تعبير سقفه دبابة – نبيلة الزبير

تعبير سقفه دبابة – نبيلة الزبير

1
جمعية الرفق بالرؤساء
  
إلى : ن، ك. يبدو منذ زمن لم تكتب.. أنت متعب تماما.. جرب الكتابة غير “الحكومية”. حرية التعبير لذة لا تضاهيها أموال الدنيا. 
إلى: ع. ع: واحد من أمرين، إما أن يكون لدينا عشرين مليون “يمن”.. وإما أن تكون لدينا يمن واحدة تتسع لعشرين مليون مواطن.. والمسألة تعتمد على سلوكنا في أحد اتجاهين: الأول: نتمثل القانون الدولي (أعني الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948م والعهدين الدوليين 1966 وكافة المعاهدات الدولية التي تم التصديق عليها من قبل بلادنا وتلزم الحكام باحترام حقوق الشعوب فرادى وجماعات). أما الثاني فهو ما يسلكه “ساساتنا” العظام إنهم يمثلون بالقانون الدولي. والنتيجة واضحة في حالك وحال كثيرين جدا، يصعب عليهم الفصل بين شخص رئيس الجمهورية وبين اليمن. شخصيا ليست لدي إلا يمن واحدة ولن أفرط في حقي فيها. وسلم على يمنك أقصد حكومتك. قل لها: بلغ..! يوصل..! شكرن (بالنون).
 إلى: ز،ش: تقولين قسوت على “عمو”!! لو لم أكن أعرف أنك من الأقليات التي لم يغسل النظام يده  من دمها بعد، لصدقت أنك تحبينه، وتشفقين مما أسميته “قسوة” على “عمو” ومع ذلك لا أملك إلا تصديقك.. خاصة وأنني أطالب باحترام حق التعبير، فلأبدأ بنفسي: أحترم رأيك يا صديقتي رغم أنه غرررريب.. وسلامات لـ”عمو”.
إلى: صفر . صفر
بلغتني أكثر من “مناشدة” توصيني بـ”الأدبـ” وتستحلفني بالشعر والسرد، ألا أغادره طرفة عين، وكأنه منصب “رئاسي” يتهدد بسبب مني بـ”الصوملة” والحل هو أن أتقي الله، و”أقرررر” في مكاني، في الأدب. لا أدري لماذا هم قلقون على الأدب، وقد أصبح الرئيس يكتب شعرا، ويلوي عنق اتحاد الأدباء والكتاب. لا يزال عنق الاتحاد ملويا منذ سنة، منذ سمعوا قصيدة الرئيس، وبارك لهم نجاحهم في الانتخابات، وإلى الآن لم ينتهوا من توزيع المهام، والاتفاق عليها. كأنه كان يكفي أن يكون الأمين العام امرأة، كي يستقوي “الضعيف بطبعه” ويفرد عضلاته.. يا لطيف كيف بركة الرئيس مضرة.
