طُز في الدستور والقانون وفي الناس أيضا: يعيش الاحتكار والاحتقار.. يعيش يعيش – هشام السقاف

طُز في الدستور والقانون وفي الناس أيضا: يعيش الاحتكار والاحتقار.. يعيش يعيش – هشام السقاف

< عجيب أمر هذا البلد، ولا أعجب منه إلا امتهان دستور وقوانين دولته من قبل بعض القائمين على مؤسسات وهيئات الدولة نفسها..
< عندما بدأ منذ مدّة قصيرة الحديث من أفواه كبار المسئولين ووزراء الحكومة الجديدة وعلى صفحات الجرائد عن كبح جماح الاحتكار لمعالجة وتقويم أوضاع السوق وتحجيم الأسعار التي يصطلي بنيرانها السواد الأعظم من أهل البلد، تتكشف في الوقت ذاته مصائب جديدة ترتكبها هيئات الدولة تكرس الاحتكار الذي يحرمه دستورها وقوانينها وما يسوق إليه، بل وتسند سطوة رأس المال ضد مصالح مواطنين كثر في تضادٍ أسوأ مع جوهر ونصوص دستور أي “دولة” في العالم.
< من أمثلة ما يجري اليوم، جاء النبأ اليقين قائلاً:
أبرم رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للبحوث والإرشاد الزراعي بالجمهورية اليمنية (هيئة حكومية مركزها ذمار) مع “مؤسسة الرضاء لإنتاج البذور والخدمات الزراعية” (استثمار خاص) اتفاقية يوم 5 مايو 2007م تحت مسمى “اتفاقية حماية فكرية لأصناف البصل بافطيم” جاء فيها:
” بما أن الهيئة العامة للبحوث والإرشاد الزراعي هي المسنبط [ هكذا وردت ] الوحيد لأصناف بذور البصل (بافطيم) المسجلة في لجنة تعميم الأصناف بوزارة الزراعة حسب شهادات التسجيل أرقام (143,142,141) في 9 / 1 / 2002م وملحقاته والذي تضمن إلى [ هكذا وردت -المحرر ] عقد بيع الشركة العامة لإنتاج بذور الخضار بسيئون للمستثمر الدكتور…… المالك لمؤسسة الرضاء لإنتاج البذور والخدمات الزراعية المالكة للعلامة التجارية (بافطيم) بموجب شهادة التسجيل بوزارة الصناعة والتجارة [ الشهادة سجلت برقم (27951) وتاريخ 5 / 9 / 2006م -المحرر] ورغبة من الطرفين في التعامل الجاد والمثمر وبما يكفل الحقوق المشتركة ودعماً للقطاع الزراعي ودعم الاستثمار فيه انسجاماً مع توجيهات الدولة في تشجيع الاستثمار تم الاتفاق على ما يلي:
…………………..
البند الثالث: يلتزم الطرف الأول، ممثلاً بفرع الهيئة بسيئون، بتزويد الطرف الثاني (مؤسسة الرضاء) بحاجته من بذور أساس بافطيم سنوياً لإتمام المراحل اللاحقة من إنتاج تقاوي الأساس والتقاوي المعتمدة وفقاً للتفاهمات السابقة والعلاقات الثنائية المتميزة سابقاً بينهما (لا حظ: غير محددة الكمية ولا الأسعار ومبطنة بالتفاهمات السابقة والعلاقات الثنائية المتميزة السابقة -المحرر).
البند الخامس: للطرف الثاني (مؤسسة الرضاء) وحده دون غيره [أكرر وحده دون غيره -المحرر ] استخدام العلامة التجارية للبذور والتي تحمل أسم (بافطيم) وله الحق باسم المؤسسة في مقاضاة أي طرف آخر يستخدم تلك العلامة واسم الصنف [أكرر اسم الصنف -المحرر] لتسويق البذور وإكثارها والاتجار بها وذلك حفاظاً على سلامة الصنف وجودته وحماية المستهلك من الغش التجاري. [ قانون الحق الفكري رقم (19) لعام 1994م يحمي العلامة التجارية وليس اسم الصنف إذا كتب بغير علامة المؤسسة -المحرر].
وجاء في البند السابع من الاتفاقية:
” يعتبر أي اتفاق سابق من قبل الطرف الأول (هيئة البحوث) ومن يمثله مع الغير [أكرر مع الغير -المحرر ] بما شمله هذا الاتفاق لا يعتد به وعلى الطرف الأول القيام بالإجراءات الإدارية اللازمة لما فيه تنفيذ بنود الاتفاقية وحماية الطرف الثاني “..
وجاء في بند الاتفاقية الثامن:
” يسري مفعول هذه الاتفاقية بصورة دائمة ومستمرة بين الطرفين… “.

