Uzak بوصفه قلباً مفتوحاً على الذكرى – جمال جبران

Uzak بوصفه قلباً مفتوحاً على الذكرى – جمال جبران

(1)
كيف لرابط ما إستقامته، ناجحاً في تكوين تقاطع بين أغنية «أنا شفت حبيبي وسهرت معاه» لمحمد عبدالمطلب وبين فيلم تركي مُنتج في العام 2002؟ كيف لشجن ما أن يكون نقطة مشتركة بينهما؟
أهو التراكم الذي تفلعه الذاكرة؟ ربما. أو قد تكون مصادفة اقتربت بي ناحية خزانتي السينمائية، حيث وضعت أصابعي ثانية على فيلم Uzak أو «بعيد» في ترجمة عربية لمخرجه نوري بيج سيلان الذي حاز عليه جائزة مهرجان كان ال56 الكبرى.

(2)
ترقد الذكريات كلها في صندوق واحد، مجتمعة، ولا يكون بينها فواصل، كل ذكرى تقود إلى اخرى في إتصال قد لا يبدو، في ظاهره، منطقياً.
أيضاً، مالذي يدفع بصديق قديم للاتصال بي بعد انقطاع طويل وفي منتصف الليل، من محل إقامته في باريس طالباً تذكيره بأبيات قصيدة «رنا» للشاعر توفيق القباطي.. القصيدة ذاتها التي تعرفنا عليها وصارت نشيداً للعشاق في أيام دراستنا الجامعية ما بين 1994 و1998.(القصيدة منشورة في مساحة قريبة من هذه الكتابة).
وأيضاً ثانية.. مالذي يجعلني، أنا، متروكاً لنهب أصابعي ورائحة باتجاه Uzak، الفيلم الذي لم أقترب منه منذ 2005، آخر مرة شاهدته فيها؟
لا ذكرى تأتي مصادفة.
هناك ما يدفعها لذلك. من يحرضها عليه، من يعمل على إثارة نقطة ما فيها لتنطلق مدفوعة في وجوهنا.
البارحة أنهيت رواية «ثلج» للتركي أورهان باموق الفائز بنوبل هذا العام. الرواية التي غادر فيها أورهان «اسطنبول» مدينته الروائية الأثيرة باتجاه «قارص» المدينة المثلجة دائماً، واسطنبول كذلك لكنها تختفي من رواية أورهان الأخيرة لتظهر في Uzak ومثلجة أبداً طوال الفيلم الذي يظهر فيه «أورهان» أيضاً ولكن في اسم تابع لزوج «نيزان» بطلة uzak والتي تتحدث فيه عن معاملته لها بحب جارف على الرغم من كونها مطلقة كما ولم تعد امرأة صالحة للإنجاب إثر عملية إجهاض تعرضت لها حال زواجها الأول من «موميت» أحد بطلي Uzak أو محمد أمين توبراك باسمه الحقيقي والذي مات فعلاً ورحل عن الدنيا إثر حادث مروري تعرض له في أنقرة بعد انتهاءه من تصوير الفيلم وبدء عرضة رسمياً ولم يستطع بالتالي حضور تكريمه في مهرجان كان الذي فاز فيه بجائزة أحسن ممثل مناصفة مع شريكه في الفيلم «يوسف» أو مظفر أوزدمير.

(3)
لا ذكرى تأتي مصادفة.
هناك ما يدفعها ويحرضها على ذلك.
حصل فيلم Uzak، قلنا، في مهرجان كان 2003 على جائزة التحكيم الكبرى.
هذا العام ظهر أورهان باموق حاضراً كعضو في لجنة تحكيم المهرجان ذاته. أتذكره هنا وروايته «ثلج» كما أتذكر «أورهان» في Uzak الذي دفعني بدوره لتذكر المخرجة الإيرانية سميرة مخبلباف التي فازت في مهرجان كان العام 2003 عن فيلمها «الساعة الخامسة بعد الظهر» بجائزة التحكيم.
ذاته المهرجان الذي فاز فيه Uzak والذي حضر فيه «اسامة» كأول فيلم أفغاني للمخرج صديق برمك وحصل بسببه على تنويه خاص من لجنة التحكيم فئة الكاميرا الذهبية. (ودعوة مني هنا لقارئ ما لا أعرفه دافعاً إياه للبحث عن «اسامة» ومشاهدته وليكن وبعد الانتهاء منه، على يقين من بقاء شيء منه في قلبه).
يعيدني هذا لتذكر حلاوة طعم ونكهة أنماط جديدة صنعتها بعض الأفلام الايرانية والتركية والسورية. هذه السينما التي لا نعثر عليها بسهولة ولا تكون دائماً ممكنة وفي متناول رمش العين. وللمناسبة هنا وفي Uzak لمحت شيئاً أو أشياء من «نسيم الروح» للسوري عبداللطيف عبدالحميد ومن «عرق البلح» للمصري رضوان الكاشف الذي رحل عن الدنيا بعد فترة زمنية قصيرة من إتمام إخراجه «عرق البلح» كما رحل محمد أمين توبراك بطل فيلم Uzak.

(4)
لا ذكرى تأتي مصادفة، قلت. هناك ما يدفعها لذلك، من يحرضها عليه.
في حفل توزيع جوائز كان 2003 الذي فاز Uazk فيه والايرانية مخبلباف والذي برز فيه الأفغاني «اسامة». في هذا الحفل كانت الايطالية الفاتنة مونيكا بيلوتشي مختصة بتقديم فقرات الفعالية. وهي ذاتها مونيكا بطلة فيلم «مالينا».
وهي دفعتني لتذكره وإخراجه تالياً من خزانتي. بدورها ذكرتني بـ«سينما براديزو» للايطالي تورناتوري كما «الحياة حلوة» لروبيرتوبينيني صاحب جائزتين في أوسكار 1998. وعلى هذا أواصل تلمسي ذاهباً بأصابعي في صندوق الذكرى، من نقطة إلى غيرها. ولا أكاد أتوقف.
كنت أودها هنا كتابة عن فيلم Uzak فرُحت كاتباً عن الذكرى واقعاً في سحرها أو ثقلها، ربما، وما تفعله في القلب. راح Uzak إذن ضحية للذكرى وملغياً بسببها. كأنها لا تهنئ بعيشها دونما إيقاعها بضحايا جدد وتفعل هذا مسترخية أبداً.
لا ذكرى تأتي مصادفة إذن، وهي إن تفعل يكون عليَّ أن أفسح لها الطريق.
وعندها يكون لUzak يقيناً عودة أخرى.. في عدد قادم.
[email protected]