وجه “إحسان” الآخر – هدى جعفر

وجه “إحسان” الآخر – هدى جعفر

قرأت قبل أيام «دردشة» مع محمد إحسان عبد القدوس، الابن البكر للكاتب إحسان عبد القدوس، نشرتها قبل أكثر من عام إحدى المجلات العربية الرائدة، ولم يتسنَّ لي قراءتها إلا الآن. يتحدث محمد عن طفولة والده وعلاقته بأمه، فاطمة داغر، التي أصبحت في ما بعد الصحافية روز اليوسف، صاحبة المجلة الشهيرة المسماة باسمها، وكيف بدأت عند الطفل إحسان “حتة” الكتابة، وكيف تعرف الشاب إحسان بعد ذلك على “نصفه الحلو”، الحسناء “لولا” وأم أولاده الثلاثة، وكيف كان يعامل أديب المرأة “مدام لولا” المحظوظة، والجملة الأخيرة هي سبب كتابتي لهذا المقال، بالطبع يعتبر إحسان عبد القدوس نظير الشاعر نزار قباني، في تجنيد قلمه (المسلول) لمحاربة أبسط أشكال الرقابة والسلطة على المرأة، فهو صاحب “أنا حرة”، “شفتاه”، “بئر الحرمان”، “الوسادة الخالية”، “البنات والصيف”، وغيرها من الروايات التي دعت بطريقة أو بأخرى إلى الثورة، ثورة المرأة على سلطة الرجل والمجتمع والتقاليد؛ فكان من أكثر الأدباء الذين حار الناس في أمرهم، فهناك من اعتبره رائد التنوير في العصر الحديث، وناصر المرأة، وصديقها وقت ضيقها، وهم الذين سمّوا أنفسهم بـ”المتنورين”، معتبرين روايات عبد القدوس إبداعاً سبق به العالم، وعلى الضفة الأخرى نجد من نعتتهم المجموعة الأولى بـ”الظلاميين” الذين يمارسون هواية تكفير الآخر في أوقات الفراغ، فأشهروا السلاح في وجه عبد القدوس، باعتباره فاسقاً، ما جاء إلا ليزيد طين الرذيلة بلة. وفي الواقع فإنني أرى أن هناك تطرفاً واضحاً في الجانبين. فصحيح أنني لم أحب روايات عبد القدوس قط، وصحيح أنه -من وجهة نظري- متواضع الموهبة مقارنة بأدباء عصره، وصحيح أن كتاباته رومانسية وإنسانية، ولكنها ليست عبقرية على الإطلاق؛ ولكنني في المقابل ضد أن يسفه شخص الكاتب عبد القدوس، أو غيره من الكتاب. وأرى أن بنات أفكاره يجب أن تعامل بكل تقدير واحترام، شأنها شأن أي “بنات” على وجه الأرض! وزندقة أفكاره وخلاعتها لا يحاسبه عليها إلا ربه. ولكن ما قرأته في مذكرات ابنه هو ما أدار رأسي، وجعلني أعيد التفكير في مدى استحقاق عبد القدوس للقب “أديب المرأة”. يقول محمد عبد القدوس إن والده كان شرقياً جداً مع والدته، فهو الذي كان يختار لها ملابسها، ولم يكن يرضى عن الملابس المحتشمة بديلاً، ولا يسمح لها بالخروج إلا برفقته. حاولت أن أرى الموضوع من جوانب عدة، ولكنني وجدتها الحقيقة المرة، وهي أن الازدواجية مرض متفش حتى بين أدباء المرأة المخضرمين. والسؤال الذي أطرحه الآن هو: كيف استطاع عبد القدوس أن يجمع بين هاتين العقليتين المتنافرتين؟ الأولى تسمح للمرأة بفعل ما شاءت وقتما شاءت، والثانية تمنع «المدام» من حق تافه كاختيار الملابس، أو الخروج بمفردها، فإن كان يرى حرية المرأة خطيئة، فلماذا كان يرضاها لنساء مجتمعه؟ وإن كانت فضيلة فلماذا يمنع زوجته من أبسط أشكالها؟ إن الكلمة حرية ومسؤولية، فمن دعا إلى فكرة بغض النظر عن مدى صحتها، فيجب أن يكون أول من يطبقها، قبل أن يدعو غيره إليها، وإلا ما فائدة الفن – والأدب خصوصاً- إن لم يجعل صاحبه متفرداً عن الآخرين.
في النهاية اتضح أن مدام «لولا» كانت زوجة عادية تعاني من ذات الأشياء التي تعاني منها أي زوجة عربية أخرى، ولم تحظَ بتلك الامتيازات المتوقعة لزوجة أديب المرأة الأول. وربما يكون الأمر مختلفاً لو كانت مدام «لولا» زوجة أحد “الأسطوات” الذين تعج بهم حارات القاهرة القديمة، أو حتى زوجة لواحد ممن أسموهم بـ”الظلاميين”.
[email protected]