ما بعد النهاية – محمد الغباري

ما بعد النهاية – محمد الغباري

انتهت الحرب في صعدة ولا مجال لعودتها، ولا ينبغي السماح بتجددها، فلدينا رصيد كبير من الدماء والاقتتال الداخلي ونحن فقراء جداً في التنمية السياسية والاقتصادية.
ما بعد الحرب هو ما ينبغي الاهتمام به، وتجاوز أسبابها والعوامل المؤدية للاحتراب والاقتتال الداخلي. ولعل أهم هذه العوامل هو غياب الدولة، بمشاريع التنمية وبالخدمات، عن محافظة صعدة وغيرها، وغياب العدل، والمواطنة المتساوية عن مناطق أخرى.
هناك إقصاء متعمد وهضم لحقوق الآلاف من ابناء المحافظات الجنوبية، وهناك ظلم فادح في الحديدة وريمة وإب يمارس برعاية رسمية من السلطات، وأسباب القلاقل والعنف قائمة اليوم في أكثر من مكان.
الابتعاد عن السياسة واستغلال وتوظيف الجماعات الدينية في الصراع السياسي من أهم الدروس البليغة المستفادة من حرب صعدة. وإذا كنا قد فرغنا من تداعيات الجهاد الافغاني فإن آثار حرب صيف 1994 ما تزال تشكل أحد أهم عوامل غياب الاستقرار السياسي والاجتماعي، اذ لا يعقل ان تستقطع الأراضي الشاسعة للمقربين ويعيش أبناء عدن -كمثال- في ظروف اقتصادية بالغة القسوة، أو تحتكر التجارة والمشاريع الاقتصادية لصالح أعداد محدودة من رؤوس الأموال، التي تربت وترعرعت في حضن الحكم، وتقام العراقيل والحواجز أمام رؤوس الأموال العائدة من الخارج، وتحارب بدوافع جغرافية.
عدا الاخوة في المركز الاعلامي لصحيفة «الشموع» لا يوجد من ينادي باستمرار الحرب والقتل. ومع ذلك فإن بقاء الآلية ذاتها التي يدار بها الشأن العام، سيكون الخميرة والمحفز لبروز دعوات جهوية ومناطقية ودينية في أي مكان.
إذا لم يشعر المواطن في المهرة أن حقه مصون، وأن انتماءه الجغرافي لا يشكل استفزازاً لصناع القرار، فإن الديمقراطية ستتحول إلى طبل مثقوب. وإذا لم يجد ابن عدن نفسه متساوياً في الحقوق والواجبات مع أبناء صنعاء، فلا معنى للحديث الممجوج عن الوحدة والمنجز العربي الأبرز.
لا بد من الإقرار بأن البلاد تقف على مخزن ضخم من بارود، وأن الشعور بالضيم وعدم المساواة قد ضاعف من السخط العام، وأن استراتيجية الأجور والمرتبات قد ضاعفت من هذا الشعور؛ لأن الناس اكتشفوا بعد عامين من تطبيقها أنهم أمام كذبة كبيرة جداً، سلبت منهم كل شيء ومنحتهم أوهاماً لا يعلمون متى ستتحقق.
اليوم هناك عشرات الآلاف من الخريجين في كل المحافظات لا يجدون فرصة عمل. وهؤلاء في ظل الفقر والحاجة لا تعني لهم الديمقراطية شيئاً ولا تمثل لهم الخطب السياسية الجوفاء أي قيمة. ومن الغباء تجاهل تلك الصرخات المتواصلة للآلاف من العسكريين والمدنيين من أبناء المحافظات الجنوبية الذين تم إقصاؤهم من أعمالهم تحت مبرر الإحالة إلى التقاعد مع أن هؤلاء لم يبلغوا السن القانونية لذلك. والأفظع من ذلك أن هناك آلافاً من المقربين يحتكرون مواقع هامة في الجيش والأمن والادارة المدنية وقد تجاوزوا السن القانونية، ولم تصل إليهم رياح التقاعد القادمة من الخدمة المدنية.
[email protected]