لن أطمئن هؤلاء على الأدب لكنني سأوضح لأصدقاء/ات هذه السطور لماذا هذا القلق على الأدب..! يبدو أن تواجدنا داخل الكتب.. مصادرته سهلة. على الأقل أسهل من مصادرتنا في الصحافة. هنالك “دودة” تستهدف كتبنا، حتى لو وصلت إلى المكتبات. شخصيا، ذهبت بكتبي لأكثر من مرة، وزعتها لأكثر من مكتبة، مجانا، لا أريد من هذه الكتب أن تطعمني، فقط تصل للشارع، ومع ذلك؛ النتيجة ما فيش كتب..! لأحد الأخوة العرب كتابة طريفة تصور هذا الموضوع أنقلها لكم  مقتبسة من إحدى منتديات الإنترنت: خارج النص: كنت محظوظآ أو (شليقآ) عندما قصدت المكتبة اليمانية ، ومنتفخ الأوداج سألت البائع : هل لديك إصدارة لنبيلة الزبير ؟ هكذا سؤال المحيط بكل الكتابات في الدنيا ، إبتسم الرجل وإنحنى ومن تحت الطاولة (لا أعرف لماذا) أخرج لي أربع جواهر ( تنوين الغائب ، محايا ، متواليات الكذبة الرائعة ، ثمة بحر يعاودني ) ومرة أخرى باغته ، مدعيآ هذه المرة معرفة كل الوسيمين في الدنيا ( ومازلت منتعلآ صلفي وهذه المرة معه إدعائي ،فردة صلف وفردة إدعاء) ومنتصب الهامة سألته : هل لديك شيء ل عبدالفتاح إسماعيل ؟ ، هذه المرة رفت إبتسامة مضيئة من اسنان بيضاء نضيدة لم يخربها القات ، وإنتفخت أوداج الرجل وإنتقلت الدهشة (من عيون كديسة يوسف الموصلي لعيوني ، يا عيوني) عندما أجابني : نعم ، ودهشة أوسع من فضيحة عندما أخذها من فوق الطاولة و ناولني ( نجمة تقود البحر )! عبدالفتاح إسماعيل من فوق الطاولة ونبيلة الزبير من تحتها! ،وإتسعت دهشة بعمق بحر (أحمر ) تقوده نجمة (بتلمع هناك رغم المكان البعيد ) انتهى الاقتباس..!
والله، الصحافة ثقلت يا سامي، فهل نقول ثانكيو بوش، أم نقول جزاك الله خيرا يابن لادن.. لا فرق فكلاهما معتوه!
اليوم زمن الجماهير بامتياز، وليس زمن الأدباء: غدا 
إلى: ش، ن: لم أجد ما أقوله لك، والكلام الذي سأقوله هنا، هو خطبة من الدرجة الأولى. وأنا أكره الخطابة، وهنا، وبصراحة أكثر: أخاف الخطابة، خاصة وأننا في أيام “مفترقة” وأبواب الترشيح للرئاسة مفتوحة، وأحوالي الاقتصادية تنذر بسوء، وأخاف أن يصل هذا السوء حدَّ التفكير بـ”الكرسي” بوصفه الطريق الملكية، والمجربة، لمنافسة المليارديرية أمثال “بل غييتس” و”الوليد بن طلالـ”.
المهم، خذي هذه الخطبة وربنا يستر: انتهت تلك الصورة النمطية للأدب والأدباء، التي تعيدنا إلى ما قبل الثورة الفرنسية، حيث كان الأدباء والكتاب يدخلون ثياب البارونات، ويتكلم الواحد منهم، من وراء غليونه، وبقدر ما تسمح به ربطة البابيون. انتهت تلك الثياب في الثورة الفرنسية.. أقول في “الثورة الفرنسية” التي أصبحت تغيير كتابٍ وفكر.. قيل أنها التي فجرت ينابيع الحرية في أصقاع الأرض.. وتدافعت من داخلها شعارات: القانون، والعدالة، والحرية للجميع. الثورة الفرنسية، إنها هي نفسها.. ثورة (1792) عاركت خمسين سنة من الفساد، لكنها لم تصر ثورة بهذا المعنى: الثورة التي ألهبت ثورات الشعوب.. إلا حين دخلها الأدباء والكتاب بكل ثقلهم.
انتهت الخطبة! صورة مع التحية للصديقة الأردنية عروبا، والصديقة الفلسطينية سهير: ليس لأن لدينا حرية تعبير مكفولة، بل لأننا نغامر..! لم نصل بعد لحق التعبير بواسطة المظاهرات، الطريقة التي تتوافر عليها أقل الشعوب ديموقراطية.
