ثقافة الأرصفة تستهوي الشباب – عبدالقدوس طه

ثقافة الأرصفة تستهوي الشباب – عبدالقدوس طه

يبدأ اسكندر يومه نشيطاً كعادته مشدوداً بابتسامة خافتة, يعبر من خلالها عن تفاؤله, بمدخول يومي جيد.
في العادة تقدر مبيعاته مساء كل يوم ما بين 5000-6000ريال, بصافي 2000ريال ربح.
إسكندر, 20عاماً, لم يجد بعد تخرجه من الثانوية ما يدفع عنه شبح الجوع فانتقل من مدينة جبلة إلى العاصمة صنعاء: «جئت أطلب الله, صنعاء في كل شيء ولو تبيع قراطيس لا تشتغل والرزق يدر مثل المطر». ويصفها: «صنعاء عاصمة البياس», أنواع الكتب ثقافية، دينية، واجتماعية، وغيرها، توفرها البسطة، كثيراً ما يتردد عليه الزبائن لشراء الكتب القديمة والمستعملة وأحياناً كتب قد لا توجد في المكتبات وبأسعار ليست باهضة أو مكلفة على زبائنه من الطلاب والأساتذة الجامعيين الذين يترددون عليه بإستمرار لشراء الكتب.
أمام جامعة صنعاء افترش بسطته قبل سنتين, مكاناً مكتظاً دائماً: «اخترت هذا المكان لأن الطلاب بيشتروا كتب كثير», قالها إسكندر.
باختياره موقع البسطة تدرك أنه يمتلك حساً تجارياً برغم أنه لم يكمل تعليمه.
«على 150 على 150» كان يجذب بصوته العالي إنتباه المارة إلى السعر الذي يبيع به الكتب.
ولكن لبائع الكتب ما يكدر صفاء يومه, رجال البلدية غالباً ما يلاحقونه «بيقطعوا أرزاقنا, يشتوا ترخيص»، شكا بحرقة قبل أن يوضح الطرق العديدة لتجاوز المعوقات، ومدارات العسكر.
لدى اسكندر زبائن خصوصيون. علي حسين الإستاذ الجامعي السوري, بحث عن كتاب «المنصف للسارق والمسروق منه» في سوريا والأردن والسعودية: «مررت بالبسطة فجأة طرقت عيناي على نسختين من الكتاب بأجزائه الثمانية، اشتريت كل جزء 300 ريال».
بسطات الكتب على والأرصفة والطرقات انتشرت في أنحاء العاصمة صنعاء حيث يشتري أصحابها الكتب القديمة والمستعملة من المكتبات ودور النشر وأحياناً الظروف القاسية. نجبر أصحابها على بيعها.
هذا زايد أضطر إلى بيع كتبه: «ما سوي بالكتاب على الطاقة وأنا جاوع».
قالها بنبرة تحسر، تمنى لو أن الجوع لم يفرق بينه وكتابه.
ومثل زايد كثيرون فيسف أضطر إلى بيع مكتبة أبيه الشخصية التي تحتوي على الكتب القديمة والنادرة: «بعت ما ورثته عن أبي من الكتب لأسدد ديون العزاء«, ملامح الندم على وجهه.
حكايات وقصص أخرى مقابل ثمن زهيد يسد حاجة.
محمد أمين 35 عاماً, أمضى عشرة أعوام في بيع كتب السحر والشعوذة وقصص الحب وأشعار الغرام,وطيلة هذه السنوات وجد أن إقبالاً لافتاً لإقتناء كتب الجنس وعالم الشعوذة. وهو يقول إنها تلقى رواجاً بين الشباب، وأشار إلى أن الكتب الفكرية تأتي في مؤخرة المقتنيات.
دواوين الغزل وكتيبات الحياة الجنسية تنجذب إلى أشكال أغلفتها الملونة,(ورود وقلوب على واجهة الكتاب وأشكال تعبر عن العشق توحي برومانسية,بين طياتها حكايات الجنس الناعم,وأخرى عليها صور أنثى تبدو مائلة بوجهها وسط الغلاف على شفتيهما لون أحمر (أحمر شفاة), تحوي قصص وأرشادات “في فن التعامل الجنسي” وغيرها من أساليب إثارة, على صفحاتها المزخرفة.
تحظى قصصاً لأنثى باهتمام بالغ من قبل الشباب, سلطان طالب جامعي شغوف باقتنائها يحكي: “تحتوي على معلومات قلما يتحفظ المجتمع اليمني في التعامل معها”, يعطي توصيف للكبت الذي يعاني منه كشاب في سنة,
أما مياسة 19 عام طالبة جامعية) بررت اقتنائها الكتب من البسطات بسبب: “نتعرض لنظرات معاكسة في المحلات التي تبيع الكتب “المكتبات”, الطالبة الجامعية ريم في حالة إرتباك بررت أن ترددها على البسطة: “توفر ما تبحث عنة من المقررات الدراسية واخرى تخص الشباب وإن وجدت بعض الكتب الجديدة بأسعار تناسب طلاب الجامعة”.
تقلبات السياسة في المنطقة تظهر على بسطة أسكندر. رائجتاً مؤاخراً الكتب التي تحرض على الصراع الطائفي في العراق ولبنان, عناوين جذابة مجردة من المضامين كنت أحد ضحاياها. أشتريت كتاباً منها ب 100 ريال فقط إذ أن البائع تكرم بمنحي خصم 30% من سعره الأصلي لكن لم أدرك حينها أن سؤلاً يثير التحفظ: لماذا لا يوجد اسم لمؤلفي مثل هذه الكتب أو ذكر للجهة التي أشرفت على طباعتها؟
بعد لقائي بصاحب البسطة في وقت الظهيرة تركته ليعود وبيده قطعة قماش يمسح بها الكتب وينظفها من الغبار، واقفاً أمام البسطة: «على 150على 150».