أحداث مأرب.. محاولة الاقتراب من الفاعل – عارف أبو حاتم

أحداث مأرب.. محاولة الاقتراب من الفاعل – عارف أبو حاتم

تضاربت الأنباء حول الفاعل الحقيقي في أحداث مأرب. ثم جاء ما يشبه الإفصاح عن طبيعة الفعل، دون تحديد هوية الفاعل.
 وبعد تأمل في طبيعة ما جرى، والظروف الزمانية والمكانية للحادثة، تجلت احتمالات ثلاثة، علَّ في أحدها تكمن صورة الفاعل/القاتل.
 بعد يوم واحد من الحادثة، كشف رئيس الجمهورية عن معلومات أولية تشير إلى أن الفاعل يحمل جنسية “عربية” وليس يمنيا. وفي مساء اليوم التالي كانت قوات أمن كثيفة تحاصر منزل المصري أحمد بسيوني دويدار، غرب العاصمة، لعدة ساعات انتهت بمقلته. غير أن الأمن قال إن “دويدار” قاوم بشدة واستخدم أسلحة خفيفة، ورمى الأمن بثلاث قنابل، في حين انفجرت الرابعة بيده وقتلته. إلا أن الإعلام (غير الرسمي) نقل عن شهود عيان قولهم عدم مقاومة “دويدار” إطلاقاً، بل طلب منهم السماح لزوجته اليمنية وطفليها بالخروج من الشقة، فامتنع الأمن، ثم سُمح لها في ساعة متأخرة من الليل، فيما رفض الأمن خروج “دويدار” حياً.
 ويذهب الإعلام (غير الرسمي) إلى أن الأمن أراد بذلك تغطية فشله، في تأمين سلامة الطريق وعدم التوصل إلى هوية الفاعل الحقيقي، باعتبار أن “دويدار” رجل عجوز، هادئ، يعمل محاسباً في شركة “العودي” للتناوير (المواقد الحديدية)، وفصل منها قبل شهر ونصف من مقتله، وعمل محاسباً في أكثر من شركة أهلية يمنية، وقضى أربع سنوات (94-98) موجهاً مالياً وإدارياً في وزارة التربية والتعليم، ورجل مثل “دويدار” -برأي الإعلام- يمكن إحضاره باتصال هاتفي.

اليمن والإرهاب
كان أول ظهور علني للإرهاب في اليمن عند اختطاف 5 سياح بريطانيين على يد الجهادي أبو الحسن المحضار، زعيم “جيش عدن أبين الإسلامي”، في العام 1997 وتلا ذلك محاولة فاشلة نفذها الإرهابي الأسباني نبيل نايكي بتفجير عبوات ناسفة في عدن، ليأتي بعدها الانتصار الكبير لتنظيم القاعدة في اليمن المتمثل في تفجير المدمرة الأمريكية (يو. إس. إس. كول) في ال10 من أكتوبر 2000 بزورق مطاطي في ميناء عدن وقتل فيها 17 بحاراً أمريكياً، وإتلاف جزء كبير من المدمرة، وتكبيد الاقتصاد الوطني ملايين الدولارات، نتيجة رفض شركات الملاحة العالمية التوقف في الموانئ اليمنية للاستراحة أو التزود بالوقود، وفرضها الرسوم باهظة الثمن على الشركات التي تطلب ذلك، علاوة على تشوه كبير أصاب سمعة اليمن دولياً (هذا بصرف النظر عن مطالب الجانب الأمريكي إزاء صمته على دماء رعاياه التي أهرقت وتلك المطالب لم تفصح عنها واشنطن حتى الآن).
وفي ال6 من أكتوبر 2002 حقق “القاعدة” انتصاراً آخراً باستهداف ناقلة النفط الفرنسية “ليمبورج” في ميناء المكلا (شرق اليمن) لتفاقم بذلك خسائر اليمن واقتصادها الوطني.
 ومنذ ذلك الحين وحتى استهداف فوج سياحي إسباني في ال2 من يوليو الجاري قرب معبد “أوام” بمحافظة مأرب الأثرية (شرق اليمن) لم يحقق تنظيم القاعدة أي انتصار في الأراضي اليمنية، وذاك سبب يعود فضله لإحكام الأمن سيطرته على تلك العناصر، واختراقها في كثير من الحالات.
وما بين أحداث مأرب وتفجير “ليمبورج” لم يقم الإرهابيون بأية عمليات جماعية، خلال الخمس السنوات الماضية، رغم قتل السياسي جار الله عمر، الأمين العام المساعد للحزب الاشتراكي اليمني في ال28 من ديسمبر 2002، على يد المتطرف المحكوم بالإعدام علي السعواني، وبعدها بيومين فقط قام متطرف آخر يدعى عابد كامل بقتل ثلاثة أطباء أمريكيين بمستشفى “جبلة” وسط اليمن، وهاتان عمليتان فرديتان. وفي 15 سبتمبر الماضي –قُبيل الانتخابات الرئاسية ب5 أيام- تعرضت منشأتان نفطيتان لمحاولة تفجير فاشلة، من قبل تنظيم “القاعدة”، غير أن المعارضة اليمنية شككت في صحة الحادثة.
