في مدينة إب: الليل ملاذ الفقراء – يحيى سعيد السادة

في مدينة إب: الليل ملاذ الفقراء – يحيى سعيد السادة

عندما يسكن الليل هذه المدينة لا تسكن معه آلام ومعاناة أهلها سواءٌ الذين آثروا البقاء فيها أم النازحين إليها قسراً من الريف بعد أن تقطعت بهم سبل العيش.
فكل الليالي في هذه المدينة معتكرة كما هو نهارها. لا شيء يلمع في أعين الناس. حتى البدر في سمائهم يعتريه الأفول، كل من نظر إليه لا يجده إلا معتماً كون العيون مقرحة بالدموع. لا مناجاة لهم للخروج من محنتهم إلا مع خالقهم وحده الذي يسمعهم كون سمائهم موصولة بمسائه. وإذا ما كان لأحد أن يسترق همس هذا الأنين فهو الليل. كون هذا الأنين لا يمثل لسمع سوى حجر صغر ألقي به في بئر عميق.
فمنذ أن أناخ البؤس ركابة في هذه المدينة وأهلها في ضيق وقهر وإحباط وفقر وتعاسة وظلم وبطالة. إحساسهم بأنهم لاجئون في وطنهم في خرابات وأبنية أيلة للسقوط وبأن هذا الركام من الأحجار هو ما تبقى لهم من معين على دفن أسرارهم فيه. كما باتوا يكرهون زوال الليل خوفاً من زوال الستر على أحوالهم حيث أمسى الليل في حياة هؤلاء أبهى من الفجر.
هذا الفجر الذي خذل العديد من ساكني المدينة الباحثين عن عمل يعينهم على مواجهة الحياة الصعبة والرتيبة والأعباء المعيشية المتصاعدة والمتراكمة. فما أن تنساب خيوط الشمس من على سفوح جبل بعدان نحو المدينة حتى يبدأ حراك الناس نحو يوم ليس بجديد. إذ لا يختلف عن غيره من حيث المعاناة في البحث عن مصدر رزق ثم ينتهي بالإحباط والعودة بخفي حنين ليضاف يوم من أيام العسر إلى حياة هؤلاء التعساء الموعودين مع الليل بلقاء نحيب حيث يسكبون دموعهم سراً متوارين عن أنظار أطفالهم بينما يذرف الليل دموعه حزناً. إذ لليل دموع لا يراها الإنسان.
لا شك في أن معاناة الناس المعيشية نتيجة التصاعد المستمر في الأسعار وفي ظل انعدام فرص العمل قد مست معظم الناس بالضر بحيث لم يعد أحد بمنأى عن خطورة الاستمرار في هذا التصاعد. فإذا كان البعض حالياً يبكي حظه المتعثر بعيداً عمن يعوله كون دموع الرجل هي أغلى ما عنده فإنه سيأتي يوم لن يكون فيه حرج على أي أحد إذا ما بكى على قارعة الطريق كونه لن يكون بمفرده بل ضمن فريق متجانس كل واحد منهم له سيمفونيته المميزة. ففي ظل هذا الوضع المعيشي المخيف الذي أفقد كثيراً من الناس توازنهم وأخل بنظام تفكيرهما لا زلنا أمام أناس من ذوي القوة والبأس الشديد أحفاد من كانوا يفكرون بالعراك مع عفاريت وجن سليمان. حيث نجد هؤلاء العاطلين عن العمل والناقمين على الوضع طول النهار يتسمرون كل ليلة في أماكن مواجهة لمستشفى الأمومة والطفولة محدقين ببصرهم نحو هذا المبنى لساعات متأخرة من الليل. كنت أحسبهم منجذبين نحو روعة التصميم واختيار الموقع المتربع عليه أو تكلفة هذا البناء خاصة عندما سمعت أحدهم يقسم بالأيمان المغلظة بأنه إنجاز عظيم. فإذا بهذا القسم وهذا الإنجاز مقصود به لمبة الإضاءة المسلطة على المبنى من الخارج والتي تعطي بين لحظة وأخرى لوناً مختلف. والمصيبة أن كل هذا الجمع مصر على أن هذه الإضاءة إنجاز عظيم.
حينها كم تمنيت لو أن إضاءات مماثلة مسلطة نحو مبنى مستشفى ناصر المتربع على تلك التصاميم الرائعة والمقابلة تماماً لموقع الأمومة بعد أن يكون قد استكمل بناؤه وفق أحدث التصاميم مزوداً بأحدث المعدات الطبية وبأفضل الكوادر المتخصصة بحيث يليق باسم هذا الزعيم وبمكانته الغالية في قلوب الكثير من شرفاء العالم على اعتبار أن مشكلة المبنى لا تكمن في نوعية البلاط وإنما في خطر سقوطه على رؤوس المرضى في أي لحظة كون عمره الافتراضي محدوداً إذ تم بناؤه بداية الستينيات بمواصفات مستوصف لا أكثر.
لذا فإن التهاون في هذا الأمر يضع أكثر من علامة استفهام حول إصرار السلطة المحلية على عرقلة إعادة بناء هذا المرفق الصحي الهام. وما إذا كان اسم هذا الزعيم يشكل حجر عثرة وغصة في حلق من لم يقرأ التاريخ أولاً ليدرك ماذا يعني هذا الاسم لليمن وللأمة العربية ولدول عدم الانحياز ولكل قوى التحرر في العالم بل حتى لأعدائه الذين انحنوا ملقين قبعاتهم إجلالاً واحتراماً له في يوم وداعه. ناهيك عما يعنيه هذا المرفق الصحي لأهالي مدينة إب المطحونين بالبؤس والفقر.
لقد كنا نتطلع إلى افتتاح هذا الصرح خلال هذا العيد كمنجز يليق بعظمة هذه الذكرى. وأنا على يقين من أن عدد المعجبين المتطلعين إلى الإضاءات في كلا المبنيين سيتضاعف وبذلك نكون قد ساهمنا في حل جزء من معاناتهم المعيشية بإلهائهم ولو مؤقتاً عن قضاياهم الأساسية المتعلقة بلقمة العيش.
كما تمنيت على الدولة إذا ما فكرت بالخروج من مأزقها الاقتصادي والمعيشي اعتماد مبان في كل محافظة أياً كان شكل بنائها، المهم أن تسلط عليها الأضواء لتصبح هذه الظاهرة محل اهتمام الدولة بغية معالجة الوضع الاقتصادي والمعيشي الذي عجزت عن تشخيصه حتى الآن. بدليل الارتفاع الجنوني لأسعار السلع يومياً دون أسباب منطقية. بحيث تحصل الدولة على إجماع جماهيري بعظمة الإنجازات من مختلف شرائح أحفاد بلقيس الأشداء. ومن ثم ضمان بقاء هؤلاء خارج نطاق اللعبة السياسية كون تفكيرهم لا يقل عن تفكير جنود الأسكندر الأكبر الذين مارسوا القتل والتنكيل دون السؤال عن أسباب ما أقدموا عليه.