أما صديقي العراقي فأقدر ظروفه تماما.. هنالك عراقيون يحتاج بعضهم لمائتي سنة كي تمحي جينات الخوف، ويبدأ أحفادهم، يتكلم الواحد منهم، في النظام الحاكم، دون أن يتبول تحته..! يعني شوية اللي شافوه! تكفيهم الفترة من “قاسم” إلى “صدام” إلى الحفرة.. التي لم تزل مفتوحة برهان: إما الحكام وإما الشعوب..!!
ولن أحملهم هو وأشباهه من المثقفين المسؤولية.. كما حملهم إياها “علي القاسمي” في مقاله “مسؤولية المثقفين وانهيار العراق” وسرد عليهم جملة مما أسماه “الأخطاء الكبرى” منذ 1921 منذ استقلال العراق وتتويج الملك فيصل الأول، حتى الجنرال الأمريكي تومي فرانكس (2003) حملهم جملة من الأخطاء.. كان يمكن أن تكون جملة من الأدوار المسؤولة، خاصة وأن بيئتهم الثقافية مهيأة أفضل عشرات المرات مما هي لدينا..
2
حقوق المنع محفوظة للرئيس
دعونا لا يحدث لنا مثلما حدث لكثير من العراقيين..! أقصد ما حصل لهم من خوف. ولا أقصد انهيار العراق، فالمدن لا تسقط، ولا تنهار. لقد أرانا هذا الشعب، عبر التاريخ، أنه نار تحت رماد.. وتحت الرماد، أو فوقه، لا يكف عن عمران مدينته..! وحتى مع ما يحدث اليوم في العراق، من جرائم محلية، وجرائم دخيلة ومصطنعة. العراقيون لا يكفون عن عمران مدائنهم.. الشعوب لا تنهار، مؤكد؛ إنه لا ينهار ولا يسقط إلا نظااام.. وليس أي نظام.. فقط: النظام الذي تتقطع أواصره بناس الشارع.
 بلاد تتهددها الحروب والمجاعات
لو أننا تشبثنا بحقنا في التعبير كاملا، وغير منقوص، ولا ممنوح “و:بمن” لما وصلت الحال إلى ما نحن عليه. ولكان ذلك أفضل للحاكم. بدل هذا المأزق الذي هو فيه.. رئيس يحكم ثلاثين سنة لا يحقق لبلاده غير الخراب. مؤلم..!
لقد تفرجنا على الديموقراطية كما لو كانت خروف الرئيس يحلبه يوميا ويذبحه وقت يشاء..! هنالك من ينبهني إلى أن الخروف لا يحلب! هذا خروف ممسوخ..! من الذي أفاد من إعلان التعددية؟ ليس إلا النظام الحاكم والحاكم! لقد وقع على معمل حي، للتجارب، والتجاوزات، والخراب. أذكر في 87م، كانت وزارة الكهرباء نصبت صورة للرئيس، بطول مبناها. بلغت كلفتها والعهدة على الراوي مليوني ريال. في تلك الفترة، كان هذا المبلغ مهولا.. لكنه طبعا لن يصل إلى شيء من “هولـ” تكلفة جامع الرئيس، الذي لا يزال يبنى، ولا يزال يكلف، ومهما أغلق الاجتهاد هذه التكلفة في رقم.. فتحه الفساد عن آخره.. المهم في حكاية 87م: أن الرئيس حينها أسقط الصورة وأنب منافقيه بجملة أوردها أيضا على ذمة الحاكي: “هل تريدون للشعب أن يكرهني”..!