في مواجهة الدستور والقوانين
< يحرم الدستور اليمني الاحتكار بموجب نص المادة (10) منه: ” ترعى الدولة التجارة الخارجية وتشجع التجارة الداخلية والاستثمار بما يخدم الاقتصاد الوطني، وتصدر التشريعات التي تكفل حماية المنتجين والمستهلكين وتوفير السلع الأساسية للمواطنين، ومنع الاحتكار وتشجيع رؤوس الأموال الخاصة على الاستثمار في مختلف مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية وفقاً للقانون. ”
< تنص المادة (8) من قانون البذور والمخصبات الزراعية رقم (20) لعام 1998م على ما يلي: ” يتعين على صائني الأصناف المحسنة في الجهات الحكومية أن يوفروا الكميات اللازمة من البذور والتقاوي والغراس ما قبل الأساس لكل من يطلب ذلك [ أكرر لكل من يطلب ذلك _ المحرر ] لغرض الإكثار خلال سنة من تاريخ الطلب “.
< وتنص المادة (3/ د) والمادة (4 / ه) من قانون الخصخصة على ” حرية المنافسة المشروعة ومنع الاحتكار وتعني أن لا يترتب على عمليات الخصخصة نشوء وضع احتكاري”.

المفارقات
< رفعت الجمعيات الزراعية بوادي حضرموت 18 جمعية تضم زهاء (6000 مزارع) ومعها مئات المزارعين وعشرات المهندسين الزراعيين، مذكرات ومناشدات عديدة إلى الجهات المعنية في السلطات المحلية والحكومية ووزارة الزراعة ومجلس النواب، احتجاجاً على احتكار اسم بصل بافطيم لمؤسسة وحيدة، مما يشكل خطراً ماحقاً على نشاطهم وإنتاجهم الزراعي الذي يعتمدون عليه في معيشتهم.
< قام المزارعون بحملة توقيعات مساندة لمطالبهم المشروعة شملت المئات، ونظموا مسيرة احتجاج إلى السلطة المحلية، ولا من مغيث..
< المزارعون يشكلون دعامة الحياة الأساسية في وادي حضرموت، وينتجون سر البقاء والعيش فيه، ويمثلون غالبية كبيرة من السكان، و لك أن تتصور كيف يمكن أن تستمر الحياة في هذا الوادي لو ألغيت الوظيفة الاقتصادية الأولى للوادي وهي الزراعة أو لو انحسرت عنه المساحات الخضراء مع قسوة المناخ الصحراوي شديد الجفاف فيه وارتفاع درجات الحرارة ولاسيما مع التغيرات المناخية الخطيرة التي تواجهها الكرة الأرضية في عصرنا الحالي؟… وكيف لمشاريع الاستثمار العقارية أن تؤتي أكلها لو هجّرت “الحرارة” السكان؟.
< هؤلاء المزارعون، تفاقمت مصاعبهم ومصائبهم في عهد الوحدة، ولم تكترث السلطات المحلية ولا المركزية بمشاكلهم التي بدأت من انتزاع الأرض منهم وإعادتها إلى ملاكها ولم تفِ الحكومات المتعاقبة حتى اليوم بتعويض المئات منهم كما وعدت ووعدت، بل تواصلت مشاكل الأرض حتى اليوم بفعل ازدواجيات صرفها لأكثر من شخص ومن أكثر من جهة وتنذر بعواقب وخيمة على السلم الاجتماعي، وما مظاهر الاحتجاج من قبل الفلاحين منتصف يونيو الحالي وصدور بيانات وبيانات مضادة وحوادث إطلاق نار واعتداء في عدد من مناطق سيئون، جميعها نذر شؤم تؤجج نيراناً هامدة تحت الرماد، يزيدها سعاراً سوط الغلاء الذي يلهب ويقصم كل الظهور..

