أكره خدّي – محمد بركات

أكره خدّي – محمد بركات

– (إليك، يا قطعة شوكولا لن تنتهي)

البشر
صناديق ألم
تمشي على قدمين
أجساد محطمة
تتظاهر بالتماسك
وفؤوس معلّقة
على الأكتاف.
البشر
نفايات حزن
في مستوعبات من ذاكرة.
البشر
ضحكات اصطناعية
ورود مجاملات
وزيارات نميمة.
البشر
مسدسات بين الأسنان
ومغاور بين الأفخاذ
لا يعرف المنقوش على جدرانها
إلا الأفخاذ.
***
لكنّكِ عدتِ. وقلتِ نتزوج، ليكون الطلاق حقيقياً. واشتريتِ محبسين، فقلتُ للأصدقاء إنك أعجبتِ بمحبس، فبحثت له عن رجل، كان أنا. وقلتِ نخطب أولاً. وكتبتِ أسماء المدعوين، وأخبرت والديك وأصدقاءك.
وفجأة، تذكرت أننا معاً من سبع سنوات، وأن السماء زرقاء، وأن البحر مليء بالأسماك، وصرتُ حوتاً، وتحولتِ الى حورية، نبتت لك زعانف مكان قدميك، وأنياب في فمي. وما عاد لك فخذان، ولا مغارة، ولا عاد لي أيضاً.
ثم قال لك الأصدقاء إنّ الحياة طويلة، أطول من سبع سنوات، وأنّ الأسماء كثيرة، فاخترت البحر لا السماء، وأنا السماء أيتها السمكة.
وصرت تشبهين أمي في كلامك. تقولين إني جميل وإنّ النساء سيتسابقن عليّ، وإنّ كل ما أكتبه صحيح، فندمت لأني أكتب، وقررت أن أتوقف عن الكتابة، أن أتوقف عن فضح نفسي، كما تقول أمي، وقلت أقلب الصفحة، وأجرّب.
لكنّ الأغنيات صعبة: “بدّي إنتي تربّي ولادي”، وبكيت. “صعبان عليّا يا غالي كلّ اللي عملتو فيّا”، وبكيت. وصرت أتحاشى الأغنيات، وفي أوقات الفراغ، أقلب في أرقام هواتف الأصدقاء، المشغولين دائماً، ولا أجد ولو رقماً واحداً.
وصرت أفكر بالصديقات، فقال لي صديقي إني تحولت إلى ضفدع، وإني بحاجة الى أميرة تقبلني على فمي لأعود أميراً.
إنّه الماء مرة أخرى، لكنّي ضفدع هذه المرة، ولست حوتاً، ولست الأميرة، ولا الحورية.
وعملت كثير، وسهرت كثيراً، وصرت أسترق النظر الى منزلك في الليل. وصورتك، التي أعدتها الى جدار غرفتي، ما عدت أجرؤ على إزالتها، خوفاً من أن تزيلي صوري عن جدار غرفتك.
وما عدت أفكر بالجنس، خوفاً من أن تفكري فيه مع غيري. وصرت أتخيّلك مع رجال آخرين، لا أعرف وجوههم، لكنّي أكرههم. أعرف جسدك فقط، المتأوّه من دوني، وصوتك، المرتعش من دوني، وخفت، وبكيت، ونمت على صدر أمي، لأنّي…
ثم استيقظت في الصباح، مرعوباً. لأول مرة، سأواجه هذا العالم وحدي. رقم هاتفك خطّ أحمر، منزلك خطّان أحمران، صوتك السهل الممتنع، ووجهك الذاكرة الوحيدة.
مرعوب.
صرت ممثلاً بارعاً، أشرب النسكافيه صباحاً، وأضحك جيداً لنكات الأصدقاء، وأحدّث سائقي سيارات الأجرة، أبدأ أحاديث سخيفة ومملة، أسأل عن أحوال العمل وعن أسعار البنزين، وأسأل عن الطقس وعن الأحوال السياسية، وأستمع بانتباه الى تحليلات هؤلاء السائقين. كلّ ذلك لأنسى رعبي، وأتقرب من الغرباء، سكان هذا الكوكب الغريب.
ورحت أوزع أشواقي على الأصدقاء. بعضهم اكتشف حيلتي. لكنّ أصواتهم مختلفة، وقبلاتهم على الخدين مختلفة، ونظراتهم مختلفة.
بتّ مستعدّاً لأقدم كلّ ما أملك لقاء أن أعرف ماذا تفعلين في هذه اللحظة. إذا كنت تتحدثين مع صديق أو صديقة، أو تستمعين الى شرح الأستاذ في الكلية، أو تأكلين، أو تفكرين فيّ.
أنا الغائب أيتها الحاضرة، أنا الباكي، وأحلم أن تكوني باكية. أنا البعيد أيتها البعيدة، وأنا الحزين، يا ليتك حزينة.
صرت أقول في الصباح: سأنساك؟. وفي المساء: غداً. أؤجل النسيان كفرض مدرسيّ مستحيل. واستعنت مرة جديدة بالويسكي، والحشيش، والأفلام الأميركية، والمصرية، واستنجدت بصورك القليلة، التي لم أبذل جهداً كي أزيدها، لأنّي لم أتوقّع أن أعود إليها. كنت أملك النسخة الأصلية، والآن لا أملك حتى النيغاتيف.