في 87م كان هذا الشخص يخاف أن يكرهه شعبه..! يااااه كم تغيرت الحال اليوم..! ما الذي فعلناه به؟ محقناه! أم هذه هي التعددية، فضحتنا له..! جرَّبَنا مرارا، في مواقف؛ لا يسكت لها شعب؛ وعنده تعددية سياسية: من……….. (حذف للتخفيف)
اعتقال بالجملة وتعددية كل واحد يجلس في بيته 
هل إلى هذا الحد نحن شعب مجرَّب..! أو على حد تعبير النكتة: “شعب لقطة”. هل حقا نحن لا نعترض على شيء..؟ لنسأل التعددية التي بقيت مكانا شاغرا لا يدخله أحد.. لماذا؟ أليست التعددية معناها الشراكة في القرار السياسي. هل الحكم عندنا قرار سياسي ليصبح من حق الفرد أن يشارك في اتخاذ القرار بنفسه أو عبر من يمثله (مجالس نيابية وأحزاب معارضة) هل كان من حقنا أن نمارس أي نوع من أنواع التعبير الإيجابي. ليس لدينا إلا قوانين تمنع أي تعبير.. وإلا: دبابة! كيف نعترض بواسطة هذا التعبير الراقي الذي اسمه “مظاهرات” والدبابات فوق رؤوسنا..! من داخل مظاهرات العام 92م خرج إلينا أبرياء وبسطاء من أفراد الجيش والأمن، حدثونا عن بطولاتهم في فركشة المظاهرة.. كانوا فعلا يتكلمون ببراءة عن الأدوار وكيف تقاسموها وكيف كانوا يتعرفون إلى بعضهم كمكلفين في مهمة رسمية بواسطة علامات بالطباشير على أكواتهم.. لأنهم ينخرطون في المظاهرة بزي مدني، ويكسرون، ويشيعون الفوضى، ويشتبكون، ويطلقون الرصاص. ولا ينبغي أن يصيب أحدهم زميله.. وهو يعرف زميله بعلامة واحدة تجعله يختلف عن الناس علامة بالطباشير.. أية بلاد هذه التي تصبح فيها علامة بالطباشير هي علامة فارقة بين مواطنين.. علامة قتل..! مواطنان اشتبكا على واجب واحد هو الدفاع عن الـ”وطن”.. من القاتل..! يا وطن..! هل لست أكثر من رصاصة!؟
لن نذهب إلى مظاهرة 2005م تكفي الإشارة إلى المسافة الزمنية الفاصلة بين المظاهرتين..! أذكر، رد علي واحد من مواطنين بسطاء كنت قبل المظاهرة الأخيرة، دائمة الحوار معهم، واللوم، والنقد: لماذا لا يتظاهرون! قال: “اعقلي! جاري سقط أمامي قتيل، أولاده الآن أيتام، وجاري الثاني بقي في الحبس ثمانية أشهر.. وكان ممكن يجلس للأبد لو مابش معه من يلاحق بعده.. لمن يفلت الواحد عياله!” لم أعد لمثل ذلك الحوار إلى أحد من هؤلاء.. عقلت..!!
هذا بالضبط ما أراده الحاكم عقل (من عقال) الجميع..! وفي خطة مطبوخة تماااام.. أجزم أنها كانت واحدة من الخطط والضمانات التي انبنى عليها الإقدام الشجاع للرئيس (الذي يدير البلاد بالتلفون) إقدامه على إعلان التعددية السياسية..! التعددية التي بقيت بيتا شاغرا لا يدخله أحد.
حق التعبير بالمظاهرة سلب من الشارع، بقوة السلاح. هكذا ببساطة، كل الذي تغير هو وضع الصورة. وبدلا من أن تكون المظاهرة صورة تعبير للناس، أصبحت صورة تعبير للريس. والتفسير: إدانة: هذا الشعب غوغاء.. وهنالك قرينة يستدل بها لإقناع الرأي العام الخارجي، هو أنه شعب “مسلح” ألهذا لم تكن الحكومة جادة في مشروع نزع السلاح..! لكنها كانت جادة بتكبيل هذا المواطن، ومد أسباب الجهل، وخلق المزيد من “فرص” الأمية، وشد حبل الفقر، أو: الإفقار، الذي هو بقرار سياسي. كل هذا يصلح مبررات “شغبـ” يقنع الرأي العام الخارجي طبعا إلى أن خيار “الدبابة” في الرد هو اضطرار من أجل حفظ أمن الوطن والمواطن والحفاظ على ممتلكاته العامة.
