يدفعون ضريبة لونهم وعملهم.. عمال النظافة داخل المدق – بشرى العنسي

يدفعون ضريبة لونهم وعملهم.. عمال النظافة داخل المدق – بشرى العنسي

نراهم في كل مكان. الصمت رفيقهم الدائم فيما عدا أصوات يطلقونها لمناداة بعضهم البعض عند الحاجة، يجرون خطواتهم نحو سراب صنعته الشمس الحارقة، كأشباح تناثرت على الطرقات يحملون المكنسة التي أصبحت عكازاً لهم قبل أن تكون أداة للعمل، وشوالاً يعبئون فيه همومهم المختبئة وأحلامهم البسيطة، إلى جانب ما يجمعون من الشوارع.

«والله ما لنا قيمة!» تلفظ بها إنسان ليس له ذنب سوى لونه الذي توارثه منذ الأزل واسم أطلقه عليه أناس آخرون بحكم العمل (عامل نظافة) تحمل العبئين معاً (اللون والاسم) فأشعروه بالمذلة.
«دلى يا خادم ليش بتغوبر… نظف سوا يا خادم…» إهانات يتلقاها عامل النظافة كل يوم من المارة وأصحاب المحلات الذين ينظف أمام محلاتهم، حسب شكواهم.
لم يكتف بظلم أمانة العاصمة ومشروع النظافة لهم فزادوهم إهانة.
يعملون بنشاط ليل نهار كالنحل إلا أنهم لا ينتجون عسلاً وإنما يخلفون وراءهم شوارع يحرصون قدر الإستطاعة، على أن تكون نظيفة بأجر لا يزيد عن ال(15) ألف ريال ولكنه ينقص كثيراً، وبدون عقد عمل، أو تأمين صحي، أو اعتبارٍ لما قدره الله علينا (المرض).
> إبراهيم عبده أحمد (20 عاماً) يعمل في قطاع النظافة منذ أن كان في الرابعة عشرة من عمره، والراتب كان حينها (2000) ريال، قال لـ«النداء»: «لا عقود لا ترسيم، نعمل بأجر يومي وفي أي وقت بيقولوا لك برع».
تخيلوا ست سنوات من العمل المتواصل تحت الشمس والقمر، وفي لحظة مزاجية من المدراء، أو لحظة ضعف يستسلم فيها أولئك العمال للمرض يجدون أنفسهم خارج اللعبة التي حُددت قوانينها من قبل أمانة العاصمة ومشروع النظافة.
> دليلة علي أحمد (22 عاماً)، تعمل منذ السابعة صباحاً وحتى الحادية عشرة ظهراً، وتواصل عملها في السابعة مساءً وحتى الحادية عشرة ليلاً تقول إنها لا تسلم من المضايقات والتحرشات وخاصة في الليل، ورغم ذلك فراتبها قابل للخصم دائماً: «لو واحد مريض على طول توقيف أو خصم وما فيش إجازات».
رغم أن الجمعة اجازة رسمية إلا أن عمال النظافة يعملون في ذلك اليوم، إضافة إلى كل أيام الاجازات الأخرى وكلها محسوبة على الراتب (15) ألف ما عدا يوم عيد الفطر وعيد الاضحى فيحتسب لهم اضافي مائتان ريال فقط.