وعدت الى الرسائل التي كنت تبعثينها الى هاتفي. قبل عشرة أيام من طلاقنا، قلت في إحداها إنك تحبينني، وإننا سننجب أربع بنات: يارا وياسمين وسارة وحنين، وطلبتُ أن يكون الأخير صبياً، فوافقت على مضض.
ثم قلتُ نقتل الأطفال الذين ربيناهم في رؤوسنا. واقتربت منهم مع سكين حادّة، لكنّهم راحوا يكبرون، وينظرون إليّ بحقد، فخفت، وندمت، وتركتهم ينظرون، ويحقدون، ويكبرون، بلا حفاضات ولا حليب، بلا أسماء، بلا أمّ ولا أثداء.
وانتظرت اتصالاً منك. رنّ الهاتف كثيراً، بلا صوت حقيقي. أرقام أكرهها، بلا خطوط حمراء. وقلت لا بدّ ستتصلين، ولم تتصلي. وتذكرت قسوتك، وعينين تبتعدان، مثل سيارة في فيلم قديم، فيها بنت تلوّح لصبي حزين. وبقي الصبي مسمراً في مكانه. التصقت قدماه بالأرض، والتصقت الأبنية بالمشهد، وحدها السيارة ابتعدت، والبنت الجالسة على المقعد الخلفي اعتدلت في جلستها، وراحت تلعب بيديها، بدل أن تلوّح.
لوّحي قليلاً أيتها المبتعدة، أعطني بعض الدموع. تلويحة واحدة. دمعة واحدة لأفكّ غراء القدمين. نظرة واحدة، أتعلّق بها.
في مطبخ منزلك، طلبت قبلة أخيرة. اقتربتِ متثاقلة، وفي اللحظة الأخيرة، انحرف فمكِ الى خدّي. فخفت كثيراً. ثم حضنتكِ، فرفعتِ يديكِ ببطء، درءاً للعتاب ربما، وربّتتِ على ظهري، كما لو تلوّحين.
أكره خدّي.
تربيتة على الظهر = شلل.
قبلة على الخدّ = صفعة.
عناق بارد = صراخ بلا صوت.
نظرة مشفقة = عمى.
وبكيتُ طويلاً على صدر أمي، ولم أخجل من دموعها.
صرت أكره النوم، لأنك احتلّيتِ رأسي. قلت أعرّيك في الليل، على سريرنا، وفشلت. كلما نزعت قميصاً وجدت عشرة. وصرتِ تنجبين الأولاد بلا دنس. وصرتُ أبلل ثيابي الداخلية، ولا أعثر على رائحتك.
وصرت أكره المخدّة، حيث وضعتِ رأسك آلاف الساعات، وأعشق سيارات الأجرة، حيث اعتدت أن أكون وحيداً من زمن طويل.
حسناً. أنا على الكنبة، أكتب أنّي على الكنبة، وأنك على الكنبة المقابلة. ماذا سأقول لك؟ سأنظر طويلاً في البداية، وأبحث في عينيك عن صبي مسمّر في الأرض. وسأسألك لماذا لم تلوّحي كما يجب. وسأحاول تقبيلك بالقوة. لا، ليس بالقوة، سأقترب كنجم سينمائي، وأذبل عينيّ، وأسرق القبلة.
وسأكتب أنّ الغرفة جميلة، وأن الكنبة محظوظة، لأنك عليها، وأن الليل لن ينتهي، لأنك على الكنبة، وهنا، في صالون منزلي، في الثالثة صباحاً، ولن أنام، ولن أستيقظ. سأدّعي المرض، وأقول أنّي مريض بالسهر.
أكره الكنبة.
وسخرتِ من دموعي. لماذا سخرتِ من دموعي؟ وقلتِ أنّي ضعيف. لماذا قلتِ أنّي ضعيف؟ وسألتني ماذا سأفعل إذا مات أحد أفراد عائلتي، وكيف سأواجه الموقف. وما دخلكِ أنت؟
لماذا سخرتِ من دموعي؟
ورحلتِ في 11 نيسان. كذبة الأول من هذا الشهر لم تكفِ. كان يلزمك واحدان: 11. كذبتان.
وقلت أجرّب حيلاً قديمة استعملتِها طويلاً معي. فقلت لك سانتحر إذا ابتعدت، لا تركبي هذه السيارة، ولوّحي جيداً إذا ركبتِ، ثم ابكي واقفزي من السيارة. دموع لفكّ لحام القدمين، وقفز لتحريك الأبنية.
ولم تصدّقي أنّي سأنتحر. قلتِ لي إنّ الأزواج يتطلقون بعد عشرة أعوام أو عشرين عاماً من العيش في منزل واحد. وقلتِ إنّ العالم لن ينتهي. وما أدراك أنت بنهاية العالم؟
وقلتِ كلاماً كثيراً عن المستقبل والفتيات الجميلات. وكتبتِ قصيدتك الأولى، عن أشيائي التي خبّأتِها في تابوت أحمر. من أين لك الشعر أنت؟ أنا الشاعر أيتها القاسية. أنا أيتها السعيدة.
ثم قلتِ نبتعد قليلاً، لتكون النهاية أقلّ بطشاً. ومن قال إنّكِ أنتِ من يحدّد شكل النهاية؟
ثمة بطل يموت في كلّ نهاية.

– لبنان