ألم تتعبي بعد؟ – إيلي الفرزلي

ألم تتعبي بعد؟ – إيلي الفرزلي

يربكني كل هذا الحب في صوتك، كل هذا الشوق عندما تقولين لي: «يا حبيبي». تلك الكلمة التي تعطيها لحناً حزائنياً تؤذيني. تجعلني أتوه في صمتٍ غالباً ما تقاطعيه معترضة: «شو بك بتضل ساكت؟». ماذا أقول عندها يا صديقتي، ماذا أقول وأنا أعرف كيف كنت تنتظرين اتصالي منذ الصباح الباكر. أعرف كيف تتنقلين من غرفة إلى أخرى وصوت الهاتف يرن في أذنيك. أعرف كيف يجعلك كل اتصال تركضين نحو الهاتف. بربك، قولي لي، ألا يكفي أن تمر هذه الفكرة في خاطري حتى تصبح كل الكلمات غوغاءً، ويصبح أي موضوع سأكلمك به سخيفاً وبلا قيمة؟ حقاً، أكره أن أتصل بك، أن أسأل كيف الحال أو ماذا هنالك من جديد. في كل اتصال يكون الجواب نفسه: «ما في شي، كلنا مناح بس احكي انت، حابة إسمع صوتك». أوتظنين أنني عبد الحليم حافظ؟!
ثمة فارق شاسع بيننا. أنت أمّ وأنا لن استطيع مبادلتك مشاعرك مهما حاولت ومهما كانت درجة اشتياقي إليك. أنت أمّ، بركان حب وحنان لا ينضب وأنا مجرد ولد عاق يحبك ويشتاق إليك، لكنه يخشى التعبير عن مشاعره كي لا يجد نفسه غبياً لعدم قدرته على مجاراتك في عواطفك.
سلوكي العدائي كان دائماً الوجه الآخر لحبي لك. وجدت فيه أسهل طريقة للهرب من مواجهة حبك. نعم، معك حق، هربت من غباء لأجد نفسي في غباء آخر. سامحيني يا أميرة.
أعرف أنك عاتبة علي لأنها المرة الأولى التي أغيب عنك كل هذه المدة. ألاحظ ذلك عندما تسألينني بخفر متى آتي. مهلك، أنا أيضاً عاتب عليك. لماذا تحرجينني كل هذا الإحراج؟ ماذا تنتظرين مني عندما تقولين لي إني كنت أسمع صوتك كل النهار في المنزل، ماذا تتوقعين مني عندما تقولين لي أنك سمعت وقع قدمّي على الدرج؟ ليس لدي شيء لأقوله، سأصمت من جديد.
يا رفيقة، قلت لك ألف مرة ألا تنتظري أصدقائي ليزوروك. أنا أعرفهم وأعرف جيداً أنهم سيخذلونك ويحرجونني أمامك؟ هم أيضاً لا يعرفون كيف تفكرين. سامحيهم، وتصرفي بالزوادة التي حضّرتيها لي مرتين لترسليها معهم. «الكبة والكشك والبرغل جاهزة يا أمي، متى سيأتي أصدقاؤك؟». لا تتعبي نفسك كثيراً والله ما احتاج شيئاً هنا، حتى الصابون البلدي موجود.
أتذكرك يومياً حين أخلد إلى الفراش. أذكر انزعاجي الشديد عندما كنت تتسللين إلى غرفتنا لتطمئني، ولتري ما إذا كان الغطاء قد انزلق عنا أم لا، أو لتتأكدي من أني عدت من السهرة. كم أود أن أعرف أي صبر ذلك الذي تختزنيه وأي طاقة تلك التي تحملينها. ثقيل حملك يا أمي، ثقيل حملنا عليك. عندما أتذكرك، أستخف بأيوب، أعتبره نتاج دعاية كاذبة، فمن يكون أيوب أمام أي أمّ؟! أصلاً، من العار على الرجال ألا يكون رمز الصبر امرأة.
يكفي استطراداً. بأي حال، أظن أنني حققت لك ما تحبين من خلال هذه الكلمات القليلة. أعطيتك سبباً لتبكي. نعم، أعرف أنه لن يكون لعينيك التعبتين إلا الدموع زاداً حينما تبدأ رانيا بقراءة هذا النص لك.
 سأحاول غض النظر عن هذه الفكرة متذكراً علاقتك الأزلية بالدموع التي تنسل من بين جفنيك بمناسبة أو من دون مناسبة. تمر بين التجاعيد الرقيقة التي بدأت تتسلل إلى وجهك.
كما توقعت، ها انت تجلسين متقوقعة تلفين يديك حول رجلك، وذقنك يستقر على ركبتك. ما زلت أحسدك على هذه الجلسة الفلاحية الرائعة التي عبثاً أحاول تقلديها وأفشل.
يا أمي يا حبيبتي أرجوك إنس هذا الغطاء اللعين ولو لمرة واحدة. أليس الأجدى بك أن تغفي قليلاً بدلاً من التنقل بين سرير وآخر للاطمئنان علينا؟ نحن نيام ولن يقتلنا البرد إذا ما انزلق الغطاء. 29 عاماً على هذا المنوال… ألم تتعبي بعد؟