعم، الفقر يحل بين ظهرانينا والجوع يضرب أطنابه في عظامنا، ولكنني رأيت شعوباً أكثر فقراً غير أنهم أكثر مثابرة لتخطيه، وأشد جوعاً منا ولكنهم أشد كرامة، يأنفون التسول. رأيت البؤس يغالبهم فيغلبونه بإيمانهم بالحياة وتطلعهم للمستقبل، يزرعون سنابل فرحهم من المأمول، فلسفتهم: للحياة طرقات عدة كيما نعيشها.
زرعت الريحان عند نافذتي منتظرة أن يورق في حناياي.
لو يزرع كل منا ريحانة داخله ربما لن نحتاج إلى كثير إعلانات رحمة ممجوجة يكررها الإعلام علينا ملء صفحات الجرائد وشاشات التلفاز، ولا شعارات فضيلة ملتبسة وبرامج وخطب تبتز خشيتنا من مناكر لا يتسع متاحنا لارتكابها، بينما الإثم الأكبر ظلمنا لأنفسنا ولبعضنا؛ لن نحتاج لخطاب زاعق ينتهزنا، يلبس انهزاميتنا، استغراقنا في الماضي واستنساخنا للأوهام، تواكلنا على العالم الأخروي حيثما نداري عجزنا عن بناء واقعنا الحي.
لماذا لا يغدو رمضان فرصة ليزهر الإخضرار واللون في نفوسنا وشوارعنا وبيوتنا، طاردين الأدران والجيف العالقة في رؤوسنا وسلوكنا ومعاشنا اليومي؟ كم نحن بحاجة لشجيرات (غير أشجار القات) تقطّر طلها في أيامنا! فليغرس كل منا ريحانة داخله! وحديثنا.. ممتد.
[email protected]