خذلتني يا فريد.. يا ظاهري – جمال جبران

خذلتني يا فريد.. يا ظاهري – جمال جبران

(1)
الجسد المضبوط، الموسيقى المضبوطة وبينهما كائنات راقصة على خشبة مسرح.
هل لفريد الظاهري علاقة بهذا؟
«سفر.. سفر» ومعين بسيسو أو برفقة نصه.
الافتتاح، رفع الستارة وظهور كائن محمولاً على ظهر كلمات زياد رحباني وموسيقاه:
«بصراحة..
تعي نحكي بصراحة.
بما إنو بصراحة
بصراحة
بما إنو ما في أحلى من الصراحة.
ما عدت إعني ليك شي
ولا حاسس، بصراحة،
وما عدت أنفع لشي..».
افتتاح مباغت أزاحني قليلاً إلى الأغنية بداخل قاعة ليس بها سواي وأربعة إلى ستة أعين.
أتحدث هنا عن عرض فريد الظاهري الأخير «سفر.. سفر» وظروفه.

(2)
دعوة محمولة على رسالة SMS مبعوثة إليَّ من طرف سعيد الشدادي. والمناسبة عرض مسرحي جديد لفريد الظاهري. يعني «سفر.. سفر» آخر معه.
كل عرض لفريد هو «سفر» على العموم. أصلاً أحب ما يفعله من مسرح. ذهابه في التجريب الذي أراه مصنوعاً بالجسد وبلا كلام كثير. لا أحب الكلام الكثير ولا أطيقه. أحب الرقصة المضبوطة والجسد المضبوط كما الموسيقى. الظاهري كان يوفر لي هذا وأكثر.

(3)
كان موعدنا الثامنة، لكن الستارة لم تذهب إلى افتتاحها. يعبد فريد الظاهري مواعيده. عرضه مربوط بالساعة ومؤشرها. دقائق أخرى تمر لحال سبيلها بعد الثامنة. القاعة تكاد تبدو فارغة. أربعة أو ستة أعين هنا وهناك وأنا. كلنا في الانتظار.
لا مواعيد مضبوطة في هذا البلد. لكن فريد غير.. لا جمهور للمسرح في هذا البلد لكن مسرح فريد غير.
كما ولا مسرح تجريبي في هذا البلد.
لكن تجريب فريد غير.
وراحت نصف الساعة.. وراحت ربع الساعة أيضاً.
الساعة التاسعة إلا ربعاً هي الآن.
يظهر فريد الظاهري مقترباً مني.
تصافحنا.
لم يكن كلامنا طويلاً إذ اكتفينا بالتحايا وبعض السؤال عن الحال والمسرح:
«.. متى ستسافر؟
– عن قريب» قال لي ورددت عليه.
لم يكن فريد صديقاً لي. الصديق بالمعنى الشائع لهذي الكلمة. كنت أعرفه ويعرفني. علاقة مقتصدة بلا إسراف من الطرفين. أو ربما علاقة تخشى انفضاحها وظهورها للعلن.
علاقة تخاف على نفسها من الخدش والأذية في محيط كل ما فيه مؤذ وخادش. علاقة لا تود غير تمام حالها ودوامه. ذهابها في طريق السلامة. كأني كنت أخاف على كل هذا.
على الصداقة،
وفريد.

(4)
خلاص، سنبدأ الآن. قالها وذهب لمسرحه و«سفر.. سفر». قالها ورفع الستارة. قالها وذهب.. راح إلى مسرحه ومعه رحت أنا. ذهبت في «سفر.. سفر».
ذهبت تماماً. سحبت نفسي من وقت الحياة الحقيقي. ذهبت في المسرح، ذهبت مع فريد.
ذهبت إلى النهابة. إلى استراحة من كل شيء. من التفاصيل الثقيلة. من الخارج كله.
ذهبت طويلاً طويلاً.. وعدت.
لكنه لم يفعل،
ولم يعد.

(5)
من يومها لم يعد. لم يحدث تقاطع بيننا. لم نتصافح ولم نقل كلاماً ولم نتبادل، كالعادة، تحايانا وبعض السؤال عن الحال والمسرح. لم يقل «متى ستسافر؟».

(6)
«لا يكون الرحيل هكذا يا فريد!!»
قلت بيني وبيني لحظة وصول الخبر. خبره. إذ راح إلى النهاية. راح فريد الظاهري تماماً. بمعنى أنه مات. بمعنى أننا لن نتصافح ثانية. لن نقول كلاماً قليلاً ولن نتبادل، كالعادة، تحايانا وبعض السؤال عن الحال والمسرح. لن يسألني عن السفر ولن أسأله: لماذا مات؟ لكن «لا يكون الرحيل هكذا يا فريد!!».
قلتها ثانية وسادسة وإلى الآن، بيني وبيني. هو ذلك النوع من الإعادة والذي نفعله كوسيلة للتأنيب.. أو التصديق. التأنيب على الطريقة التي تم بها الرحيل وصار ناجزاً. والتصديق لأنفسنا. نفعل أي شيء لكي نصدق فقط. لكي نصدق وحسب. لكي تلمس أصابعنا ما صرنا عليه وأصبحنا.

(7)
«إننا محكومون بالأمل. وما يحدث اليوم لا يمكن أن يكون نهاية التاريخ». قال سعد الله ونوس. وهو الذي ولأربع سنوات يقاوم السرطان بالكتابة للمسرح.
كان المسرح من أهم وسائل مقاومته للمرض خلال السنوات الاربع. كما كتب ونوس. الكتابة بصورة محمومة ونازفة وصانعة لمسرح كثير.
الكتابة وسيلة مقاومة.
المسرح وسيلة مقاومة وسلاح.. ودواء. المسرح دواء وإكسير لإطالة حياة.. وضعها في الخلود.

(8)
إنهم لا يحبون المسرح هنا يا فريد، نعم. وكيف إذا كان تجريبياً كالذي كنت تفعل وتصنع.
إنهم لا يحبون المسرح هنا كما والحياة. لكن هذا ليس مبرراً للرحيل. ليس مبرراً للغياب تماماً!! ليس مبرراً ما فعلت.
عليه. «وبما إنو بصراحة وبما إنو ما في أحلى من الصراحة..».
خذلتني يا فريد.. يا ظاهري.

[email protected]