منعت المظاهرات بدون قرار مكتوب طبعا.. القرار المكتوب يقول تعددية.. والمسألة هي: أيهما يقرأ. لم يخرج الشارع مظاهرة منذ 92م إلى 2005م حقوق المظاهرات محفوظة للرئيس.. وحده يقرر متى وكيف ولماذا؟ كل المظاهرات التي خرجها الشارع كانت بتوجيهات من الرئيس وبما يحقق مصالحه في علاقاته الدولية. من تلك المصالح ما هي ضد الشارع.
هنالك صورة تعبير للشارع تنفي أنه غوغاء، اعتصام سائقي الدرجات النارية، أو العجلات التي تعول مئات الأسر، وتكفل آلاف الأطفال في المدارس. اعتصم الأفراد بالدراجات، بالأسر، بالأطفال، بالأضرار، بالخسائر بالإحباط الذي طالهم نتيجة الوقت الذي امتد والصمم الذي قوبلوا به، وحسب إفادة رئيسة منظمة صحفيات بلا قيود “توكل كرمان” وصلت الحال ببعضهم حد الانتحار..
أخيرا سمعهم مجلس النواب وأصدر لهم “عريضة” تصرح لهم بمواصلة العيش على هذه العجلات. ولا أدري هل ستصطدم بأسوار التنفيذ لأن حكاية الخوف من “الموترات” لا علاقة لها بالبيئة، بل بأمن أصحاب السيادة.؟! هذا موضوع آخر، دعونا في حدود تعبير الشارع: هل يصلح الانتحار صورة تعبير..؟ من تعكس هذه الصورة..؟
 
تعبير بآلية يمنية.. تحت الجلد
3
 
صورة الرئيس يجلب من دولة صديقة آليات مكافحة شغب..!! هذه الصورة تعبير! (سؤال اعتراضي: هل ليس لدينا ما يكفي من أدوات مكافحة الشغب! أظن؛ لدينا من هذه الآليات ما يمكن أن نبيعه للصين.. لكن المطلوب: صورة..!)
 صورة تعبير: فخامته يكافح الشغب سلميا. تذكرني هذه الصورة، بصورته في عمَّان في توقيع وثيقة العهد والاتفاق. تحديدا في الحماس والحرارة وهو يحضن ويبوس “البيض”. الأخير كان جامدا كما لوح خشب، وينباس غصبا عنه. لم يستطع كما يبدو الشيخ الأحمر أن يدخل “كادر” الصورة مع الرئيس.. دخوله في توقيع مطول لفت الكاميرات كأنما ليتبرأ تاريخيا مما سيحدث بعد ساعات قليلة.. لم يدخل الصورة مع الرئيس لكنْ عكسَ تعبير العارف بوقوع الحرب لا محالة.. وبالفعل.. كان توقيع الوثيقة أوائل الليل..! أواخره.. في الرابعة فجرا كان التوقيع للمدافع والصواريخ. نمنا على “تعبير” الصورة.. وأيقظنا “تفسير” نفس الصورة. إنه لا يقدم تنازلات كرامة ويعانق ويبوس من لا يدير له وجها، إنه يمد يده البيضاء إلى آخر لحظة هكذا أراد أن يقول لنا.. لكن كلمته الفعلية كانت قد قيلت في “عمران”.. المدينة التي انطلقت منها كلمة الفصل المسلح!
صورة لزيارة الرئيس مؤخرا لعمران التقطها لنا الكاتب “معاذ الأشهبي” في العدد الأسبق من النداء. برسالة تذكيرية يرسلها الرئيس إلى شعبه! نفس المناسبة: “الانتخابات”، ولا مانع من تكرار نفس الوسيلة: الحرب!  