> الاحتمال الأول: ما ذهب إليه الإعلام سيذهب بنا إلى مكان قصي، في المهمة نفسها، مهمة البحث عن فاعل قتل أرواح بريئة، وأضر باقتصاد وطن.
العنوان العريض لهذه المهمة هو: “ما حدث، هل هو استهداف رعايا أسبان، أم أسبانيا الدولة والسياسة؟!”.
يعد “خوسيه أزنار” رئيس الوزراء الأسباني السابق، ذي التوجه الليبرالي، أهم حلفاء أمريكا في الإتحاد الأوروبي، وشريكها في حربها ثم احتلالها للعراق.
في ال11 من مارس 2004 استنفرت أسبانيا رجال أمنها ومخابراتها وأطبائها ومستشفياتها، عقب نجاح تنظيم القاعدة في تفجير عشر محطات قطار في عملية إرهابية وسط العاصمة مدريد، راح ضحيتها 201 شخصا وأصيب 1500 آخرون، ينتمون إلى 11 دولة.
 وما وصف حينها بسوء تعامل حكومة “أزنار” مع الأحداث، قلب الطاولة في وجهه، وجلب عليه غضبا شعبيا عارما، توج بإسقاطه من رئاسة الحكومة، في الانتخابات الأسبانية، التي جرت بعد شهر واحد من التفجيرات، وجاءت إلى السلطة بنقيضه اليساري “خوسيه ثاباتيرو”، زعيم الحزب الاشتراكي الأسباني، وهذا رجل غير راضٍ عن سياسة حكومته التبعية للولايات المتحدة، فكانت أولى قراراته سحب قوات بلاده من العراق، ليزداد الانكسار الأمريكي هناك، إذ خسرت ضلعاً أوروبياً هاماً في بلاد الرافدين.
 [مع الإشارة –وليس الحديث– إلى أن حزب اليمين الليبرالي الأسباني المعادي للعرب وقضاياهم، وتعدى ذلك إلى حرب واحتلال بلد عربي، قد جاء إلى السلطة منذ السبعينيات، بدعم ومال عربي، وتم بناء الاقتصاد الأسباني (ثامن أقوى اقتصاد في العالم) بأموال عربية تجاوزت ال100 مليار دولار، كل ذلك من أجل تعزيز حضور توجه اليمين الليبرالي، وإقصاء اليسار، كجزء من مهمة غبية للعرب في الحرب الباردة].
 خسارة واشنطن لحليفها الهام في أوروبا، دفعتها إلى الضغط على مدريد للعودة إلى صف الولايات المتحدة في حربها على الإرهاب في العالمين العربي والإسلامي، وتمثل الضغط الأمريكي بأكثر من وجه، منها التخطيط لاستهداف سياح أسبان في غير مكان عربي، وبدءاً من اليمن، البلد الأضعف أمناً، أو لنقل: الأقل خبرةً وقدرةً على مكافحة الإرهاب. وهنا لا يستبعد أن تكون واشنطن فاعل أسندته أيد عربية، سواء كانت أيدياً رسمية، أم أيدي شبان إسلاميين متحمسين لقضايا دينهم (مع العلم أنها ليست المرة الأولى التي تستخدم فيها واشنطن الإسلاميين الجهاديين، فقد سبق وأن استخدمتهم في حربها على السوفييت في أرض أفغانستان).
 قوة الانفجار الذي أودى بحياة سبعة سياح أسبان، ويمنيين اثنين، أدى أيضاً إلى مصرع إجابة مهمة، لسؤال جوهري: كيف تمكنت قوات الأمن اليمنية، من تحديد هوية أحد المخططين للجريمة (بسيوني دويدار) قبل تحديد نوع السيارة المفخخة!؟
 وذاك سؤال ولد في أذهان الموجهين أصابع الاتهام لواشنطن، فكان أرضية لفرضية منطقية قادت إلى استنتاج غير قاطع.
> الاحتمال الثاني: رأي آخر يشير إلى تورط تنظيم القاعدة، بحسب الرؤية الرسمية (رغم عدم تبني القاعدة للحادث، حتى الآن).
 وما يدفع نحو صحة هذا الرأي هو حديث “القاعدة” في أكثر من مناسبة، عن وجود العشرات من “الأديرة” (الدِّير أصغر من كنيسة) في العاصمة صنعاء تتخذ للتبشير بالمسيحية، وأن المشرفين عليها أسبان.