وحتى هذا المسمى (إضافي) لا يصل إلى أيديهم كاملاً وبالأصح قد لا يصل نهائياً. «أنا كل نص شهر يأخذوا عليَّ الاضافي، ستة أو خمسة ألف، ولا يجيبوا لنا حاجة وحتى المعاش غير وافي». قالتها دليلة التي تذكرت بعدها حادثة زميلين لها دهستهما إطارات السيارات، وتذكرت كذلك صديقتها التي ماتت بعد أن تلقت بصدرها طعنة كانت ستستقر في صدر أخيها وهو يتشاجر مع بعض الناس، حد قولها.
 يسكن في غرفة مع زوجته وسبعة من أطفاله، إيجارها مع الحمام ثمانية آلاف ريال. يعمل في النظافة منذ سبع سنوات وراتبه كغيره «والله ما يكفي حاجة». يتناول إفطاره بما يجود به الكرام، ويتناول غداءه في البيت مع أطفاله وابنته التي تعمل في نفس المجال، يُخصم راتبه إذا غاب: «اذا مرضت يخصموا من الراتب». وقد يستبعد نهائياً: «ما يعملوا لناش أي حاجة إذا مرضنا، ويقولوا لنا هبينا عامل بدلك».
ومع كل هذا وذاك لا يجد الاحترام من الناس «مافيش احترام ونحن نكد 24 ساعة»، ويدفع ضريبة لونه وعمله مرتين «يأخذو القمامة ويسكبوها قدامنا ويقولوا نظف يا خادم»، فلا يملك سوى أن يوكل أمره إلى الله «أنا عامل نظافة أيش أعمل أقوم أضاربهم؟!».
هذا هو العم جمعان على أحمد (45 عاماً) كان يعمل في مربعه حين استوقفته وحاولت الاستماع إلى صمته الذي يلازمه وسط تعليقات وكلمات ساخرة كان يلقيها المارة.
إبنته سلامة كانت تعمل في الشارع الخلفي، بحثت عنها في الزقاق فوجدتها هي الأخرى تعمل بصمت في مربعها (المسافة التي يحددها رئيس قسم العمليات) كانت فتاة صغيرة لا تتجاوز الخامسة عشرة من العمر، رغم أنها هي نفسها لا تعرف عمرها بالتحديد ولا تعرف طريق المدرسة. كذلك تكلمت باستحياء وهي تواصل عملها المظني ثم اختفت بجسدها النحيل المكسو بالسواد (زي العمل) خلف مكنستها بعيداً.
4500 عامل نظافة في العاصمة، يتعرضون للمخاطر يومياً أثناء أدائهم لعملهم الذي لا يحترمه كثيرون فلا يسلمون من إطارات السيارات التي تأخذهم في طريقها إلى اللا عودة، ولا من الامراض التي تهددهم جراء طبيعة عملهم وجراء تعاملهم مع نفايات خطيرة كنفايات المستشفيات، ومع هذا يقبضون حفنة من المال قابلة للخصم ومغموسة بالمذلة، ومع ذلك كله فإن طلبهم الوحيد اقتصر على تثبيتهم في العمل حتى إذا مرضوا يغمضون أعينهم بأمان وهم مستيقنون من أنهم إذا فتحوها سيجدون عملهم في انتظارهم.