احتقار.. لؤم وإيلام
< أما حكاية الفلاح “بافطيم” صاحب الاسم المتنازع عليه فتندرج في باب “اللؤم والإيلام”.
< صالح محفوظ بافطيم، يقترب اليوم من عامه الثمانين (من مواليد سيئون 1928م”، انتخب منذ مطلع السبعينيات واستنبت وكاثر بمجهوده الشخصي المحض بذور نوع فائق الجودة من البصل حتى حاز هذا النوع الذي خضع فيما بعد لاختبارات عديدة من قبل المتخصصين في محطة البحوث الزراعية بسيئون على جائزة المنظمة العربية للتنمية الزراعية لعام 1998م كأحسن صنف بصل على مستوى الوطن العربي.
< هذا الفلاح السيئوني الأنموذج الذي فاق بمجهوده الشخصي وظائف وزارات الزراعة، لا يبارح اليوم مزرعته النموذجية ذات الفدادين الخمسة في أطراف سيئون؛ يرويها بعرقه وجدّه واجتهاده، يهيم عشقاً بالأرض منذ طفولته وأوفاها حقّها من الإخلاص والكدّ والاهتمام، هو اليوم يشكو ويكابد خليطاً من الأمراض التي أقعدته على حصير في ظلال نخلة، ويشكو ويتألم أكثر مما لقيه من جحود ونكران من ولاة الأمر الذين سلّمهم ثمار وخلاصات السنين الطويلة من الالتحام بالأرض وبالزراعة الذي ورثه من أبيه وأجداده وربّى عليه أولاده التسعة.
< فبعد أن احتكرت هيئة البحوث الزراعية لنفسها هذا الصنف من البصل، الذي أطلق عليه اسم صاحبه (بافطيم)، تناست هذه الهيئة الحكومية الحق المادي للفلاح بافطيم وهي تبيع اسمه على الغير دون أي مردود مالي له بل وتمنع الفلاح نفسه بموجب الاتفاقية مع (مؤسسة الرضاء) من إنتاج وتسويق وإكثار بصله، ولم تعامل صاحب الحق في الاسم بمثلما تعاملت مع (الرضاء) وهي تبيعها لوحدها الاسم وتمنع الآخرين من تداوله!!!
< غُمِر الفلاح بافطيم بالشهادات التقديرية (A4 من وزارة الزراعة وهيئاتها ومؤسساتها ومكاتبها) وأطلقت عليه عدة ألقاب كـ”الفلاح اليمني الأولـ”، و”جائزة الصناعة” من وزارة الصناعة والتجارة لعام 2006م ووُعِد من قبل فخامة الرئيس علي عبد الله صالح، الذي شرفه بزيارة مزرعته، بحفر بئر وتوسيع مزرعته بفدانات إضافية بصفته فلاحاً غير عادي، وذا قدرات نادرة وخارقة في التعامل مع استنباط واستزراع وإكثار، ليس فقط البصل الذي يحمل اسمه، بل أيضاً أصناف من القمح والطماطم والذرة الرفيعة، وليس أخيراً تجربة استزراع فسائل النخيل المستنبتة بالأنسجة.
< يا دولة.. ويا حكومة.. ويا ناس.. حرروا بافطيم من الاحتكار، وأعطوه حقوقه وخلّصوه من مكابداتكم ومكايداتكم ويسّروا أمام أولاده طريق الإقتداء بآبائهم في عشق الأرض والإخلاص لها لينعم العالم وليس فقط اليمن بثمار آل بافطيم، وغيرهم من عشّاق الأرض.
[email protected]