المعسرون – محمد الغباري

المعسرون – محمد الغباري

أكثر من ثلاثمائة وخمسين محتجزاً على ذمة حقوق خاصة أو غرامات يرزحون منذ سنوات خلف قضبان السجن المركزي بصنعاء، وأضعاف هذا العدد في بقية المحافظات كضحايا لتفسير غير صائب للأحكام القضائية التي صدرت بحقهم.
حين فتحت “النداء” ملف هؤلاء في شهر أكتوبر الماضي وتولى المحامي نبيل المحمدي مهمة مواجهة التفسيرات القاصرة للقانون، التي ترسخت في وعي مختلف الدرجات القضائية والقائلة بإلزامية إبقاء المعسر في السجن بعد انقضاء فترة العقوبة المحكوم بها عليه، وتحت مبرر عدم إيفائه بالمديونية التي عليه.
 القضية لم تجد من المجتمع المدني ولا السلطات الاهتمام الذي تستحق.
كانت المهمة شاقة خصوصاً وأن رئيس مجلس القضاء الأعلى قد أكد على سلامة ذلك التفسير، وبالقطع فإن النيابة العامة كانت ولا تزال في طليعة الرافضين لرؤية تعكس روح القانون لا “أهواء” الأشخاص، ومع هذا فإن الإفراج عن مائة وثمانية عشر سجيناً تحت هذه الصفة يعد خطوة مهمة في طريق إعادة الاعتبار للقانون الذي لا يجيز إبقاء أي شخص في السجن إذا ما انتهت العقوبة التي حكم بها عليه إلا إذا أُصدر بحقه حكم قضائي آخر…
في كل عام نسمع عن مكرمة رئاسية تحاكي تلك الثقافة القائمة على اعتبار رأس الدولة هو مالك كل شيء فيها، مهمة هذه المكرمة هي الإفراج عن السجناء المعسرين في مقابل أن تتكفل الدولة بدفع ما عليهم، غير أن دروب هذه اللجنة وعرة ومسالكها متشعبة لا تصل إلا إلى عدد محدود فقط من هؤلاء الضحايا..
في وضع كهذا يصبح نوعاً من الجرم أن تدمر حياة الأشخاص لمجرد أنهم أساءوا إدارة الأموال أو عاجزون عن الوفاء بالتزامات تعاقدية، أو حتى وقعوا في خطيئة خيانة الأمانة، بعد أن أكملوا العقوبة القانونية المنصوص بها. كما أنه من أفدح أنواع الظلم أن يقضي المرء في السجن عامين أو ثلاثة بموجب حكم قضائي، ولكنه يقضي أضعاف هذه المدة بدون حكم، نزولاً عند رغبة اجتهاد قاصر.
ليس من العيب أن يعيد مجلس القضاء النظر في الإجراءات المتخذة بحق المعسرين، ولا من المعقول القبول بأن يرمى بالعشرات في السجون وبدون أحكام قضائية.
وأن يظل النائب العام وأجهزة السلطة القضائية يدافعان عن أخطاء الأجهزة التنفيذية أو التساهل عن أداء مهماتهم في وقف مثل هذه الانتهاكات…
وراء كل رجل أو امرأة في سجن المعسرين عائلة تُدمر، وأسر تمزق لمجرد أن أحد أفرادها أساء التقدير. هؤلاء الذين توصد أبواب الحرية أمامهم لم ينتهكوا عرضاً، ولا اقترفوا جرم الاعتداء على حياة أحد؛ ومع ذلك فالغالبية منهم ضحايا اللعب مع الكبار وتيار الفساد المتعاظم.
[email protected]