الرئيس يتقن وببلاغة لغة التعبير بالصورة..! لا علاقة لذلك ببلاغتنا (أو بلاهتنا) في التفسير! هنالك صور يتعذر تفسيرها للثقل. مثلما في النحو. فسر هذه الصورة: رئيس فوق دبابة..!! حرب!؟ صحيح! لكن حدد أكثر: التهديد بالحرب. لأن الحرب تعبير أيضا. لكنه التعبير الذي يرفضه القانون الدولي ويعاقب عليه بعزل الرؤساء ومحاكمتهم. (ملحوظة: الرؤساء بالانتخاب وليس بالدبابة)
عندنا، الرؤساء لا يخضعون لسقف تعبير.. إنهم دائما فوق دبابة.. وينتظرون نتائج الانتخابات فوق دبابة.. ويخطبون فوق دبابة، ويخرقون قوانين النشر التي سنوها لنا فوق دبابة، ويرتكبون ما أسموه في قوانينهم “جرائم العلنية” ويثيرون العنف، ويوزعون تهم العمالة، ويخونون، ويقسمون الشعب إلى عسكر ومدنين، ويحرضون، ثم يتكلمون عن “الفتنة” التي هي أشد من القتل.. ونصفق لهم.. هذا حدنا في التعبير.
 
سوء تصوير 
أمامي الآن تعبير تتعذر قراءته، لأنه بدون صورة. الرؤساء يعبرون أيضا بواسطة الشائعات، وتسريب الأخبار، والقوائم أحيانا. مصورون (أي: سياسيين) أشاروا على الرئيس وهو في طريقه إلى عمران ألا يصل إلى الطفلة “سوسن” ليناصرها ويناصر البلاد في شخصها المغتصب. لا تدري لماذا! هل لتصبح قضيتها شرقأوسطية! القضية مؤهلة على أية حال: اغتصاب، والمغتصب ضعيف، والغاصب متغطرس ومدعوووم. ولم يلتقط الرئيس هذه الصورة إلى جانب سوسن. من يدري؛ التقاطه صورة إلى جانب مواطن مقهور ما الذي كان سيفعله في “القضية” قد تتغير فعليا مؤشرات البورصة في قضايا العالم الثالث كلها..
أتخيل سوسن بعد سنين تسرد نفس التفاصيل.. هل سيجيء بعد سنين أيضا من يبحث فيها عن أدلة تكذيب. يختطفها رغم أنف القانون ويذهب بها للكشف الطبي..!!؟ جرح سوسن (الذي يعاينه كشف طبي) التئم، لكن الجرح الذي لن يلتئم، والذي هو جرحنا جميعا هو للطريقة التي “اغتصبت” بها أجهزة الاختصاص الحكومية قضية طفلة. لم تعد أجهزة ضبط، ولا تنفيذ، ولا تشريع، ولا نيابة، ولا قضاء.. لقد تخصخت تلك الأجهزة وأصبحت “معاولـ” استثمار. المقاولون لديهم مكاتب، والمتنفذون في حكومتنا لدى الواحد منهم “قانون” يضعه تحت إبطه ويدور يلقط رزقه.
سوء تخدير.. صورة تكييف
الصورة التي كان بودي أن يصطدم بها الرئيس في طريقه إلى عمران هي تلك التي أوقفتنا في طريقنا إلى سوسن: صورة مقززة، نقلها إلينا “محمود” عن بيت. صاحب البيت يؤجر زوجته (الساعة بألف ريال والعدادة بتحسب) إخ! أنا معكم؛ أنها مقززة لحد لا يسمح لنا بمواصلة الكلام في هذه النقطة.. لكن اسمحوا لي، هذا الرجل الذي يؤجر زوجته ليس أكثر دعارة ولا أكثر وساخة من الذين يؤجرون أقلامهم.. الأمر نفسه بالنسبة لمؤجري ضمائرهم، طباخي الرئيس ومصممي صوره السياسيين!
