نافذة.. ذبحة مؤجلة – منصور هائل

نافذة.. ذبحة مؤجلة – منصور هائل

فجأة عوى الألم وتلوى بصدري وتصببت عرقاً، ورميت بما في يدي من أوراق والقلم، ونهضت لأفتح النافذة كيما أسترد أنفاسي بهواء نسمة هاربة. وخيل لي لحظتها أن الهواء تجمد وقطع اتصاله بالنقطة التي كنت فيها، واستبدت بي الكظمة واحتد الاختناق. وبعد انقضاء دقائق، كانت بوزن دهر، استعدت أنفاسي، وغبطت نفسي على رباطة جأشي ونجاحي في عدم افراغ العائلة التي لم تسمع دوي الوجع الفظيع وهو يعتصر صدري بجنون لم أشهده ولم أعهده من قبل.
والحق اني امتنعت عن اشاعة عدوى ألمي وسط عائلتي الصغيرة لقناعتي بأنه من الآلام التي ينبغي ان تكتم وتشفر، ولأن الظرف لا يسمح بمراجعة طبيب أو استعجال مشرحة، ولأن الجهر بالشكوى لن يكون بلا جدوى فحسب وانما سيضيف إلينا وجع الرأس، وحالتي لا تحتمل ضربتين بالرأس والصدر وفي وقت واحد.
ومن يصدق أن هذا الوجع دهمني مساء السبت حيث شعرت به يذبحني من الصدر وكان ذلك عندما استعسر وأشكل عليَّ أمر تقطير صورة صاحبي، حينما جثم احد العتاولة على صدره وكتم أنفاسه، بالقليل من الكلمات.
تقمصت حالة صاحبي واستمطرت الاجواء التي خيمت عليه، وكنت أتعجب منه: «كيف كان محالاً يا ترى، وهو الذي يعاني من مرض القلب، وكان قد خضع لاجراء عملية قسطرة قبل أشهر قليلة، ولم يكن قد تعافى، عندما اجتاحت شقته زوبعة شعثاء بعشرة من شياطين الظهيرة، وقفز إلى صدره أحدهم وتقرفص ليهرسه بركبته في موضع العملية الجراحية بالذات، والحنجرة؟!».
وفشلت شتى محاولاتي في تحصيل صورته بكلمات قليلة واختنقت. ومن الراجح أني تضامنت معه بذبحة تفتقر إلى المقدمات المعتبرة وإلى المنهجية القصدية، وتنتمي إلى عالم البلاء المستجيب لنداءات انفعال أهوج، وعاطفة جريحة.
وجال في خاطري أن أنشد السلامة بطرد فأر الفكرة الذي لم يتوقف عن العربدة في رأسي، ولم يشبع من التهام عصافير النوم والاحلام، ولم يخرج من رأسي إلى الدرجة التي وجدتني معها مدعواً لتكرار المحاولة الخائبة في كتابة صديقي وزميلي عبدالكريم الخيواني، الذي كنت في زيارته صباح الجمعة بسجن الاحتياط، ولمحت الخدوش والرضوض على مرفقيه، وسمعت منه بعض وقائع اقتحام جماعة العشرة التي لا يمكن تصديق انها تمثل دولة أو «النظام السياسي».
وسمعت انهم قذفوا بصغيرته «إباء» كخرقة مهملة بفظاظة ووحشية، واشاعوا أجواء الذعر في أرجاء المنزل، واقتحموا غرفة نومه حيث كان مستلقيا في سريره على ظهره باسترخاء آمن، غير مشوش بتقلبات الأجواء، و نظيف من شتى العوالق والأمارات التي يبدوعليها الانقلابيون في العادة.
كنت أحتاج لتجميع أشتات الصورة والقرائن التي أقنعتني بأنه لم يكن متلبساً، حتى بالتقلب على سريره، ولم يساوره الانقلاب بأي صورة، كما لم يكن متحفزاً لاستضافة زوبعة، ولم تكن أسرته مهيأة لاستقبال قطعة من جهنم، وما كان يخطر ببال زفراد العائلة ولا أي من الناس الذين سمعوا بما حدث انه من فعل «نظام سياسي». وبمعنى أفصح فإن التهمة التي تقول بتآمر الخيواني لقلب «النظام السياسي» غير مسنودة بوجود ذلك النظام المزعوم كحقيقة قائمة ومجسمة، لأن فعل الاقتحام العدواني الهمجي يمكن ان يشير إلى غابة أو إلى مصيبة أو عصابة ولا يشير، قط وبالمطلق، إلى نظام أو إلى سياسة. وإذا كان ثمة نظام سياسي في البلاد، فإن الدليل الوحيد الذي يمكن أن يؤكده سيتجلى في حال ردعه لتلك العصابة، ووضعها في قفص الاتهام ليقول القضاء كلمته بحقها، ويعيد للعائلة المدمرة بعض اعتبارها، ويميط اللثام عن «مؤامرة» زميلنا على النظام الافتراضي!
وغايته: لقد فشلت في تحميض الصورة[email protected]