مجرد جبروت
صحف كثيرة وجهات أكثر تناولت موضوع هؤلاء العمال ولكن دون فائدة، أوصلت العمال إلى اليأس من التغيير «مهما اشتكينا ما فيش فائدة، وقد نشروا في الجرائد كامل وما فيش فائدة أيضاً»، أحد العمال في قطاع النظافة.
محمد المرزوقي، رئيس نقابة عمال النظافة، حاول جاهداً الوقوف مع تلك الفئة، ولكن دون جدوى، ليصل به المطاف إلى السجن والتوقيف عن عمله، حسب أحد العمال: «محمد المرزوقي تكلم مع أمين العاصمة وحبسوه ووقفوه عن العمل وقالوا: نرسِّم شوية أخدام!؟».
وهو الأمر الذي أكده محمد الهادي، أمين دائرة منازعة العمل في الاتحاد العام للعمال الذي قال إن المرزوقي كان قد حبس بسبب متابعته لقضية عمال النظافة، وأضاف: «عملنا كل ما يمكن من أجلهم، لكن كل الطرق مسدودة».
«النداء» بدورها حاولت التواصل مع المرزوقي، لكنها لم تتمكن من ذلك.

ليش؟
عمال النظافة ليسوا الوحيدين الذين يعملون بأجر يومي فكل العاملين بقطاع النظافة في ال(15) منطقة في العاصمة يعملون كذلك بالأجر اليومي فيما عدا المدراء فقط.
سنبل الشامي محصل المخالفات في منطقة الثورة والمعقب على عمال النظافة قال لـ«النداء»: «الذي في قطاع النظافة كلهم بالأجر اليومي ونستلم (15) ألف ريال قابلة للضرائب». وأضاف الشامي أن أمانة العاصمة والمشروع رفضوا توظيف العمال أو التعاقد معهم، رغم التوجيهات التي جاءتهم من رئيس الجمهورية. حيث يعتقد الشامي بأن هذا الرفض يأتي بسبب ظن اولئك بأن العمال إذا وظفوا فإنهم لن يعملوا أو سيتكاسلون، حيث وظف مجموعة منهم أيام المسوري (أمين العاصمة الأسبق) وهم الآن لا يعملون سوى ساعتين إلى ثلاث في اليوم، حد قوله.
وهو الأمر الذي استنتجته من خلال حديثي مع سليم مغلس، مدير عام مشروع النظافة بالعاصمة، الذي التقيته في فعالية تكريم العمال والذي عندما سألته عن العقود أو التوظيف قال بنبرة لا مبالاة: «العقود مسألة تحت الدراسة لأن أعمال النظافة تتطلب الاستمرارية في العمل في أي وقت».
لكن من ردة فعله ونبرة صوته وعينيه اللتين ذهبتا تبحثان عن عذر لإنهاء الحديث دل على أن «الدراسة» هذه لن تخرج أبداً، ولن يتم توظيف أو التعاقد مع عمال النظافة وهو الأمر الذي يدعو للإستغراب من تصرفات أمانة العاصمة ومشروع النظافة، فلماذا يصرون على عدم توظيفهم أو -حد قولهم- ترسيمهم؟! ولماذا لا يرفع ذلك المبلغ الزهيد المسمى (15) ألف ريال، الذي لا أظنه يعادل تعب يوم يتجشمه عمال النظافة تحت الشمس ووسط الإهانة التي يتجرعونها من كؤوس أغلب المارة ووسط المخاطر التي يتعرضون لها بسبب طبيعة عملهم.

في يوم تكريمهم
أقامت أمانة العاصمة لقطاع النظافة والبيئة الأحد الماضي حفل تكريم لعمال ومنتسبي النظافة والحدائق والأشغال، بعد الحفل الذي تخللته كلمات رنانة من مسؤولين عدة، لو سمعتموها لظننتم أنهم سيأخذون أولئك العمال في أحضانهم بعد لحظات، ولاعتقدتم أن مأساة العمال أتت من عالم آخر وليس من قرارات هؤلاء التعسفية ومزاجهم المعكر دائماً.
كُرم (250) عاملاً من قطاع النظافة طنت أسماؤهم في المكان الذي احتفل فيه (حديقة السبعين) وصعدوا بخط برتقالي ليسلموا على الواقفين بالمنصة ارتسمت شفاههم ابتسامة الدراكولا.
وعد باستكمال اجراءات التأمين الجماعي على حياة عمال النظافة مع بداية يونيو 2007م، ووعد آخر بإنشاء و حدة صحية متكاملة تتولى الرعاية الصحية والعلاج لهم فضلاً عن شهادة تكريم وعشرة آلاف ريال، كان هذا هو نصيب العمال في حفل تكريمهم بمناسبة عيد العمال العالمي. ويبدو من كل ما سبق من الوعود والهدايا ان ما سيحصل عليه العمال هو تلك الورقة فقط (الشهادة). فالعشرة الآلاف التي تسلمها نيابة عن كل عامل مدراء المناطق قال بعض العمال إنها لا تصلهم: «يقولوا لنا تعالوا احضروا وتكرموا، نحن بنجيب لكم حق القات».
انتهى الحفل وعاد كلٌ إلى عمله وإلى مشاغله، وعاد كذلك عمال النظافة إلى أعمالهم التي بدأوها بتنظيف المكان الذي تكرموا فيه.
[email protected]