دعونا نناقش هذه الصورة بوصفها تعبيرا: أن يفرط رجل أي رجل بحق مكفول له اجتماعيا، وقانونيا، ويتغاضى عن سلوك شائن لأخته أو ابنته أو أمه أمر وارد، وحتى عن زوجته إذا فلتت أخلاقيا رغما عنه لسبب أو لآخر.. لكن أن يحضر متفرجا حفل “جنس” ببطولة زوجته، هذا أمر لا يعني في تفسيري إلا شيئا واحدا: هذا الرجل يشهر الطعن في رجولته، حقوقا وواجبات واعتبارا وآدمية، ويصل إلى أبعد حدود الإعلان عن عطب كل ذلك، عندما “يمركز” ويمحور ذلك العطب في أغلى ما يملكه كرجل حسب ثقافة مجتمعاتنا في الفحولة. هذا الرجل يحتج بوقاحة! أراهن: آخر ما يهدف إليه هذا الرجل من هذه الدعارة الذاتية عبر زوجته، هو كسب المال.
على كل حال هذا الاحتجاج مأمون، ولا يستعد له رئيس بما يلزم من مكافحة شغب.
صورة تحت التكييف
طفلة وراءها حشد هائل من الشحاذين. هكذا، قرروا أنهم شحاذون، وأنهم لن يخرجوا من رهان الشحاذة خاسرين أبدا: شحذنّا أحسن لكن، لأنه؛ ماعنمشيش، وعنجس هكذا نزعجكن، لوما تدفعين..! ألا تذكركم هذه الصورة بشخص حبيب اسمه “يمن” أوقفوه هكذا بباب مجلس التعاون الخليجي..! وآح. لا تقل آح بل: إخ! لأن البلاد التي يتسولون بها أكثر غنى وتنوعا اقتصاديا من كثير من تلك الدول المشحوذة..!
دعونا في الصورة، الأطفال، بعد حوار، ومشروع اقترحته عليهم صديقتي، لانوا.
الصورة الآن مرهونة بمدى مصداقية موقفنا مع هؤلاء الأطفال. أعتقد، إلحاحهم لم يكن يهدف لجمع المال فقط. كانوا يأخذون حقهم، هكذا قالت لنا الطفلة، أنه حق. كانوا يتظاهرون.. السؤال: الذين يبدءون مظاهرة احتجاج عالية النبرة، ثم ينتهون إلى موجة أدعية. في التحول التالي.. في الصورة مستقبلا أين يكونون. أرجح: لن تكون نبرتهم عالية، ولن يكونوا مجتمعين، بل فرادى.. كل واحد/ة منهم ينغمس في سلوك ما.. في صورة ما، تعكس تعبيرا.. أي تعبير يخطر لك إلا: “مكافحة” السلطة..
فلمن يجمع الرئيس آليات مكافحة شغب؟ لا أدري.. هذا الرجل يحب جمع الأسلحة والسيارات.
 
الديموقراطية خيار
ورقة أمريكية.. ليس مهما تفاصيلها هنا. أعجبتني الخاتمة التي ذيلت باقتباس وسيم “جدا” ويعنطط ويشطح في تبرير الديموقراطية خيارا وحيدا تزدهر به شعوبنا.. ثم تتكلم الورقة عن الديموقراطية في أمريكا، وعن القرارات التي اتخذتها المحكمة الأمريكية ذات الصلة بأهداف ومعنى حريات الكلمة والصحافة في مجتمع ديموقراطي. ولكن الاقتباس تنوه ليس من المحكمة الأمريكية العليا. بل هو تصريح لرئيس الجمهورية اليمنية..!
أليس هو نفسه الذي يقف ليخطب فينا، ويلوح لنا بإصبعه، ويهدد بالحمراء، ويكرر: حرية التعبير ليست غاية، إنها وسيلة..!
قولي له لا يا عمو! حرية التعبير ليست وسيلة، إنها حق، وحق لكل إنسان، وحق بدون حدود.