هل تسمحين بهذه الرقصة؟ – رامي الأمين

هل تسمحين بهذه الرقصة؟ – رامي الأمين

– (إلى أصدقاء لا أعرفهم جيداً)

كنت أبكي كلما رقصت. وكنت أرقص كلما شعرت بالدمع ينهمر من مآقيّ.
ثمة ترابط بين خصري ويديّ الطليقتين وعيني، هناك علاقة بين الدموع والموسيقى، بين الإيقاع والنقص، بين الجسد والغياب. أرقص وأبكي، وحيداً أمام المرآة، ثم أنفجر ضاحكاً، مثل مجنون إكتشف وجهه في لوحة رسام ميت منذ قرون.
هكذا يروح الرقص يسلك الطريق الأقرب إلى نقصي… ليتممني. بدأتُ أكتشف كم أن الرقص يعدّ التعويض الأمثل عن الآخر الذي لا يكفّ يفرّ من ذراعيّ، في اتجاه الشمس. وكنت شاحباً دائماً، مثل قمر مصاب بالتهابات سحايا، أو مثل ضوء قنديل يخفت كلما نقص الزيت منه. وكانت الشموس تؤلمني، تحرق عينيّ، وتلوّن سحنتي، تغيّر ملامحي، وتمحوني، حتى أعود لا أعرف وجهي ولا انعكاسي في المرآة. وكنت أبكي، وحيداً أمام المرآة، وكان جسدي يميل، وينحني ليلمّ جبهتي الساقطة أرضاً، ثم يرتفع شامخاً ليعيدها إلى الوجه، بيديّ قاتل محترف يلبس القفازات، ويهوى القبعات في واجهات المحال، ويعشق الزوايا، ونهايات الشوارع حيث العتم الكثير.
وكنت أرقص أمام نفسي، أراقص ظلي وإنعكاسي وأصفّق مثل فزاعة في وجه الريح، وفي وجه الضوء الساطع الممزق مثل جواربي، وكانت العصافير تهرب من حقلي، تهرب مني، لأني منصوب هناك، في وسط الحقل، فزّاعة تفتح يديها كمن ينتظر الرصاص بصدر عارٍ، وكم انتظرت الرصاص والأصدقاء… ولم يأت أحد.
لكني قررت أني سوف أنسى، وأني لن أندم، أقول لن أندم على شيء، مهما كان ثميناً وغالياً على قلبي.
يقال إنه كلما ولد طفل في العالم، مات في مقابله إنسان. كذا الحب، كلما مات حبّ، ولد مقابله آخر. سألد حبي من رحم السهر، من نعاس الفتيات في الحانات، من ألحان الأغنيات الراقصة، من شجن العود، ومن بزوغ الفجر الأزرق.
أقول لن أندم على شيء، تماماً كما تغني إيديت بياف، سأشعل النار في ذكرياتي، سأكنس الحب، سأنسى كلّ الماضي، ولن أنظر إلى الخلف. وسأرقص، على أنغام حبّ جديد، على وقع خطوات إناث جديدات، وسأصنع الكثير من الصداقات، وسأراقص كلّ جميلات الحفلات، بقلب يشتعل حباً وشغفاً للطيران. ثمة حياة أخرى في هذا الليل، غير التفكير في الماضي والبكاء على من لا قلب لهم، ثمة أشياء تنتظرنا في الخارج، في الحانات وعلى الأرصفة، ثمة خمر لم نشربه بعد، وأشياء كثيرة لم نجربها، وفتيات كثيرات ينتظرن الرجل الذي سوف يدعوهن إلى الحلبة.
ويحدث أن أقول ذلك الآن، متأخراً على الأرجح، لكن الأوان لم يفت بعد على شيء، ولم تنه الحياة رقصتها، ولا الأرض زوغانها حول نفسها، وهناك متسع من الوقت قبل أن نقابل الشخص الذي سيأسر قلوبنا، وسيأخذنا إلى أحضان الحب من جديد.
حتى ذلك الحين، سأكون رجلاً يبحث عن شريكة يراقصها، عن حذاء أميرة تهرب عند منتصف الليل من الحفلة، عن نخب يرتفع عالياً عالياً مع مجموعة كبيرة من الأصدقاء، عن أغنية تلامس قعره، كما لو حجراً رمي في بئر مهجورة، عن قبلة تعيده ضفدعاً من جديد، لأنه سئم كونه أميراً وحيداً وكئيباً… حقاً!

– لبنان