 فضلاً عن كون “القاعدة” تنظيما إرهابيا، نصّب نفسه للدفاع عن الإسلام ضد دولٍ غربيةٍ معادية، وحكوماتٍ عربيةٍ موالية، حسب تعريفاتهم المستمرة. لذا لا يستبعد أن يكون “القاعدة” فاعلاً حقيقياً لأحداث مأرب انتقاما من الحكومة الموالية وممن تصفهم بـ”التبشيريين الصليبيين”، وأن يكون (القاعدة) نسق للحادثة عن طريق جهادي سابق استوطن اليمن منذ العام 1992، هو المصري أحمد إسماعيل بسيوني دويدار، وعمل في أكثر من وظيفة مدنية للتمويه، لصرف الأنظار عنه، خاصة إذا أُخذ بالاعتبار تاريخ “دويدار” المحكوم غيابياً بالسجن المؤبد في القضية رقم (1998م/8) جنايات عسكرية، في جمهورية مصر، وهي القضية المعروفة بـ”العائدون من ألبانيا” وكان ترتيبه الرابع من أصل 107 شملهم قرار الاتهام، لكنه ظل متنقلاً بين أكثر من دولة مصطحباً زوجته أرملة خالد عوض مهندس محاولة اغتيال عاطف صدقي رئيس الوزراء المصري الأسبق، حتى استقر به المقام في اليمن، وحيداً، ليتزوج لاحقاً بامرأة يمنية، وينجب منها طفلين.
 ورغم الذاهبين إلى هذا الرأي، فإن ثمة جهاديين يدافعون عن “دويدار”، وبحسب ما نسبته الصحافة إلى الدكتور هاني السباعي –أحد أبرز قادة جماعة الجهاد الإسلامي (مقيم في لندن)– فإن “دويدار” اختلف مع جماعته منذ فترة طويلة بسبب رفضه فكرة قتل السياح الأجانب في البلاد الإسلامية، واشتغاله بالفكر والسياسة.
> الاحتمال الثالث: احتمال ثالث مهما بدت علامات الضعف فيه إلا أنه وارد، إذ الاتهام هنا موجه إلى الدولة الفارسية “إيران”، وهدفها من ذلك تخفيف الضغط الحاصل على الجماعة الموالية لها في جبال بعض مديريات محافظة صعدة (شمال اليمن).
 فبعد تمكن الوساطة القطرية بين الدولة وجماعة المتمردين الحوثيين، من وقف إطلاق النار، وتحقيق خطوات عملية، شعر الحوثيون بأن تسليم أسلحتهم المتوسطة والثقيلة للدولة، ونزولهم من التحصينات في قمم الجبال -حسب بنود الاتفاق- سيجعلهم طُعماً سهل المنال للجيش، لذا لا بد من الالتفاف على الاتفاق عن طريق المماطلة في التسليم، وإضعاف الطرف الآخر (الدولة)، وهذا لا شيء يضعفه ويجلسه على طاولة الحوار مهزوز القرار، مثلما يضعفه أمنه؛ فتم اللجوء إلى فتح جبهة تمرد أخرى في جبال أبين (شرق اليمن)، عن طريق ضابط متقاعد يدعى “سعيد شحتور”، سبق له وأن طلب اللجوء السياسي في إيران، ومكث فيها ستة أشهر، غير أن اقتراب إعلان الوساطة القطرية بين الدولة والحوثيين، أفشل مشروع “شحتور”، وظل عالقاً بين الجبال، دون مقاومة أو استسلام!!
ومع بقاء لجنة الوساطة القطرية، والحزبية (أعضاء في مجلسي النواب والشورى اليمنيين) في محافظة صعدة حتى يتم تنفيذ بنود الاتفاق، وشكواها الدائمة من المماطلة، ورضوخ الدولة أكثر من مرة بتمديد مهلة التنفيذ، كررت إيران محاولتها في زعزعة الأمن الداخلي لليمن من خلال افتعال أحداث مأرب الدامية.
 وتداعيات الحادثة على المستويين الرسمي والشعبي، صرفت أذهان كثير من الناس عما يجري في “صعدة”، وأربك الجهاز الأمني للدولة في أكثر من مكان.
 وما يعزز القناعة بهذا الاحتمال، هو إشارة رئيس الجمهورية خلال المؤتمر الصحفي في اليوم التالي لأحداث مأرب إلى أن “الدولة التي فشلت في تحقيق أهدافها في محافظة صعدة، هي من طلبت تدخل الوساطة القطرية”، والآن تريد تخفيف الضغط الحاصل على جماعتها الموالية في شعاب الجبال، من خلال إشغال الدولة اليمنية بأكثر من قضية، ولا يمكن الشك في أن إيران ليست بمنأى عن أحداث مأرب، فقد سبق لها أن عبثت بالأمن القومي العربي، في غير دولة من العراق إلى فلسطين إلى مصر ثم السعودية والبحرين واليمن.
 وما يدفع نحو هذا الاحتمال هو إرسال الرئيس الإيراني أحمدي نجاد مساعد وزير خارجية بلاده محمد رضا باقري إلى صنعاء بعد أسبوعين من الحادثة، لتسليم الرئيس صالح رسالة لم يفصح عن طبيعتها.
[email protected]